قصة “رحلة المدير باصماجيان” للكاتب كيفورك أبيليان (2)

* * *

ابتدع “هوفسيب” وأمه وأخته وسيلة أخرى للعيش، وليسوا هم فقط من قصد تلك الوسيلة، كانوا ينتقون حبات الشعير بين براز البعير والأحصنة ويغسلونها ويأكلونها. لقد جلبت والدة “هوفسيب” أغراضاً كثيرة معها من كسب، أغلبها مسلوب، مباع أو مفقود، وكانت السيدة “باصماجيان” تعتني مثل نور عينها بالمقلاة التي ما زالت ملك العائلة، وقد كانت أهدتها إياها جدتها وقت زفافها، وفيما مضى قامت بقلي البطاطا والكوسا والباذنجان وحتى الدجاج في تلك المقلاة وأطعمتها لعائلتها، والآن، ها هي في الرقة تعتني بعائلتها كما كانت تفعل سابقاً وهي تنتظر تلك المقلاة. فتقلي فيها الشعير الذي يجمعونه ليأكلوه، فهم يأكلونه بشهية الشعير المأخوذ من التبن. وكم كانت عائلة “باصماجيان” محظوظة لأنها تملك مقلاة لقلي الشعير…

وفي يوم من الأيام، ظهر رجل أرمني في اسطبل الخان وهو أحد أقرباء السيدة “باصماجيان” وكان الأطفال يدعونه “الخال”. وقد سعدت ماما “روحانة” برؤية “أخيها” الذي لم يكن بالشخص اللطيف، لكنه في نهاية الأمر هو “الخال”، فوجود “خال” في تلك الأجواء أمر مرغوب.

ماذا جمعت يا كلب، أحضره على الفور.

كان الطفل المسكين قد جمع بعض الحسنات بعد أن جال كثيراً، مع بعض الأعشاب من ضفة النهر، فاقترب “هوفسيب” متردداً من “الخال”، وبرفة جفن، قام هذا الأخير وبلع المؤن التي يفترض أن تكون عشاءهم وإفطار اليوم التالي والغذاء.. ودون أن يشكره مضى وهو يملي بعض النصائح على أخته.

ما هذا الخال الوحش.. ها قد ازداد تركي واحد على الانسانية..

وبعد ذلك، كان الخال يظهر بين الفينة والأخرى، وكل مرة يظهر فيها كان ذلك يعني أن “هوفسيب” وأمه وأخته سيبقون جياعاً، فكانت الأم تطلب أن يصبروا ولا يرّدوا خالهم.

وما شكل هذا الخال الذي يسلب آخر لقمة من يدي أبناء أخته، فهم لديهم أخوال يحبونهم كثيراً وفي كل مرة يزورونهم يجلبون معهم السكاكر واللوز والحلويات. أما هذا الخال فيأخذ ما يملكونه ويأكلها ويغضب عليهم. حتى أنه صفع “هوفسيب” مرتين عندما لم يتسول الأخير بشكل جيد ليجمع الكثير أو لم يجمع الأعشاب من ضفة النهر.

وفي أحد الأيام عندما أتى الخال، الله لا كان أتى به، وماذا رأى. أخته تقلي الشعير في مقلاة على نار موقدة. ما هذا، إنه أمر رائع. فأمر الخال:

اعطني هذه المقلاة.

ارحمنا قليلاً، فصغاري لم يأكلوا شيئاً منذ يومين. ألست مهاجراً فماذا ستفعل بهذه المقلاة. أرجوك لقد مشينا يومين ونحن ننتقي حفنة الشعير من البراز.

ما ينقصني هو نواحك، اعطني المقلاة.

وأخذ الخال المقلاة والشعير المقلي الذي فيه ومضى كالحصان، راقب الصغار ذلك الرجل وهو يسلب الشعير المخصص لبضعة أيام بلا شفقة بعيون تدمع وهم يرتعشون.

لم يكتف الخال بهذ القدر، فقد أخذ المقلاة وثم باع الشعير لأحد المارة وألقى النقود في جيبه، فأصدرت البراغيت الجديدة قرقعة عندما اصطدمت بقطع النقود الأخرى في جيبه.

بدا سلب المقلاة على يد خالهم صعباً بقدر فقدان قريب حبيب لعائلة “باصماجيان”، فصاروا يأكلون الشعير نيئاً ويتحملون نتائجه.

وفي أحد الأيام ظهر ضابط تركي ويرافقه عدد من العساكر في الخان حيث تمكث عائلة “باصماجيان”، وكان أحد الجنود يقرع الطبل دقات متشابهة دون تناغم، إنه الجندي المنادي الذي ينادي على الناس ليجتمعوا، فهناك أمر للإعلان، ففزعت والدة “هوفسيب” ونساء أخريات من الشؤم الذي ينتظرهم، فهم سيفقدون بيتهم وخانهم، وبالأحرى الملجأ الذي وجدوه في الاسطبل، فإلى أين سيأخذونهم وماذا سيكون مصيرهم.

عبثاً كانت مخاوف النساء والآخرين وقلقهم… آوه، لقد قامت الحكومة العثمانية “الفاضلة” ببناء ميتم في مكان يبعد عن الرقة من أجل الأطفال وخاصة الصبية لتأمين حياتهم ومعيشتهم، وبذلك على الأولياء تسليم أبنائهم للعسكر. احمدوا السلطان المعظّم يا كفار.

وقد أتوا ومعهم عربات فارغة لا تشبه عربات الجثث. كان إعلان هذا الضابط بمثابة بصيص أمل، ومهما كان الكبار متصالحين مع فكرة الموت كانوا يقبلون أوامر الضابط فقط على أمل إنقاذ أولادهم من الموت المحتم. أوه، كم هو رجل طيب، ذلك الضابط القبيح. بدأت النسوة تجمع أطفالها وتنصحها، وكانت ماما “روحانة” تنصح “هوفسيب” بين دموعها ألا ينسى اسمه وبيوت أقربائه وصلاة “أبانا الذي في السموات”، وأنه من كسب …

صعد “هوفسيب” مع الكثير من الصبية والفتيات على ظهر العربات، وكانوا حزينين وفرحين، حزينين لأنهم يبتعدون عن أهلهم، وسعداء لأنهم سيحصلون على مأوى جيد ومأكل وافر وحتى التعليم، هذا ما وعد به الضابط التركي.

انتقلت عدوى تلك المشاعر الى الكبار بالحزن والألم وبعض الارتياح للوعود التي صرّح بها الضابط بسخاء.

عندما مضت العربات، بقيت ماما “روحانة” أمام باب الخان طويلاً حتى اختفت العربات وراء تلة الرمال، وعندما دخلت أدركت أنها بقيت وحيدة دون من يعيلها، مهما كان ابنها صغيراً إلا أنه رجل ويؤمن لهم المأكل.

تذكرت الامرأة جارتها التي كانت تكرر مقولة ” ويل لبيت ليس فيه من يبّول واقفاً “، والآن بعد أن فقدت زوجها ها هي تفقد “من كان يبّول واقفاً “.

ما إن ابتعدت العربات من المدينة حتى وصل خلفهم صبي لاهثاً يدعى “كارابيد” وهو جار “هوفسيب” في كسب، كان قد سمع من عسكري تركي أن الأولاد يؤخذون ليُذبحوا، وأنه يتوجب التخلص من الصبية الأرمن حتى لو كانوا صغاراً لأنه بعد استئصال بذرة الأرمن لا خوف من الباقي. وأعلن العسكري التركي بصوت عال وهو ثمل شرب بعد أن نهب زجاجة العرق، ودون انتباه أنهم سيقتلون أو سيحرقون جميعاً.. وما إن اقترب “كارابيد” من العربة القديمة صار يبحث عن “هوفسيب” ولم يجده، فقلق ووصل الى العربة الثانية فوجده هناك، وعيونه ما زالت تدمع.

يوسف، يوسف، يا “هوفسيب” ، أوه، “أوسيب” أسرع اقفز من العربة.

لماذا يا “كارابيد” أنا ذاهب الى الميتم وسوف يعطونا المأوى والخبز، الخبز ..

لا تكن أحمق، أسرع، واهرب، إنهم يأخذونكم ليذبوحكم ويحرقوكم، لقد سمعت بنفسي، والله العظيم. فليقفز من يستطيع..

لماذا ناديت علي باسم آخر؟

هذا ليس اسماً آخر، إنه اسمك باللغة العربية، تعَّلمه جيداً، ربما يساعدك يوماً ما، هل تفهم؟ يوسف يعني “هوفسيب”.

تردد “هوفسيب” قليلاً ثم قفز من العربة عندما أحاد العسكري وجهه. وقفز معه صبية آخرون، ومَن أمسك به أعيد الى العربة. كان “هوفسيب” ممن نجوا، وعاد الى اسطبل الخان مع “كارابيد”، وارتسمت ابتسامة عريضة على وجه أمه التي كانت تتألم لفقدان ولدها الوحيد، فهي لم تبتسم هكذا منذ أشهر.

ففي تلك الأيام، لم يكن المهاجرون يحسنون الابتسامة ولا الضحك.. الآن الأمر مختلف، فابنها، أي ” الذي يبول واقفاً في البيت ” قد عاد …

* * *

كان الناس يموتون في الخان من شدة الجوع والوسخ والذباب، فرائحة الإسهال والاستفراغ الكريهة كانت تلوث الجو المعبق بطبيعة الحال وتجعله غير قابل للاستنشاق.

في كل صباح كانت عربة تجرها أحصنة تأتي لتأخذ الموتى، وكان الحصان متسخاً ونحيلاً وهرماً وصاحب العربة رجلاً أعرج وبوجه قاس، كان يرفع الجثة بحركة اعتاد عليها ويرميها داخل العربة، وأحياناً كانت جثث شبه عارية تلقى أيضاً في العربة، وما المشلكة إن لم تكن ميتة فهي بالتأكيد ستموت بعد ساعتين، وما الداعي لإبقاء تلك الأموات الواعدة بين الأحياء.

في كل صباح، كانت العربة تمر على عدة خانات وتمتلئ بالجثث حتى الشبع. غدا هذا المشهد اعتيادياً، كما اعتاد عليها المهاجرون اللاجئون، في اسطبل الخان، ولم يبق لديهم دموع تذرف.

لم تكن أماكن الذاهبين تبقى فارغة، فتملأ بالحديثين، مهما كان اسطبل الخان مشؤوماً فهناك من ينتظر كي يفسح لهم المكان.

وذات يوم، رفضت “ماري” أخت “هوفسيب” الفتاة الشقراء ونور عين والدها أن تأكل شيئاً، كانت الفتاة تهذي من شدة الحرارة، كانت تريد زبيباً وجوزاً وتفاحاً. وكانت الأم تهز ابنتها وهي تحملها وتعدها بأنهم سيعودون قريباً الى الدار وتعطي فلذة كبدها الزبيب والجوز والتفاح والبرتقال، لقد اقترب الوقت وسيعودون الى البيت وستطعم حبيبة قلبها الكثير.

لم تنتظر طويلاً، فارقت الصغيرة الحياة في تلك الليلة، وفي الصباح رميت الجثة الصغيرة بين الجثث في العربة وأخذت الى مكان مجهول.

خف عبء “هوفسيب” باختزال أحد البطون في البيت، وأصبح التسول أصعب شيئاً فشيئاً، فكلما تقدمت أيام الحرب كلما أضحى الناس أكثر فقراً، والتسول في الفقر المدقع يغدو مستحيلاً.

لا يتذكر “هوفسيب” كم اسبوعاً أو شهراً مضى قبل رمي أمه أيضاً في عربة الموتى، فقد ماتت كنة “باصمجيان” ببساطة شديدة.

بقي “هوفسيب” وحيداً، وصار توأم جارتهم “فارتوهي” وعاشا سوياً وبكيا سوياً وتسولا سوياً. فالمشاركة في تلك المرارة كانت تخفف بعض الشيء من ثقلهم..

وذات يوم، بعد غياب طويل ظهر الخال من جديد وطلب تفسيراً عن أخته واستمع بكل برود الى تفسيرات “هوفسيب”. وماذا في الأمر، فالتهجير قائم الآن وكل الناس تموت. سلب من يدي “هوفسيب” أعشاباً تؤكل، وبلعها في الحال على مرأى من الولد.

وقال الخال للولد المذهول: – يا ابن أختي، الحياة لا تصلح على هذا النحو.

يا خالي، أنا لست وحيداً، أنا أعيش مع “فارتوهي”.

مع من؟ “فارتوهي”؟ أنتما صغيران ولا يمكنكما العيش لوحدكما، سأتدبر أمركما. مسكينة “فارتوهي”، يجب ألا تعيشا دون أم وأب، لا تقلقا..

وبعد أن تبادل كلمات غير مفهومة مع جمّال مار قام الخال بتسليم “هوفسيب” و”فارتوك” لذلك الرجل الغريب. وبدوره قام الرجل بإعطاء الخال شيئاً ما. وعندما رمى الأخير ما أخذه في جيبه وصل صوت النقود الى آذان “هوفسيب” و”فارتوك” اللذين امتطيا حدبة الجمل قسراً. فصوت النقود كان ثمنهم، قيمتهم..

وسلك الجمل وجهة مجهولة، وكلما ابتعدوا كلما باتت مدينة الرقة أصغر، أما النهر فكان يُرى وكأنه خط رفيع. كان الجمّال يعطي الأولاد الكلاب قطعة خبز ليقطع بكاءهم ويسترجع قواهم، فيلتهم اليتيمان الخبز بسرعة فهم لم يأكلوا الخبز منذ زمن بعيد.

كان “هوفسيب” يعاني من الإسهال منذ يومين، وقد فقد قواه، والإسهال مستمر ويسيل من خاصرة الجمل، والرائحة النتنة تفوح، فماذا سيفعل الجمّال بذلك الكائن؟ فمن الواضح أنه سيموت وأحس أنه مخدوع، فالله لا يبارك بالمجيدية التي أعطاها للخال من أجل هذا الولد شبه الميت.

لعن الجمّال حظه والخال وجرّ الولد من فوق الجمل ورماه في حفرة. ولم يحرك صراخ وبكاء “هوفسيب” و”فارتوك” قلب الجمّال، فالرجل المخدوع خسر مبلغاً كبيراً من المال فهو مخدوع لأن ابن الشيطان خال “هوفسيب” باعه أغراضاً فاسدة.

بقيت “فارتوك” فوق الجمل، من يدري ماذا ينتظر تلك الفتاة البائسة. بقي “هوفسيب” دون حراك في الحفرة ثم تمكن من الاتكاء على جنبه، وحاول أن يجثو للصلاة، ففي بيتهم علموه أن يجثو على السرير الناعم للصلاة. ففي البداية تلا الصلاة الربانية فهو يتذكرها جيداً وحتى والدته طلبت منه أن يصلي تلك الصلاة قبل وفاتها بيومين، وأن يكرر اسمه مرات ومرات، وطلبت منه أن يكرر “أنه هوفسيب باصماجيان وهو أرمني وكسبي”. وطلبت منه أن يكرر الأبجدية الأرمنية.

وها هو “هوفسيب” يصلي في تلك الحفرة، والصعوبة الوحيدة في أن يركع وقد اعتاد أن يصلي راكعاً، وهل سيصغي إليه الرب وهو متكئ على جنبه؟ ماذا سيفعل، لا يجد حلاً، وبدأ يصلي على جنبه، وثم طلب من الله أن يخرجه من الحفرة، لو مدّ له عصا طويلة ليتمكن من الخروج، ولا يتذكر إن أكمل الصلاة حتى كلمة “آمين”، فقد نام.

ولا يعلم كم من الوقت غفي، فعندما استيقظ لم يصدق عينيه، كانت عصا طويلة واقفة أمامه تشبه عصا المسيح التي يمسك بها في الصورة المعلقة على الجدار في بيتهم. وهل هي عصا حقيقية، أم رؤية؟ فالآن يمكنه أن يجثي ويتحرك. وعندما وصل الى العصا زاحفاً صرخ “الحمد لك يا رب”. فكانت عصا حقيقية وهي التي ستنقذه..

استطاع بأظافره وطرف العصا أن يحفر حفراً صغيرة في الجدار وتسلق عليها بمساعدة العصا وخرج من الحفرة. أمضى الليلة في الحفرة لأنه مكان آمن. وكانت العصا تمنحه الآمان والحماس.

وفي الصباح بدأ معركة الخروج من الحفرة، لم يكن الأمر سهلاً، فقد انزلق مرات عديدة وسقط، وحاول من جديد، وكأن الخبز الذي أعطاه الجمّال منحه قوة لا تقهر، وبعد جهد جهيد وبمساعدة العصا تمكن من الخروج من الحفرة. ومشى، لكن الى أين؟ لا يدري، ولا يستطيع أن يقرر. الواضح أنه يجب أن يتجه نحو مكان فيه ماء وطعام، وبعد ذلك الله رحيم.

مشى “هوفسيب” في الصحراء متكئاً على العصا، ومتأكداً أنه سيصل وينقذ، لكنه خائف من ظهور ضبع أو ذئب متوحش، وهو متأكد من أن العصا التي بيده ستنقذه من الوحوش البرية.

قضى الليلة وحيداً في الصحراء النائية، وانصاع لطلب أمه وكرر عدة مرات الصلاة التي علمته إياها، وثم كرر الأبجدية الأرمنية مرات عديدة، وكرر أسماء أمه وأبيه وأخته، وكرر اسم “فارتوك”. وتساءل، ماذا حل يا ترى بتوءمته وسالت دموعه. وبعد ذلك، كرر أنه أرمني وكسبي واستسلم للنوم.

وفي الصباح، الباكر جداً، استيقظ وسار من جديد، كي يقطع مسافات في الصباح الندي، لكن الى أين سيصل. كان قد وجد البارحة بضعة حبات من التمر، فمضغها واستعاد قواه.

وبعد أن سار مسافة طويلة رأى خطاً طويلاً يلمع في الأفق. فرك عيونه، أهو ماء.. أهي رؤية.. الآن صارت قدماه تسير أسرع، وكان كلما اقترب كان الخط اللامع يعرض ويتوسع،     وبعد قليل بدأ يسمع أصواتاً إنسانية، نعم إنه صوت صراخ أطفال، ذلك الخط المائي لم يكن رؤية صحراوية..

كان الفزع يحيط بذلك الصراخ، هل هم أولاد يواجهون قدره، هل يذبحون، لا، إنهم ينظرون الى جهة واحدة ويصرخون: حسن، حسن.

رأى “هوفسيب” صبياً سقط في مجرى الماء، ويتعارك عبثاً مع تيار الماء، لم يدرك كيف اقترب من الضفة وبقوة ربانية مدَّ العصا التي يمسكها بيده نحو الصبي، ونادى على الصبي بلهجته الكسبية لكي يمسك بالعصا، بطبيعة الحال لم يفهم الصبي لغة “هوفسيب” ولكنه أمسك العصا الممدودة بروح الغريق، وشد “هوفسيب” العصا باتجاه الضفة بينما كان الباقي ما زالوا ينادون: حسن، حسن.

في أثناء ذلك، وصل رجال طوال وأخرجوا الصبي الغريق من النهر، وعلقوه من قدميه في الهواء كي يطلق الماء من فمه، فاستيقظ الصبي، وصرخ الرجال على الأولاد كي يسكتوهم، فأشار الأولاد الى “هوفسيب”..

لم يفهم “هوفسيب” شيئاً من الحديث الذي كان يدور من حوله، كان مذهولاً، ويكرر اسمه واسم أبيه وأمه، في أثناء ذلك اقتربت منه سيدة عجوز وتحدثت إليه، ولم يتمكن من أن يُفهمها شيء.

فسألته العجوز: – أرمني ؟ أرمني ؟

فهز “هوفسيب” رأسه. فحملت العجوز الولد المنهك وأجلسته على البساط، وفهمت أن الذي أنقذ حسن هو منهك وجائع. تحدثت العجوز وثم أتت سيدة شابة “بطاسة” كبيرة من الحليب ووضعتها أمام “هوفسيب”، لم يصدق “هوفسيب” عيونه فهو لم ير الحليب منذ أشهر، وربما أكثر من سنة، وصارت العجوز تشربه الحليب رشفة برشفة. وبعد ذلك، أطعموه خبزاً من التنور والعسل والزبدة. لا يذكر “هوفسيب” متى أكل عشاء فاخراً هكذا.

بعد ذلك أتت العجوز بصحن آخر، وصارت تمسح قدمي “هوفسيب” بسائل لزج، وصارت جروحه تحترق. ما هذا السائل الجهنمي، وصارت العجوز تنفث على السائل وبدأت قدماه تهدأان.

وتدبرت العجوز مكاناً لمنقذ حسن كي ينام فيه، وكانت الفرشة السميكة أمراً هنيئاً بالنسبة للصبي، وعندما وضعوا فوقه لحافاً من جلد الخروف خف البرد الصحراوي. قام “هوفسيب” ووضع العصا التي أنقذت الصبي بجانبه.

وأبدت العائلة العربية امتناناً كبيراً تجاه هذا الصبي الغريب الذي أرسله الله، وكانت العجوز تلعن العثمانيين الشياطين الذين أهمّوا بقتل شعب بأكمله.

وفي اليوم التالي عندما فتح “هوفسيب” عيونه، ملأت أنفه رائحة طيبة قديمة، فتأكد أنهم يخبزون الخبز، لم يكن مخطئاً، فكانت النسوة العربيات يساعدن بعضهن ويخبزن الخبز الرقيق، وتذكر تنور الحي الذي يبعد عن بيتهم رمية حجر. كانت النسوة في الحي تجتمع مرتين أو ثلاث مرات خلال الاسبوع ليخبزن الخبز بالدور، وكن يثرثرن ويضحكن ويتناقشن أحياناً وحتى يتعاركن، ويخبزن الخبز وتفوح رائحته الطيبة.

والآن هو يستمتع بتلك الرائحة وحتى لو كانت بلغة لا يفهمها، وهنا أيضاً النسوة يتحدثن ويضحكن أحياناً وأحياناً أخرى يكررن “أرمني حرام”، وكان “هوفسيب” يمتلئ بالحزن، فأين هي والدته وماذا جرى لباقي النسوة من أهالي الحي، وهل هناك من يخبز في تنور الحي، وإن وجد أحد، فمن هو يا ترى..

اقتربت العجوز من “هوفسيب” وابتسمت ورفعت اللحاف عنه، وفحصت قدميه، فالورم خف بعض الشيء، وأشارت له أن ينهض ويغسل وجهه، وثم طلبت أن يحضروا جبة صبي من عمره ليلبسوا ضيفها الغالي، وثم وضعوا أمامه البيض المقلي والحليب والجبن والعسل والخبز الطازج. في البداية تردد “هوفسيب” ثم أكل وشبع، فهو حتى في بيته لم يأكل فطوراً فاخراً لهذا الحد.

قامت العجوز بمسح قدميه بالسائل الدهني فهما لا يحترقان بشدة الآن، وعادت ونفخت على قدميه فمن الواضح أنهما تتحسنان.

قضى اليوم بأكمله بقرب الخيمة والعصا بجانبه، كان العرب يبتسمون إليه معتذرين على مرأى من ذلك العصا. فكان يستمد قوته من العصا وبعد قليل اقترب حسن من منقذه ووضع يده على قلب “هوفسيب” وأمسك العصا بيده الثانية، كان يشكره. ثم ساعد “هوفسيب” كي يقف ويمشي، كم كانت الخطوات الأولى صعبة. كان حسن يشجعه دائماً مردداً “يا الله، يا الله”.

وفي الأيام التالية، استطاع حسن أن يرشد “هوفسيب” حتى النهر، وبعد فترة اسبوع استطاع “هوسيب” أن يسير لوحده.

وفي فترة الظهيرة في اليوم الأول تجمع الرجال حول قصعة، وكان “هوفسيب” يتابع المراسم باهتمام، فالرز مكوّم في القصعة الكبيرة ومغطى بقطع لحم كبيرة، وصار الناس يرفعون اللقمة بأيديهم ويأكلون وثم يلحقونها بقطع اللحم. كما يلعقون اللبن من صحن واحد، وكان الدهن يسيل من أيدي هؤلاء الناس حتى أكواعهم ومنها تسيل على القصعة، والجميع يشعرون بالاكتفاء والشبع.

تردد الصبي لوهلة، فالأمر مختلف عندهم، فهم لا يأكلون الطعام دون ملاعق، وأتى الصبية بعمره وشجعوه ليتبع خطواتهم، ليس لديه خيار آخر، عليه أن يتصرف مثلهم وإلا سيبقى جائعاً، فأكل حتى شبع ولكن شيئاً ما كان يغص في عنقه، كم كان جميلاً لو كانت والدته وأخته “ماري” معه، لن تموتا لو أكلتا مثله. ولكن ماذا تفعل “فارتوهي”، هل هي على قيد الحياة، وأين هي، واغرورقت عيونه بالدموع. أسرعت العجوز نحوه لمساعدته وحملت الصبي وواسته بكلماتها غير المفهومة، والكلمة الوحيدة التي كان يفهمها “هوفسيب” هي “أرمني، يا حرام، يا حرام”، وكم كانت “ستو خديجة” تملك ما تقوله عن الأتراك القساة الذين لا يعرفون الله.

أوصى سعيد الملتحي، والد حسن، في حال سأل أحدهم أن يكون اسم “هوفسيب” هو “يوسف”، وهو ليس أرمنياً، فكانت عيون الرجل تمتلئ بالخوف، فإن فضح أمره أنه أرمني سيتعرض للخطر هو وأهل الدار، لأن العساكر الأتراك كانوا يصطادون الأرمن كما يصطادون الكلاب… ويل لهم، ويل لمن يأوي الأرمن.

صار “هوفسيب” يتأقلم شيئاً فشيئاً في الجو الجديد وكان يتمتع بمحبة كبيرة ويعامل كأحد أفراد العائلة على أساس منقذ لحياة حسن. عندما يجلسون للأكل كانوا يعتنون به قبل الجميع ويضعون أمامه القطع الكبيرة، أما حسن فصار رفيق “هوفسيب” الذي لا يفارقه أبداً، ولا يبتعد عن ظل منقذه، ويقتسم معه كل الأشياء والأغراض الجيدة.

وبدأ “هوفسيب” يذهب لرعاية الخراف مع الصبية، وكانت الأيام الحارة والطويلة تمر ببطء، وهو كان معتاداً على السير حافياً أكثر من الصبية، لأنه قطع مسافات طويلة، حافي القدمين كي يصل الى هناك وكان يجمع الأعشاب التي يجدها على ضفاف الخابور ليأخذها الى البيت، فكان الأولاد يندهشون فهم يجمعون مثل تلك الأعشاب ويأكلونها لكن بعد طهيها، أما “هوفسيب” فيأكلها نيئة، فهم لا يدرون أنه كان يؤمن طعام والدته وأخته بجمع تلك الأعشاب.

بطبيعة الحال لم يكن “هوفسيب” يترك العصا التي أنقذت حسن من يده، وعندما كان يتبع الخراف كان دائماً يمسك العصا التي تشبه عصا يسوع ولها مسكة دائرية الشكل، ويسّهل بها ترتيب الخراف. وعند الجلوس في مكان ما، كان يسند العصا الى صدره أما عند النوم كان يضعها الى جانبه، وعلى مرآى من سلوك “هوفسيب” كان أفراد العائلة يبتسمون معتذرين. أما حسن فكان يمسك بالعصا التي أنقذته بوقار بعد أن يستأذن “هوفسيب”.

كان والد حسن يحيط “هوفسيب” بحنان ورعاية خاصة، فلو لم يرسل الله هذا الصبي الغريب لكان ولده استسلم للمياه ومن يدري أين كانت المياه ستجره، وطبعاً كان سيغرق. ويل لأي من الصغار أو الكبار إن تجرأوا ونظروا الى “هوفسيب” بنظرات ازدراء.

كانت سلمى والدة حسن تعتني بـ”هوفسيب” وكأنه ابنها الحقيقي، أما “ستو خديجة” كانت كالملاك الطيب النازل من السماء وتذكّره بوالدته.

العيش هنا سخي، ومعدة “هوفسيب” دائماً مليئة. نسي أن بطنه كانت غالباً ما تكون منفوخة بسبب الجوع، لكن الآن بدأ يسمن ويتعلم اللغة العربية قليلاً، كان يفهم الشيء الكثير ولكن يستصعب الإجابة على كل شيء أو التفسير.

لم يبعد كلام والدته أبداً عن ذهنه فكل صباح ومساء وعند دخوله أو خروجه من السرير يلقي الصلاة ويكرر عدة مرات ما يتذكره من الأبجدية وثم يكرر “أنا أرمني، أنا كسبي”، حتى أن حسن كان يكرر معه “هايم، كيساب ايم”.

كانت وضعية “هوفسيب” وهو يصلي راكعاً تثير فضول الصبية، فيتساءلون عن تلك الصلاة التي لا تشبه صلاتهم ولا يتوجه نحو الجنوب نحو المدينة المنورة ويركع فيها عدة مرات.. لكنهم لا يجرؤون على السؤال أو إبداء الملاحظة، وهل يسمح والد حسن بأن يسخروا منه أو يعقبوا !

وذات يوم، اقترب بعض الصبية من عمره بارتباك غريب، أخذوه وأدخلوه في الكهف بقرب بيتهم، وأغلقوا مدخل الكهف بأكوام من المكانس وطلبوا منه ألا يخرج أبداً، فقد أتى العساكر الأتراك للتفتيش، وقد بحثوا في قطيع الخراف يميناً ويساراً، دخلوا الى البيت وثم خرجوا منه، هل وشى أحد على “هوفسيب” ؟

بعد أن ذهب العساكر بفترة جاء الصبية وأخرجوا “خيّو يوسف”. فقد زال الخطر ولن ينسى “هوفسيب” الخوف والرعب الذي ارتسم على وجوه الصبية، فإن أمسكوا به فسيكون هو والعائلة بأكملها في خطر.

ذات يوم، نادى سعيد وسلمى وستو خديجة على “هوفسيب” وكانت سلمى تبكي، ما الذي يجري، لماذ تبكي تلك المرأة الطيبة، فسأله سعيد:

يا يوسف، هل أنت أرمني؟

أرمني؟ طبعاً أرمني، طبعاً.

فقالت سلمى: – يا يوسف، “أورفا”، أرمني.

كان “يوسف” قد سمع باسم “أورفا”، هل يعني هذا أنه هناك أرمن في “أورفا”..

شرح سعيد وسلمى وستو خديجة لـ”هوفسيب” أنه يوجد أرمن في “أورفا”، وإن أراد يمكنه أن يذهب وينضم الى شعبه.

كان من اللافت وجه “يوسف-هوفسيب” الذي كان يشع نوراً من السعادة والتأثر، طبعاً هو يريد الذهاب والانضمام الى أمته، ولكن الافتراق عن هذا الجو المحاط بالمحبة والدفء ليس سهلاً.

وانطلق في نفس الليلة، وحتى أن الصبية الآخرين لم يعلموا بذلك، فكتمان السر كان ضرورياً.

وبعد أن أسدل الليل ستاره قفز سعيد على صهوة الحصان وجلس يوسف بدوره خلف سعيد وأمسك جيداً به. بعد أن قبلت سلمى “هوفسيب” بحرارة ومسحت دموعها مدّت العصا الى منقذ ابنها حسن، أما ستو خديجة فرفعت ذراعيها نحو السماء وباركت يوسف الغالي.

بعد أن ابتعدا من البيت حيث كان الخابور سهل العبور وجَّه سعيد وجه الحصان نحو النهر، فسمعت أصوات أحاديث، فتدبر الرجل أمره وجعل يوسف ينزلق من أعلى الحصان ويمسك بالعصا ويقطع النهر بها سيراً ويختبئ بين القصب، وعندما يهدأ كل شيء يخرج “هوفسيب” من المخبأ بعد سماع صفارة سعيد.

كانت مياه النهر تصل الى رقبة الصبي، هل يعقل أن يغرق الصبي هناك بعد أن نجا من كل تلك المصائب.

وكان الرجل يتقدم الى الأمام قائلاً: – لا تخف، يا يوسف، قول الله.

سار “هوفسيب” متكئاً على عصاه على مهل، وقطع النهر واختبأ بين القصب. في غضون ذلك التقى سعيد بعدد من الرعاة الذين يعرفهم، فالأحاديث بأصوات عالية لم تكن تنبع من العساكر الأتراك. صفارة واحدة كانت كافية كي يخرج “هوفسيب” من مخبئه.

وأخذ مكانه على الحصان من جديد، وانكشف الصباح بعد قليل، فنزلا من الحصان وفتح سعيد كيساً كبيراً كانت سلمى وستو خديجة قد وضعت لهما فطوراً فاخراً لهما، فأكلا ما استطاعا.

وعندما انطلقا صارت البيوت تترآى هنا وهناك، أين هم يا ترى. التقيا بسائق عربة، وقد تبين من رده على سلام سعيد أنه ليس عربياً، كان أرمنياً واسمه “مهير”.

هل هناك أرمن هنا؟ وهي هذه المناطق هي “أورفا” ؟

نعم إنها “أورفا”، وأنا أرمني، وهناك أرمن كثيرون هنا، وهناك أيتام أرمن بأعداد كبيرة في الميتم.

كان هذا ما أراده سعيد، أعطى بعض الليرات للمهجَّر العنتابي “مهير” الذي فقد هو أيضاً أهله، فسرَّ الرجل وأرشده، في حين صعق “هوفسيب”، أين عصاه؟ وتذكر أن العصا لم تكن موجودة عند الغذاء، يا إلهي، لماذا؟

وفسر له سعيد قائلاً: – يا بني، هذه إرادة الله، لقد أنقذتك العصا من الحفرة وأنقذت بها ابني من الغرق في النهر، واليوم وبفضل تلك العصا، استطعت أنت أن تخلص، وكان من الصعب أن تعبر النهر دون العصا، احمد ربك.

يبدو أن سعيد كان محقاً، فالعصا قامت بدورها..

بعد أن سارا بعيداً أشار “مهير” الى مبنى كبير، وسُمعت صلاة من الداخل.. “أبانا الذي في السموات..” ، كان “هوفسيب” يعرف هذه الصلاة ولكن الآن الصلاة تخرج من أفواه عديدة بشكل مختلف، كان هو في الماضي يسمع هذه الصلاة جماعياً في موطنه كسب، وبعد قليل بدأوا يصّلون من الداخل. وبدأت المشاهد القديمة تتراءى أمام عيون “هوفسيب” وهو يجلس على الدرج، فتراءى له والده ووالدته والقس “ديكران” وعدد كبير من الأولاد يرتلون تلك الصلاة، وبدأ الصبي يبكي وهو يمسك رأسه بين يديه، لقد بقيت الأغاني لكن ماذا حل بالأشخاص الذين كانوا يرتلونها من الصغار والكبار.

بعد قليل، خرجت سيدة بلباسها الأبيض ونظرت الى سائق العربة والى الصبي، لا حاجة للشرح، لقد نجا اليتيم. انسحب سعيد بهدوء وشعر أن الصبي صار بين أهله وهو في مأمن. وبعد أن قطع بكاءه لوَّح “هوفسيب” بيديه ليحيي سعيد ويرسل تحياته الى سلمى وستو خديجة وحسن الذي أنقذه..

وضعت السيدة ذات اللباس الأبيض يدها على رأس “هوفسيب” وسألته:

ما اسمك، يا بني، هل تذكر اسمك؟

“هوفسيب”، “هوفسيب”.

لا تبكي يا “هوفسيب”، من أين أنت؟

أنا، أنا من كسب..

من كسب؟ وما كنيتك؟

باصماجيان.

يا إلهي، أنت تشبه “واعظ نشان”.

أنا، أنا، أنا ابنه. أين أبي، هل هو هنا؟

هل تذكر الخالة “راهيل “.

هي، زوجة الطبيب ؟

نعم، هي أختي..

أختك؟ عائلة الدكتور مكرديجيان جيران لنا..

أعرف ذلك، أعرف يا بني، تعال الى الداخل، لقد نجوت..

لكن رائحة الثوم التي كانت تفوح من الداخل لم تكن تشير الى روعة نجاته، وفي الغرفة سألته السيدة بعض الأسئلة وسجلت الأجوبة. وثم، أتت سيدة أخرى وقصت شعره الأشقر، وأعطته لباساً خاصاً بالميتم، وثم أرشدته الى قاعة حيث كان المئات من الأطفال بلباسهم الأزرق يجلسون حول الطاولات.

كان الجو لا يلائم “هوفسيب”، وكأن أنفاسه ستنقطع، فكان يتذكر بشوق المراعي الواسعة على ضفاف الخابور والتلال والجو اللطيف والنقي، أما هنا فرائحة الثوم ..

قبل الغذاء صلوا “أبانا بارك مائدتنا هذه ..”، وتفجر “هوفسيب” بالبكاء، كان والده “نشان” علمه هذه الصلاة أيام زمان.. أما في الصحراء، في الرقة فلا داعي لمباركة المائدة. فالمائدة على الخابور سخية ولكنهم لا يصلون تلك الصلاة … يبدأون باسم الله الرحمن الرحيم، وتنغمس أيديهم بالأرز الدسم واللحم الوافر.

أما هنا، فبعد مباركة الطعام، تجد فيها فقط بعض حبات الأرز وحبتين من الثوم. أين اللبن الوافر في الخابور والجبن والخبز الطازج والمنسف واللحم..

تأكد “هوفسيب” أن النجاة لا تعني بالضرورة الوفرة والسخاء، لقد تم إنقاذه ولكن …

وفي الصباح التالي، واجه طقساً خاصاً بالميتم. قامت شقيقة جارة “راهيل” الطيبة بمسح شعره القصير بالنفط المكثف، فقد كانت الإرساليات الأمريكية تعتمد هذه الطريقة لقتل القمل .. ما هذه الحرقة الجهنمية من الشقيقة الشريرة لـ “راهيل” الطيبة..

وكأن ذلك لا يكفي، ففي كل صباح كان على “هوفسيب” مثل الجميع أن يمضغ فصي ثوم ويبتلعهما، وثم يشرب الماء. مهما كان الثوم غير محتمل، إلا أنه كان يعمل كدواء ومطهّر.

اعتاد “هوفسيب” على حياة الميتم: الذهاب في الساعة المحددة الى الفراش، والنهوض في الساعة المحددة، الطعام جماعي ثلاث مرات يومياً. والأولاد الكبار الذين عايشوا المجازر كانوا يجعلون أجواء غرف النوم لا تحتمل بهذيانهم الفظيع وبكائهم وحتى صراخهم. كم عاشت أرواحهم الغضة لحظات قاسية، وكم فقدوا من أحباء وأقرباء…

كانت الحياة المعلبة في الميتم بأعرافها الصارمة والمسؤولين غير الشفوقين تجعل “هوفسيب” يشتاق الى الحياة على ضفاف الخابور، حيث كان هو البطل الذي أنقذ حسن. هناك كان حراً طليقاً في أحضان الطبيعة، أما هنا، كل شيء مختلف. لكن الذي كان يواسيه هو أنهم يعلمونه القراءة والكتابة والغناء والصلاة. كانت هذه الأمور متعبة للبعض لكن بالنسبة لـ”هوفسيب” كل ما يتعلمه هو ثراء.

مكث هناك لفترة طويلة، صادف بلبلة جديدة. يشاع عن تنقل جديد، لماذا؟ الإجابة عن هذا السؤال أمر أعلى من رؤوسهم. سلكوا من جديد طريق النفي في ظروف صعبة وهذه المرة دون حراسة العسكر الأتراك ولم يضطروا للسير على الأقدام. كم كان التهجير سهلاً وهم جالسين في القطار ويمضون الى أفق جديدة.

إنها محطة جديدة، وجد “هوفسيب” نفسه في مكان بهيج، وصار وكثيراً من الأطفال، ربيب المبشرة الدنماركية “ماريا جاكبسون”. كان ذلك المكان يدعى “الجبيل”، حيث كانت الحياة أسهل رغم البراغيث التي تسبب لهم العذاب. بدأ “هوفسيب” يتعلم لغات جديدة: الأرمنية والانكليزية والفرنسية وكان يحب الكتابة والأدب. وفتح البحر القابع مقابل الميتم أفقاً جديداً أمامه، فبعد رمال الصحراء كان الصبي يتمتع وينجذب نحو الأزرق اللامنتهي.

بعد فترة من الزمن، أخذ “هوفسيب” الى مكان آخر، ولم تدم الرحلة بالسيارة طويلاً وكان المكان الجديد بقرب الأزرق اللامنتهي، إنها “أنطلياس” المركز المفقود بين بساتين البرتقال والموز حيث المئات من الأيتام الملتجئين. صار “هوفسيب” يهتم بالعلم أكثر ويسعد لحصوله على التعليم والثقافة.

كانت الكرة من الأمور الجديدة عليه في هذا المكان، فقد كانت لألعاب كرة السلة والطائرة وكرة القدم شعبية كبيرة لدى شريحة الطلاب الذين يحصلون على المعونات في الشرق الأوسط. فالصراخ والركض والقفز والغضب والسعادة يملئ أرواح هؤلاء الأرمن المعذبة بالفرح والحماس.

كان الرجال أو النسوة يأتون بين حين وآخر ويبينون أنهم من عائلة أحد هؤلاء الأيتام، ويأخذون ذلك اليتيم ويمضون. كان البعض يذهبون بسرور والبعض الآخر يتمردون ويرفضون الفراق عن هذا المكان، وتجد عدداً من الباقين يحسدون من ذهبوا. كم هو رائع أن يترعرع المرء في عش يملكه. فكانوا يغارون منهم ويحلمون باليوم الذي سيأتي دورهم ويذهبون هم أيضاً. مهما كان “هوفسيب” يحب هذا المكان والعلم الذي يتشربه والألعاب، إلا أنه كان يحلم باليوم الذي سيجد فيه بيته وأهله. فتتراءى صورة والدته وأخته أمام عينيه في الخان في الرقة البعيدة حين رموهما في العربة وتذكر يد أخته الصغيرة التي بقيت تتدلى من العربة. وقد أخذوا والده الى العسكرية، وكون الأرمني في الجيش العثماني ذلك يعني أن يكون عضواً في “طابور العمالة” وأن يقوم بأعمال عبودية تحت سياط العساكر الأتراك ووابل شتائمهم، وثم أن يحفر قبره بنفسه، وفي آخر الأمر أن يقتَل.. كان متأكداً أن ليس له أقرباء يأتون ليأخذوه الى مكان بعيد، الى موطنه كسب …

وذات يوم، كان “هوفسيب” يمضي وقته في كرة القدم، ويركض ويصرخ مع الآخرين، وتسيل قطرات العرق على وجهه المحمر، لاحظ الشخص الواقف الى جانب المدير، فهو منشغل باللعبة ولم يلاحظ أن الرجل أشار اليه باصبعه. وبعد قليل، أوقف المدرب اللعبة ونادى على “هوفسيب” وطلب منه أن يذهب الى المدير. ماذا هناك؟ لماذا قاطع المدير اللعبة؟ فامتعض الصبي الأشقر ودخل الغرفة ليجد ذات الشخص الذي كان يلبس طربوشاً. انتظر “هوفسيب” بقلب يرتعش كي يتكلم المدير. فهو لم يعر ذلك الشخص اهتماماً.

فسأله المدير: – يا “هوفسيب” هل تعرف هذا الرجل؟

ولم يتمالك الرجل نفسه وسأله بلهجته: – تشوسيس “أوسيب؟ (كيف حالك يا “هوفسيب”)

وجد شيئاً ما غريباً في صوت الرجل، اللطف والرقة والقرابة. من هو هذا الرجل؟ كأنه يعرف ذلك الصوت، نظر الى وجهه، فكان الرجل يبتسم ويبكي في آن واحد.. والندبة الطويلة الظاهرة على جبهته تحت طربوشه.. لقد تذكر “هوفسيب”، كان هو يلعب بهذه الندبة في الأيام الماضية، الماضية… وهل يعقل، ألا يكون والده الطيب والحنون قد قتل.. يا الله… ركض نحو والده وهو يفتح ذراعيه، وأطلق الرجل العنان لدموعه الغزيرة.

لم يكن “هوفسيب” قد شعر بذلك الدفء لفترة طويلة، حتى على ضفاف الخابور، عندما كانت تحضنه سلمى والدة حسن لم تكن توقظ في داخله كل هذه الروعة، والآن وقد وضع “هوفسيب” رأسه على صدر والده “نشان” أطلق العنان هو أيضاً لدموعه.

كان الوالد يغرق ابنه بقبلاته ولمساته على وجهه وشعره ويديه..

لم يتمكن المدير من حضور هذا المشهد بعيون جافة، وهو الذي صار شاهداً على لقاء الكثير من الأقرباء واعتاد على الحياة الجافة في الميتم. خرج لكي يفسح المجال للأب والابن وكي يخبئ دموعه عنهما.

كان لدى “نشان” الكثير من الأسئلة يوجهها لابنه، ماذا جرى لزوجته وابنته، رغم أنه سمع عنهما من الأقرباء ولكنه يريد أن يعرف من ابنه ويسمع بالحقائق الرهيبة.. كانت الأسئلة كثيرة، الى أن دخل المدير بسؤاله المصيري:

يا بني، يا “هوفسيب” هل تريد أن تذهب مع هذا الرجل؟

فبدلاً من الإجابة تمّسك الصبي برقبة والده أكثر.

ألقى النظرة الأخيرة على الملجأ الجماعي وجلس “هوفسيب” الى جانب والده في العربة الجميلة وأزاح وجهه باتجاه بيروت. أوه، لقد سمع بهذا الاسم كثيراً، لكنه لم ير تلك المدينة بعد، وغدا وقع حوافر الأحصنة على الطريق المسطحة رائعاً. فهذه العربة لا تشبه عربة الجثث في الرقة. جلس الى جانب والده يوجه له الأسئلة أو يجيبه من جهة، ومن جهة أخرى، يتفرج على البحر الأزرق أو البيوت الصغيرة الآجرية المبعثرة في البساتين. كانت العربات تزداد كلما اقتربوا من بيروت، وكم كان صوت الموسيقا الذي تخلقه كل تلك العربات جميلاً.

وفي ساحة بيروت الأساسية كان بانتظار “هوفسيب” أمر جديد، وهو (الترامواي) العربات الجماعية. تفّهم الأب مشاعر الابن وصعدا سوياً الى أحدى تلك العربات ومضيا… وثم عادا من أمام الجامعة الأمريكية، وتسوقا بعض الأغراض، فقد اشترى الأب “نشان” بعض الثياب والملابس الداخلية والحذاء من أجل “هوفسيب”، واشترى الأب “نشان” أيضاً الهدايا من أجل الأم الجديدة والأخ الجديد والأخت الجديدة…

أم جديدة ؟ وأخ جديد ؟ وأخت جديدة ؟ الى أين يذهب “هوفسيب” ؟ وكيف ستكون الأم الجديدة، الأم الروحية؟

يا بني، لقد وجدت لك أماً جديدة، وهي امرأة طيبة وعطوفة جداً، مثل أمك الحقيقية..

هي روحية ومثل الحقيقية ! يبقى أن يراها.

وفي الصباح التالي، صعد “هوفسيب” مع والده “نشان” الى الباص للذهاب الى اللاذقية. وبعد قليل، رأى “هوفسيب” آخر محطة في رحلة يتمه، وقد عبر الباص من ساحة “أنطلياس” وكان الميتم في الأسفل، ماذا يفعل زملاؤه، المئات من الأيتام الصبية والبنات. ومتى سيجد هؤلاء أهلهم وهل يا ترى سيجدون أحداً على الإطلاق.

كان الطريق على طول الشاطئ، والقوارب الصغيرة منها والكبيرة كأنها تنزلق على سطح الماء دون جهد، فكانا يريان الصيادين وهم يشدون شباكهم من البحر. كان “هوفسيب” يقف كي يرى هذا الأمر الجديد، وكان أحياناً يتكئ برأسه على كتف والده وأحياناً أخرى يغفو. فالرحلة طويلة ومتعبة.

وصلا الى اللاذقية مساءً، فوجد الأب فندقاً حيث وضعا أغراضهما، واهتم “هوفسيب” أن يضع الحقيبة الممتلئة بالكتب في مكان آمن، وثم ذهبا الى مطعم وأكلا الكباب الشهي حتى التخمة…

وفي الفندق، أعرب بعض الأرمن عن تهنئتهم وشاركوا “واعظ نشان” فرحته بأن وجد ابنه أخيراً، الناجي الوحيد في العائلة بعد بحث واستجواب طويل.

وفي الصباح التالي، نزلا الى الشاطئ في وقت مبكر جداً، وصعدا على سفينة شراعية وتلك كانت أكبر المفاجآت، وكان البحارة يجدفون ويلعنون ويصرخون، وبعد انتظار طويل شد بعضهم المرساة الى أعلى، ومضت السفينة وهم يجدفونها وثم فتحوا الأشرعة وامتلأت بالرياح وبدأت السفينة تمضي بسرعة باتجاه البيت.. لكن أين هو البيت ؟

وفي فترة الظهر، أشار “نشان” لابنه الى مكان خليج “قاردوران”، لكنهما لن ينزلا هناك، فبيتهم الجديد هو الاسكندرونة. فعبرا الى جانب جبل موسى.

يا بني، لو فعلنا كما فعل أهل السويدية وصعدنا جبل “سلديران” لكانت والدتك وأختك من الأحياء، ولما نفي الآلاف في الصحراء. الحمد لله الآن، على الأقل أنت حي والى جانبي..

وعند المساء نزلا الى الرصيف، وحمل “غازار” الحمال الكسبي الأغراض وتوجها الى البيت.

إيه، “نشان”، يهنيك السلامة، على الأقل وجدت البرعم، ابنك الحقيقي، أما أنا، فماذا أفعل؟ وماذا أقول؟ لقد نفيت زوجتي وأولادي الأربع في الصحراء السورية، يهنيك السلامة يا “نشان”، الله يحفظ ابنك “أوسيب”..

كان الحمال راعياً في السابق ولم يبق أحد من عائلته خلال التهجير، ويبدو أنه أتى الى هناك وعمل في الحمالة لكي لا يحترق بذكريات المفقودين.

كانت والدة “هوفسيب” الجديدة بالانتظار أمام باب البيت وبيدها ديك كبير، فأعطت الديك لـ”غازار” الذي ذبح الديك بضربة سكين واحدة، وجعلوا “هوفسيب” يمر فوق الدماء التي تسيل. عانقته أمه الجديدة “فاني” وضمت ابنها الجديد بحرارة الى صدرها.

أهلاً بك، يا روحي، الله يحميك..

وأتت أخته “ماري” الثانية وأخوه “فارتان” وعانقاه والتفا حول قدمي أخيهم، وقد شرح لهما والداهما أن أخاهم الكبير سيأتي من المدرسة ومعه الكثير من الهدايا وعندما فتح “هوفسيب” الكيس فرح الصغار كثيراً.

وأخيراً، “هوفسيب” في بيته الحقيقي، كم هو جميل…

أرسل “نشان” ابنه الى مدرسة “الأخوة” (مدرسة فرنسية. المترجمة) وصار من أفضل الطلاب، وطلب المدير ليرة ذهب واحدة، وهذا مبلغ كبير، فمن أين سيتدبر المال؟

الله كبير يا بني، لا تقلق أبداً.

تدبر “نشان” أمر الليرة الذهبية مع زوجته وسجل ابنه في المدرسة، وسرعان ما لفت “هوفسيب” انتباه المدير وإعجابه، فاستلم الأخير أمر تسجيله لدى الدولة، وتم تسجليه بالاسم الذي فهمه هذا “الأب” الفرنسي الغريب باسم “جوزيف”، إضافة الى أنه أعاد له مبلغ التسجيل والرسوم، فهو صبي لامع ويستحق كل تقدير..

أتت صعوبة أخرى بهموم جديدة، فكيف سيدرس هذا الصبي في البيت المؤلف من غرفة واحدة. تدبرت الأم “فامي” الأمر وقاموا باستئجار بيت جديد. وبعد فترة، قام “الأب” المدير بتدبير الصبي كطالب في المدرسة الليلية.

كان ثمة مستقبل باهر يرتسم أمام الصبي، فيترفع من صف لآخر أمام عيون والده ووالدته الفخورين الى أن تخرج من البكالوريا. كانت “فاني” فخورة أكثر من والده. وصار “جوزيف” موظفاً وكان يخصص جزءاً من معاشه لوالدته، فالبيت يحتاج الى مصاريف كثيرة فكان يشعر بمسؤولية مشاركة والده.

وحان الوقت الذي سيتزوج فيه هذا الشاب ويكوّن أسرة. من ستكون العروس اللائقة لابن “فاني”، لم لا تكون “نوريتسا” ابنة المعلم “مادات” المشهور، ولكن أين المال لتغطية تكاليف الزفاف؟

– يا بني، نذهب ونطلب يد الفتاة وإن وافقوا، ولماذا لا يوافقون؟ وهل سيجدون عريساً أفضل منك؟ نعمل اللازم ونجهز لك ما يلزم وتتزوج.

ومن أين سنتدبر كل تلك المصاريف يا أمي؟

الله كبير، يا بني، هاك، تفضل.

وأخرجت “فاني” كيساً من صدرها ومدَّته الى ابنها. فهي لم تصرف من المال الذي كان يعطيها ابنها إياه، اقتصدته شيئاً فشيئاً، وها هي جمعت مصاريف الزفاف.

يا لها من أم روحية.

تزوج ابن باصماجيان بذلك المبلغ وصار له بيته وأسرته. وثم قامت العروس وساعدته وعملت في الخياطة وشيئاً فشيئاً تحسنت أحوالهم بمباركة الرب.

ولكن لم تنته الأمور على ذلك النحو، فقد جاءت الألعاب السياسية وسلمت الاسكندرونة للأتراك، وسلك “هوفسيب” وكثيرون غيره طريق التهجير من جديد. كانت هذه الكلمة: التهجير، المهجَّرون، توحي بالهمّ…

كم هو صعب أن تقفل باب بيتك وتبتعد عنه حتى لو لم تكن وجهة التهجير نحو الصحراء.

واستقر ابن “باصماجيان” ومعه العديد من الأرمن في كسب، بعد أن ابتعدوا عن “مدينتهم الاسكندرونة”. وكانت حياة جديدة بانتظارهم هناك …

* * *

تم تأليف هذه القصة بناء على ما روته “ريتا باصماجيان – مانجيكيان” ابنة “جوزيف باصماجيان” والذي نشر في أعداد جريدة “أزتاك” اليومية.

  • قصة من كتاب “شهادة مدى الحياة ..من آرام الى آرام” للكاتب كيفورك أبيليان، ترجمة د. نورا أريسيان، عنجر – لبنان، 2006.

Leave a Reply

Your email address will not be published.