الإبادة الجماعية جريمة الجرائم الدولية

شهدت البشرية – ولاتزال – العديد من الجرائم الدولية التى يرتكبها البشر سواء أكان ذلك فى أثناء السلم أم فى أثناء النزاعات المسلحة، وتأتى جريمة الإبادة الجماعية على قمة هذه الجرائم من حيث الخطورة والنتائج الوخيمة والآثار الكارثية التى تفضى إليها تلك الجريمة النكراء، حيث لا تقتصر هذه النتائج على اجتثاث أرواح البشر فقط، وإنما أيضاً تسبب جراحاً غائرة، وآلاماً مبرحة لأسر ضحايا الجريمة، ولم تكن الجريمة مثار اهتمام واستنكار القانون الدولى فحسب، ولكن سائر الأديان السماوية.

لقد تعرض الانسان خلال الحقب والعصور المختلفة الى ويلات القتل والتدمير والاغتصاب واتلاف الممتلكات ، وكان المنتصر يفتخر أنه أوقع بعدوه الفناء والدمار والاذلال، فكانت الحرب فخرا وقوة وسطوة، يتلذذ بها الطغاة العتاة من الحكام، ويتغنىبها كهنتهم من الشعراء والبلغاء، ونصبت لها الأفراح وأنشدت لها الأناشيد والأهازيج .

لقد صدمت جريمة الابادة الجماعية ، البشرية فى ضميرها، والنظام العام العالمى فى جوهره، والكرامة الانسانية فى صميمها، نتيجة لهول الجريمة الشنعاء، وفداحة أفعالها النكراء، والتي دونت بمداد أسود فى حافظة التاريخ، ويكفى الجريمة من تدليل ودلالة على أنها اي الجريمة تعكس “ انكار حق الوجود بالنسبة لجماعات انسانية بأسرها “

مفهوم جريمة الابادة الجماعية

تعني الإبادة الجماعية وفقاً للمادة الثانية من اتفاقية الأمم المتحدة الصادرة فى 9 ديسمبر عام 1948 لمنع جريمة الإبادة الجماعية والعقاب عليها “ أياً من الأفعال الآتية المرتكبة على قصد التدمير الكلى أو الجزئى لجماعة قومية أو عنصرية أو عرقية أو دينية “ بصفتها هذه:

1-قتل أعضاء من الجماعة.

2-إلحاق أذى جسدى أو روحى خطير بأعضاء من الجماعة.

3-إخضاع الجماعة عمداً لظروف معيشية يراد بها تدميرها المادى كلياً أو جزئياً.

4-فرض تدابير تستهدف الحؤول دون إنجاب أطفال داخل الجماعة.

5- نقل أطفال من الجماعة عنوة إلى جماعة أخرى.

الجماعة السياسية جماعة منسية.

يبين مما سبق، أن تحديد الجماعات المحمية وهي ذاتها المستهدفة بالابادة الجماعية، وفقا للأتفاقية ، هو تحديد حصري، و كان نتاج ذلك التحديد الحصرى – وفقا للكثيرين من المنتقدين للاتفاقية – الاجحاف بحقوق جماعات أخرى لم تتكفل الاتفاقية بحمايتها مثل الجماعات السياسية، والاقتصادية، و الثقافية، بيد أن جل الانتقادات التى وجهت فى هذا الصدد تركزت على الاغفال المتعمد لتضمين الجماعة السياسية ضمن الجماعات المحمية الأربعة الواردة فى الاتفاقية.

خطورة جريمة الابادة الجماعية

ان الأمر الذى لا مرية فيه ، أن الأسباب التى تزيد من خطورة جريمة الابادة الجماعية، و تجعلها – بحق – جريمة الجرائم الدولية ، أن السلوك الاجرامى فى جريمة الابادة الجماعية لا ينتهك قاعدة قانونية وحسب، لكن العديد من القواعد و الحقوق القانونية، يأتى على قمتها الحق فى الحياة أسمى الحقوق الاساسية للانسان، فضلا عن أن ضمائر البشرية كلها تستشعر في وجدانها أن بقاء الجماعة- وطنية كانت أم عالمية -هى أهم المصالح الأساسية للبشرية جمعاء، فجريمة الابادة الجماعية جريمة شديدة الخطورة من حيث أنها تهدد الانسان فى أغلى ما يملك ، حيث تهدد بالخطر حياة الانسان وصحته وكرامته .

وجريمة الإبادة الجماعية شديدة الخطورة من حيث أن الجريمة لا تهدد بالإبادة فرداً واحداً أو مجموعة أفراد، بل تهدد بالإبادة جماعة أو جماعات كاملة لأسباب دينية أو قومية أو عرقية أو عنصرية… الخ.

حرى بالذكر أن القرار 96 )أ ( والذى أصدرته الجمعية العامة للأمم المتحدة فى الحادى عشر من ديسمبر/كانون الأول عام 1946 جسد مدى الخطورة الشديدة التى تمثلها هذه الجريمة للبشرية جمعاء، حين نص القرار على:

“إن إبادة الجنس البشرى هى إنكار حق الوجود لجماعات بشرية بأكملها، كالقتل الذى يمثل إنكار حق الشخص فى الحياة، هذا الانكار لحق الوجود يتنافى مع الضمير العام للجماعة الدولية، ويصيب الإنسانية بأضرار جسيمة الأمر الذى لا يتفق والقانون الأخلاقى وروح ومقاصد الأمم المتحدة”.

ولما كانت قد حدثت أمثلة كثيرة لجريمة الإبادة الجماعية، إذ أبيدت كلياً أو جزئياً جماعات بشرية لصفتها العنصرية أو الدينية أو السياسية أو غيرها، ولما كانت معاقبة مرتكبى جريمة الإبادة الجماعية هي مسألة ذات اختصاص دولي، لذلك تؤكد الجمعية العامة أن إبادة الأجناس جريمة فى نظر القانون الدولى يدينها العالم المتمدن، ويعاقب مرتكبوها سواء كانوا فاعلين أصليين أو شركاء فيها، وبغض النظر عن صفاتهم-حكاماً كانوا أو أفراداً عاديين- سواء قاموا بارتكابها على أسس تتعلق بالدين أو السياسة أو الجنس أو أى أساس آخر”.

وإذا كانت جريمة الإبادة الجماعية قبل صدور اتفاقية الأمم المتحدة للإبادة الجماعية، تعد أحد الجرائم ضد الإنسانية، بيد أنه بعد صدور الاتفاقية صارت الجريمة مستقلة عن الجرائم ضد الإنسانية، حيث ان الهدف من اتيان الجريمة هو إبادة على الأقل لجزء مهم من الجماعة المستهدفة وفى المقابل لا يتحقق هذا الهدف فى الجرائم ضد الإنسانية .

التمييز بين الجريمة والجرائم ضد الانسانية

اذا كان الهدف من وراء ارتكاب جريمة الابادة الجماعية هو ابادة جزء مهم على الأقل من الجماعة المستهدفة ، نجد فى المقابل أن هذا الهدف لا يتحقق في أي من الجرائم ضد الانسانية ، فضلا عن أن القصد الخاص فى ارتكاب جريمة الابادة الجماعية يظل العنصر المميز للجريمة عن سائر الجرائم الدولية الاخرى، و منها الجرائم ضد الانسانية بالطبع .

على النقيض من ذلك ، فيكفى اثبات أن السكان المدنيين كانوا هدفا فى اطار هجوم واسع النطاق أو منهجي، و ذلك من أجل اثبات وقوع أى من الجرائم ضد الانسانية،لذا فالقتل الجماعى لمجموعات أو أفراد، لكن دون توافر القصد الخاص لتدمير كل أو جزء من الجماعات الأربعة المحمية وفقا لاتفاقية الابادة الجماعية، لا توصف الأفعال الاجرامية هذه بالابادة الجماعية لكن بالجرائم ضد الانسانية .

القصد الخاص في ارتكاب جريمة الابادة الجماعية

لكى تتحقق جريمة الإبادة الجماعية، ينبغى أولاً أن يرتكب فعل من الأفعال التى تم تعدادها فى المادة الثانية من نظام المحكمة “المأخوذة حرفياً من المادتين 2 و3 مناتفاقية الإبادة الجماعية”، وثانياً أن يرتكب هذا الفعل ضد جماعة قومية أو إثنية أو عنصرية أو دينية، مستهدفة بصفتها هذه، وثالثاً أن يرتكب الفعل بقصد تدمير الجماعة المستهدفة كلياً أو جزئياً.

ويشترط لتحقق جريمة الإبادة الجماعية إضافة لركنها المادي، النية الإجرامية فيشترط أن يكون لدى الفاعل نية إجرامية تنصرف إلى تحقيق الإبادة لأنها جريمة، وإن كانت تتفق فى طبيعتها مع الجرائم العمدية كافة، بيد أنه يشترط فيها إلى جانب القصد العام، القصد الخاص، وهو تحقيق الإفناء للجماعة المستهدفة، وبالتالى يمكننا القول إن القصد الخاص لمرتكب جريمة الإبادة الجماعية، يهدف لتحقيق غاية معينة، وهى هنا الهدف البعيد للإرادة، والمتمثل فى افناء الجماعة المستهدفة.

وفيما يتعلق بإثبات القصد الجنائى الخاص لجريمة الإبادة الجماعية، يشير بعض الفقهاء إلى أنه يمكن استجلاء ذلك القصد بالنظر إلى دمار الجماعة، وأعمال الإبادةالثقافية والإبعاد القسري، ورغم أن تلك الأعمال الأخيرة لا تعد أعمالاً إبادية، إلا أنها يمكن أن تدل بشكل كبير على ثبوت نية الإبادة.

المسؤولية الدولية عن ارتكاب جريمة الابادة الجماعية

يعترف القانون الدولي المعاصر بمبدأ مسئولية الفرد الجنائية عن ارتكاب الجرائم الدولية، ويعتبرها من ضمن مبادئه العامة ويستوى فى ذلك الجرائم التى يرتكبها الفرد بصفته الشخصية أو تلك التى يرتكبها بصفته مسئولاً رسمياً فى هذه الدولة. وحين يرتكب الفرد جريمة دولية، ومنها جريمة الإبادة الجماعية، يدفع ذلك الفرد حين ثبوت مسئوليته والادعاء عليه بعدة دفوع قانونية، وذلك لنفى الجريمة عنه وإعفائه من المسئولية عن ارتكاب الجريمة، وبالتالى مطالبته بعدم توقيع العقوبة عليه. إذاً فالقصد المباشر ضرورى للجرائم ذات القصد الخاص، والتى منها جريمة الإبادة الجماعية.

أهمية كشف حقيقة ابادة الأرمن في عام 1915

إن الحق فى معرفة الحقيقة عن الانتهاكات السابقة لحقوق الإنسان لا يقتصر على كونه حقا قانونيا أصيل من حقوق الإنسان الأساسية بل يتخطى ذلك لكونه حقيقة إنسانية لصيقة بالفرد.، و الحق فى معرفة الحقيقة لا ينصرف أو يعنى بالماضي، بل يرتبط بإدراك الحاضر الواقع ويمتد ليتحكم فى تشكيل واقع المستقبل.

بالرغم من ذلك،لا تزال الحكومات التركية المتعاقبة تنكر حقيقة ما جرى للأرمن علىيد السلطات العثمانية فى عام 1915، ويعد ذلك الانكار الذي يتنافى مع القيم الأخلاقية والانسانية والقانونية العقبة الأكبر فى تطبيع العلاقات الرسمية وغير الرسمية بين الدولتيين التركية والأرمينية، فضلا عن رفض الاتحاد الاوروبى انضمام تركيا لعضوية الاتحاد الاوروبى .

يأتى ذلك العناد التركى لرفض حقيقة ما وقع للأرمن عام 1915 بالرغم من عقد الدولة العثمانية ذاتها، المحكمة الخاصة فى أسطنبول عام 1919 لمحاكمة القادة العثمانيين الذى ارتكبوا جرائم حرب، وجرائم بحق الانسانية، وتحديدا بحق الأرمن أثناء الحرب العالمية الاولي، وبالرغم من الشهادات والتقارير الموثقة للسفراء و المبعوثيين الرسميين لدول أجنبية عديدة للخروقات الجسيمة لحقوق الانسان التى ارتكبتها السلطات العثمانيةبحق الأرمن أثناء الأحداث الابادية، وبالرغم أيضا من الاقرارات الرسمية العديدة التى صدرت عن حكومات وبرلمانات العديد من الدول، والتى تقر أن ما وقع للأرمن على يد العثمانيين فى عام 1915 يعد جريمة ابادة جماعية بموجب القانون الدولى .

فالحكومة التركية الحالية، تزعم أن القتلى من الأرمن فى عام 1915 لا يتجاوز 300 ألف قتيل، وقضوا نحبهم أثناء ترحيلهم الى صحراء الشام فى العراقو سورية، ونتيجة الجوع والعطش والظروف الجوية السيئة، ولم تطلق عليهم رصاصة واحدة من القوات التركية التى كانت ترافقهم و تؤمنهم .

يشار فى ذلك الصدد الى أن اتفاقية الابادة الجماعية التى تحظر أفعال الابادة الجماعية، لم تتحدث فقط عن قتل أعضاء الجماعة باعتبار القتل هو النمط الوحيدالمستخدم لابادة جزء أو كل الجماعة المستهدفة ، لكن الاتفاقية، كما سبق أن وضحنا تحدثت أيضا عن إلحاق أذى جسدى أو روحى خطير بأعضاء من الجماعة، و اخضاع الجماعة لظروف معيشية يراد بها تدميرها كليا أو جزئيا، جلى أن، التعداد الوارد فى الاتفاقية المشار اليها، للأنماط اى الأشكال الخمسة للابادة الجماعية، يتغيى الحفاظ على الجنس البشرى من الافناء، بواسطة الأنظمة المستبدة، التى لا تقيم للانسانية وزنا، ولا تنظر للجماعات البشرية فى لحظة تاريخية نظرة انسانية مجردة و متجردة من اى تمييز أو اذدراء .

لا غرو أن كشف ومعرفة الحقيقة مسألة قانونية أولية مهمة، ليس فى حد ذاتها بل توطئة لتحقيق غايات سامية متعددة الجوانب، حيث تختلف هذه الغايات سواء كانتغايات نبيلة – مثل المساهمة فى استعادة السلام وصيانته- وغايات أخرى – مثل محاربة الإفلات من العقاب، وردع انتهاكات حقوق الإنسان فى المستقبل أو الحيلولة دون حدوثها، وتلبية مطالب الضحايا والدفاع عن حقوقهم، وإبعاد اللاعبين السياسيين السابقين عن الساحة السياسية، وإعادة تأسيس سيادة وحكم القانون.

إن معرفة الحقيقة عن الانتهاكات السابقة لحقوق الإنسان، تمنح المجتمعات القدرة على منع تكرار أحداث مماثلة للتى وقعت، وتسهل فى حالات أخرى عمليات المصالحة وإعادة البناء حيث ينظر إلى معرفة الحقيقة على أنها ضرورة جوهرية لمعالجة التصدعات والانقسامات التى تحدث فى السياقات المحلية فى الفترة التى تلى إقصاء النظم الشمولية والاستبدادية، و هذا ما ينطبق تماما على السياق التركي .

د. أيمن سلامة

الأهرام

Leave a Reply

Your email address will not be published.