دم الأرمن بين عثمانية تركيا وعلمانيتها

العثمانية على العرش التركي أراقت الدم الأرمني وأقرت بمجازرها وتمادت فيها، وهي التي كانت تتمثل لنفسها حامية الحمى للإسلام مختزلة الاسلام في التوسع العسكري السياسي دون أدنى اعتبار لنشر الدعوة الاسلامية، فالتاريخ العثماني لم يعرف نشراً للدين الاسلامي بل قهراً للشعوب المسيحية وإذلالاً للعرب المسلمين على قاعدة التفوق العرقي للعنصر التركي، فالعثمانية كانت ترفع السيف باسم الاسلام ضد المسيحيين، وترفع السيف نفسه ضد العرب المسلمين باسم العنصر التركي، هذه كانت العريكة التركية بثوبها العثماني.
الأرمن المسالمون في أرمنهم الجميلة، أرمينيا السحر والفن الموسيقى، كانوا ضحية العنجهية المتوحشة لتركيا العثمانية، أرمينيا أم الجبل أررات، الجبل الذي على أعلى قمته، تقول الروايات، أن سفينة نوح عليه السلام قد استقرت عليها، وأن بقايا تلك السفينة الكونية مازال الجبل شاهد عليها، أرمينيا الحرة الابية، أرمينيا النزعة الانسانية عرفت المسيحية من ذاتها واعتنقتها بذاتها، مسيحيتها كانت من طهارة نفسها، ما جاءت بها سنابل الخيول الرومانية مثلما الحال مع دول أوروبا، كانت أرمينيا الارض بعيدة عن أرض النبع المسيحي ولكنها كانت جزءا منها بروحها الانسانية، هذه كانت أرمينيا الام التي علمت أبناءها أن الدين عند الله هو حب الانسان للإنسان، وكان الدرس جوهراً لصلب المسيح وحضناً لبشرى المسيح ودعوة المسيح.

فهل هي المسيحية التي بررت للعثمانية فعل السيوف في رقاب الأرمن، أَمْ أنها الأرمنية ذاتها التي أباحت للسيوف جرائمها؟ فمجازاً لو كان الأرمن من دار الاسلام لما شفع لهم اسلامهم مثلما العرب لم يشفع لهم لا اسلامهم ولا سبقهم للإسلام ولا ريادتهم في علوم الدين، إن الدماء التي أسالتها سيوف العثمانيين على أرض الشام وأرض الكنانة مازالت طرية، لأن دماء الشهداء تروي الارض التي أنبتت أبناءها.

العثمانية لبست ثوب الاسلام وتمنطقت بسيوف القهر والاذلال، ومن روايات الذل والاذلال، مثلما يروي الاجداد في الشام، أن عثمانياً تركياً أجبر عربياً مسلماً أن ينحني له ليركب فوق ظهره لأن حماره مرهق متعب، إن فعل السيف في الرقاب أهون إذلالاً من ركوب الظهر مكان الحمار، هكذا كانت عثمانية تركيا وتركيا العثمانية.

ليس من العسير على البصيرة أن تعي وعي اليقين أن العثمانية في تركيا كانت السد المانع بين الأرمن والاسلام، بين الاسلام وكل الشعوب المسيحية التي رزحت تحت السيوف العثمانية، وما علمنا من تاريخ العثمانية أن الناس كانوا يدخلون دين الله أفواجا ولا فرادى، فالبسطة العثمانية على ربوع أوروبا الشرقية خاصة كانت نافرة غير حاضنة للترحاب والانضمام الى دار الاسلام، بل أن تلك العثمانية وضعت خطاً فاصلاً بين العثمانية وغيرها، فكانت العثمانية ديناً آخر من صنع نفسها ولكن برداء يتسمى بالإسلام لغرض في نفس يعقوب العثماني.

ما كان بمقدور تلك العثمانية أن تستنشق المستجد من هواء العصر المضاء بنور عصر الأنوار، فاختنقت وعلى أنقاضها جاء العسكر بقيادة كمال أتاتورك المسحور بثمار عصر الأنوار والجاهل بروح الأنوار، فخلع رداء الاسلام ولَبِسَ قبعة العلمانية، وحاله حال العثمانية، فمثلما لم تكن العثمانية إسلاماً، كذلك الاتاتوركية لم تكن علمانية، العثمانية والاتاتوركية كلتاهما عسكرتارية بمسميات مختلفة، فما زاد اسلام العثمانية في الاسلام صلاة، ولا زاد علمانية الاتاتوركية في العلمانية قبعة، فالعثمانية والاتاتوركية كلاهما مرآة للآخر. هاهي تركيا الاتاتوركية اليوم تفعل في الشعب الكردي ما فعلته تركيا العثمانية في الشعب الأرمني، والتاريخ مع هذه العصبية التركية يعيد نفسه في رداء جديد ومع شعب جديد، فرداء العلمانية حلت مكان الرداء الاسلامي، والشعب الكردي حل مكان الشعب الأرمني، ومن نعم العصر على الشعوب المجاورة أن ليس شعباً حل مكان الشعب العربي، واستطاع الشعب العربي أن ينفذ بجلده من العصبية التركية بفضل تبعات الحرب الكونية الاولى، ومنه يصدق المثل “رُبَّ ضارةٍ نافعة”.

دموع الأحفاد في أرمينيا تستعيد ذكرى المجازر ضد أجدادها وترفع صوتها عالياً عَلَّ عدالة الانسان تعيد الحق لاصحابه وتضع الجاني في قفص الجناة، والشعوب المتحضرة كلها تقف صفاً واحداً مع هذا المطلب العادل للشعب الأرمني، ولكن كيف يمكن للعصبية التركية أن تنزل من تخت كبريائها الى أرض الواقع وتقر بجريمتها، كيف يمكن لتركيا الاتاتوركية أن تقبل بإدانة تركيا العثمانية والتُرْكِيَّتانِ رضعتا من عصبية عرقية واحدة.

لا يمكن لتركيا الاتاتوركية أن تقر بجريمة أجدادها العثمانية إلّا إذا خلعت عنها رداء التمويه العلماني وتشبعت حقاً وصدقاً بروح العلمانية التي تستمد صفاء ضيائها من مبادئ التنوير والأنوار. هل يقر المجرم بجريمته إلّا أن يكون القضاء صارماً في عدالته وعادلاً في صرامته، وقضاء اليوم في حق الأرمن يتمثل في المجتمع الدولي في منبر الامم المتحدة، وعلى هذا المنبر أن ينطق بحكمه بعيداً عن ألاعيب السياسة ومناوراتها.
إن الشعب الأرمني ومن ورائه الشعوب المتحضرة في إنتظار النطق بالحكم من القضاة الدائمين في مجلس الأمن، وهذا المجلس الذي يتربع على عرش المنظومة الدولية ويتسلح بالقانون الدولي ويتحمل مسؤولية الأمن والسلم العالمي من واجبه أن يبت في هذه الجريمة ضد الانسانية التي مضى عليها الى الآن مائة عام، ومن العار على هذه المنظمة وعلى المنظومة الدولية قاطبة أن تغض الطرف عن جريمة تركيا العثمانية ضد الشعب الأرمني، وعلى هذه المنظمة وبدعم من المنظومة الدولية أن تدين كذلك رفض تركيا الاتاتوركية الإقرار بجريمة أجدادها في عهد تركيا العثمانية. إنَّ رفض الإقرار بالجريمة يرقى إلى مستوى الجريمة ذاتها، فتركيا العثمانية مدانة بالجريمة، وتركيا الاتاتوركية مدانة بالتنكر للجريمة. وللقضاء حق النطق في الإدانتين.

محمد كمال 

موقع الأيام

Leave a Reply

Your email address will not be published.