معرض “ولادة أمة من جديد” تنظمه “Noah’s Arch غاليري”…

ولادة أمة من جديد” في “مركز بيروت للمعارض” حيث الارتفاع بالتراجيديا الأرمنية إلى المستوى الفني اللائق

قال الحكماء ان “البلد الذي ليس لديه ذاكرة معرض للموت من الصقيع”. في “مركز بيروت للمعارض”، البيال، “ولادة أمة من جديد”، هو عنوان المعرض الذي يستمر إلى آخر أيار، وتقيمه الاجيال الارمنية التي لم تنس ذاكرتها، إيماناً منها بأن الحق سيعود الى الضحايا وذريتهم الموزعة في اقطار المعمورة. فهؤلاء يقيمون في الذاكرة الجماعية؛ تشهد لذلك المعلومات والوثائق والمدوّنات والشهادات المكتوبة والحية. مئة لوحة وعشرون منحوتة لفنانين أرمن من الكبار والشباب يروون بالرسم والنحت ما عاشوه أو سمعوه من أهلهم وقرأوه في التاريخ والشهادات والوثائق عن المجازر.

ندخل الى المركز بعد أن نمر أمام مجسم – مركب يحمل توقيع الفنان اللبناني شربل عون الذي شيّد بالخشب المحروق خيمة سطّر تحتها طريقاً تعيد الى الاذهان الجلجلة التي عاشها الارمن قبل أن يصلوا الى شط الامان. في مكان آخر ينبعث صوت يروي ذكريات لم يقض عليها الزمن. نشعر بأن هذا الصوت يأتي من وراء العصب الحياتي لا يتوقف عن تمتمة كلمات لا تزال حيّة منذ المجزرة وقد تستمر مدة أطول من عمر الارض، ترندح أو تندب أو تنادي أطفالاً لم يكبروا ولن يروا النور ولو افتراضيا.

بالفن تستمر الشهادة للحقيقة، التي لم تستطع أن تمحوها يد الاستبداد العثماني التي لم تتحمل وجود شعوب وإتنيات من غير التي تقدم الولاء المطلق للحكم المتسلط في تلك الحقبة من التاريخ. في “مركز بيروت للمعارض” يؤكد الفنانون الأرمن انهم يعرفون تاريخهم، ويعيدون إحياءه في نتاجهم الفني والادبي والتاريخي. انهم ابناء القضية الذين يواصلون سرد ما عاناه الاباء. انهم جيل الايمان الذي يرفض النسيان.

نعرف الكثيرين من هؤلاء الفنانين: بول غيراغوسيان، غوفدير، زافين شارت، انيتا توتيكيان، ارازاد، رافي يداليان، اسادور بزدكيان (الموهوب جدا والبعيد عن لبنان)، طوروسيان، وطبعا هرير وملائكته المكللة رؤوسها بالشعر البراق. كثر من النحاتين والرسامين والمطرزين والعمال اليدويين جيء بأعمالهم من الخارج، وهم من الكبار في بلدانهم، ولا ننسى الاجيال التي رافقت تطورات الاساليب الفنية في العواصم صاحبة الابتكارات والابداعات والشهرة العالمية.
وكان النحات البارع زافين سجل في النصب المرفوع على تلة متنية قرب بكفيا تحية للمجموعة الهائلة من الشهداء الذين سقطوا بسبب ايمانهم بهويتهم وتراثهم وحضورهم في الارض. لا نستطيع تسمية جميع المشاركين في هذه التظاهرة الضخمة التي تقدم باقة كبيرة من الاعمال لها حضورها الابداعي. نذكر نوريكيان، جانسيم، اغوبيان، شارت، غوف، وغيرهم ممن كانوا ينبتون خلال السنوات ونحن نرافقهم نشجعهم او ننصحهم.
يحتضن المعرض جميع من ذكرناهم وغيرهم كثر جاؤوا من انحاء المعمورة ليشهدوا لإيمانهم بالماضي وليمجدوا الذكريات الاليمة وليؤكدوا انهم يحملون، على مر الزمن، الارث التراجيدي الذي صبغ الحلم الارمني منذ مئة سنة بسواد القدر وجعله ضحية بريئة تدفع ثمن التسلط والاستهتار بالحياة وبالشعوب التي شاءت ان تبقى مسمرة في تراب ارضها لانها تفضل الاستشهاد على الهجرة وادارة الظهر لارض الاجداد. فنانون مميزون ومؤمنون بالقضية يساهمون في رفع الحدث التراجيدي الى مستوى العطاء المطلق، لإبقائه متوهجا ولو مؤلماً، من أجل أن يكون مثلاً تتعلم منه الشعوب التي تواجه المصير نفسه، بأن عليها الاستشهاد من اجل المحافظة على الهوية والارض والتاريخ مهما كانت التضحيات كبيرة ومكلفة.
زيارة المعرض ضرورية ومفيدة، من حيث قيمته الفنية الخلاّقة، ومن أجل الحرية والحقيقة.

لور غريب

النهار

Leave a Reply

Your email address will not be published.