كنيسة المهد إنْ حكت

سيادة المطران بطرس المعلم

وصلتُ إلى ساحتها، فوقفتُ ورُحتُ أتفحّص ما أمامي. يقولون إنها ساحة الكنيسة. الساحة، نعم. ولكن أين هي الكنيسة؟ أمامي إلى الشرق جدارٌ شاهق مُحْكَمُ الإغلاق، تحسبُه قلعة رومانية، ومثله آخَرُ جهة الجنوب، سرعان ما تكتشف أن كليهما ليسا قلاعًا عسكرية، بل ربما هما قلاع من نوع آخر.

ورحتُ أصغي إلى دليلٍ سياحي يشرح لفريق من الحُجّاج بجانبي: جدارُ الجنوب هذا هو “دير الأرمن الأرثوذكس”، وبالفعل ففي أعلاه جَرَسيّةٌ بالنمط الهندسي الأرمني المميّز.

وامتدادُ هذا الجدار شرقًا، حتى التقائه بالجدار الشرقي في زاويةٍ قائمة، يشكّل ديرًا آخر، هو “دير الروم الأرثذكس”، تعلوه هو أيضًا جَرِسيّةٌ من نمطٍ هندسيٍّ آخر. ثم هناك إلى شمال الجدار الشرقي جَرَسيّةٌ ثالثة من نمطٍ هندسيّ آخر: ذاك هو “دير اللاتين أو الفرنسيسكان أو حراسة الأراضي المقدسة”. وأخيرٍا إلى غربِ الساحة مسجدٌ ومئذنة شاهقة من نمط هندسي مميّز.
وكنيسة المهد إذن أين هي؟ ويجيبك الدليل: إنها أمامك، خلف هذا الجدار الشرقي الأول. – ولكن أين مداخلها؟ أليس لها من ردهات وأبواب فخمة؟ – لقد سُدّت كلها وأحكِم إغلاقها، بعد أن كان يدخلها بعض الغزاة والفاتحين على ظهور الخيل والجمال والبغال، وإن اقتربتَ من الجدار فسترى بعض آثار الأقواس والحنايا التي أغلِقت. وتساءلتُ: وهذه “القلاع” كلها من حول الكنيسة، هل هي فقط للتذكير بماضٍ درَس (وهل تنفع الذكرى؟)، ام فيه موعظة لأولي الألباب علهم يفقهون؟ هل هم اليوم حول الكنيسة يحرسونها أم يخنقونها؟ وهل انقساماتهم السخيفة في الماضي علّمتهم فأنذرتهم عما يخبأ المستقبل؟ وأعدتُ السؤال على الدليل السياحيّ: ولكن من أين عمليّا يدخلون إلى الكنيسة؟ فأشار إلى زاويةِ لقاءِ الجدارين الجنوبي بالشرقي وقال: هناك، هل ترى قريبًا من الزاوية إلى اليسار فتحة صغيرة؟ فهذا كل ما بقي ليُدخل منه، تحني أولا رأسك ثم ظهرك، ثم تمشي مُقوَّس القامة حتى تجد نفسك في الكنيسة.
ويضيف صاحبنا فيقول: وهذه الطريقة نفسها تنطبق على الصغير والكبير، على ابن البلد وعلى السائح الأجنبي، على أبناء الشعب وعل ذوي المناصب العالية، كنسيين ومدنيين. فعشية عيد الميلاد مثلا لكل من الطوائف الثلاث المذكورة (ولكل منها طبعًا تقويمٌ وتاريخٌ مختلف للاحتفال بعيد الميلاد !)، يأتي رئيس تلك الطائفة من القدس إلى بيت لحم، وفق بروتوكولٍ دقيق من دائرة تشريفات المدينة، فيستقبَله الرسميّون على مدخلها، يتقدمهم المحافظ ورئيسُ وأعضاءُ البلدية، وقيادة الشرطة، وأمامهم الخيّالة وفِرَق الكشافة، والمؤسسات والأخويات وطلاب المدارس، وفي ختام الموكب الرهبان والراهبات، والإكليروس شمامسة فكهنة فأساقفة، بثيابهم وحللهم الغريبة، العائدة إلى عقود وقرون، بل عصور. وأخيرًا رئيس الطائفة، يسير أمامه “القوّاصة” بطربوشهم التقليدي الأحمر، وصدريتهم المقصّبة، وسروالهم الفضفاض المزركش، وقد شدّوا في أحزمتهم السيوف الفضيّة الطويلة، وأمسكوا في قبضة يمناهم العكاكيز الضخمة المقمّعة، يضربون برؤوسها النحاسية بلاط الشوارع والساحات بإيقاعٍٍ متّزنٍ رتيب، لا تقوى على تغطيته طبولُ وأبواق الكشافة. وحين يصلون إلى هذه الساحة، تخرس الطبول والأبواق وقرْع العكاكيز، وعليهم جميعا حينئذٍ دخول الكنيسة من ذلك الباب الوطيء الضيّق نفسه… وفيما الدليل السياحيّ يصف سَير المهرجان، كنتُ أتساءل في نفسي: وصاحبُ العيد، أين هو في كل ذلك؟ وبين تلك الجماهير الغفيرة كم هو حقا عدد المصلين غيرالمتفرّجين؟
والآن فإلى الكنيسة. زمزمتُ نفسي وحنيتُ الرأس والظهر والقامة، واجتزتُ المِترين الضيّقين وفسحة ما يسمّى رواقَ النرثِكْس، وإذا أنا في داخل الكنيسة. هي عالمٌ آخر. أمامك بناءٌ بطول 54 مترًا وعرض 27، وعند التصالب تحت القبة يتسع العرض إلى 36، ينتهي كل ذراع منه، جنوبًا وشمالا، بحنيّةٍ نصفِ دائرية. ثم تُكمِل شرقا إلى الهيكل حيث المذبح ومكانُ خَدَمَته من الإكليروس، وخلفَه الحنيّة الشرقيّة، مما يضاعف في طول الكنيسة. تجوّلتُ وتفحّصت، فهناك على طول الكنيسة حتى مكان التصالب أربعة صفوف من الأعمدة، في كل صفٍ اثنا عشر عمودًا (عدد الرسل) من الحجر “المِزّيّ الورديّ” الواحد، تكللها التيجانُ “الكورنثية” من المرمر الأبيض، يتوسط كلاً منها الصليبُ “اليوناني” المعروف. فتقسم صفوفُ الأعمدة الكنيسة خمسة أسواق متوازية، الوسطى هي الأكثر اتساعًا، وإلى جانبها من كل جهة سوقان أخريان, وفيما أنت تتجول تفاجَأ بفتحات في أرض الكنيسة، على عمق 80 سنتيمترًا، مغطاة بالزجاج الشفاف، تريك، في أرض كنيسةٍ بيزنطية من القرن الرابع، بقايا لوحات من الفسيفساء، تمثّل أشكالا هندسية، ورسومَ طيور أوعناقيدِ عنب، أو السمكة الرمزية، التي تعني حروفُ اسمها اليونانية الخمسة: “يسوع المسيح ابن الله المخلص” (وبها كان المسيحيون الأولون يتعارفون).
وتمضي كنيسة المهد تحكي قصتها وما تعاقب عليها عبر التاريخ: تشتتَ المسيحيون الأولون من أورشليم وجوارها بعد استشهاد استفانس (أعمال 8: 4)، ولكن الباقين القلائل ظلوا يحوّطون المغارة التي وُلد فيها مسيحهم بكثير من التجلة والاحترام، فيترددون إليها (وإنْ فرادى وبالسر، خوفًا من اليهود أولا، ثم من الرومانيين) ويتباركون بها ويصلّون فيها. إلا أن الأمبراطور هادريانوس (117-138)، على ما يذكر القديس إيرونيموس (347-419) الذي عاش ونسك في مغاور بيت لحم، أراد أن يمحو بالتمام اسم المسيح وكل ما يذكّر به، فنصب فوق مغارة الميلاد تمثالا لأدونيس إله العشق والخصب، وأقام له فيها مزارا. ولكن هذا التدنيس، يتابع إيرونيموس، لم يدم طويلا، إذ إنّ أوريجانيس (185-253) يذكر لاحقًا في كتبه “مغارة المذود في بيت لحم”، ويضيفها كمَعْلمٍِ وثائقي على صحة ما ورد في الإنجيل حول مولد يسوع.
ويصدر مرسومُ ميلانو سنة 313، معلنًا الحرية الدينية في المملكة، فتتنفس المسيحية من الاضطاد. ويتنصر قسطنطين نفسه (306-337)، وتذهب أمّه الملكة هيلانة لتحجّ إلى الأماكن المقدسة، فتبني فوق المغارة سنة 325 الكنيسة البيزنطية الفخمة التي اكتشِفت آثارها سنة 1934 تحت أرضيةِ الكنيسة الحالية. إلا أن ثورة السامريين (529) وحريقًا في الكنيسة قد ألحقا بها أضرارًا جسيمة، فرمّمها الملك يوستنيانوس (528-565)، وأعاد بناءَها القسطنطيني، ووسّعها إلى الغرب بإضافة النَرثِكس. إلا أن حكم البيزنطيين في البلاد لم يدُم طويلا، لأن الملك الساساني كِسرى الثاني أبرويز (591-628) غزا البلاد سنة 614 فأحرق ودمّر، وهدم كنيسة القيامة في القدس في 4 أيار، وأخذ منها عود الصليب وحمله إلى فارس. أما كنيسة المهد في بيت لحم، فلما وصلت جيوشه إليها، رأوا في رسوم جدرانها صُوَر المجوس بثيابهم الفارسية، فعرفوا فيهم رسوم آبائهم وجدودهم، فعفوا عن الكنيسة ولم يلحقوا بها ضررا. وكذلك فعل العرب المسلمون، حين افتتحوا البلاد سنة 638، فلم يمسّوا الكنيسة بسوء، لِما وجدوا من تقارب في ميلاد المسيح بين القرآن والإنجيل.
أما في زمن الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله (985-1021)، فهُدمت الكنيسة سنة 1010 كما هُدِم الكثير غيرها . وجاء الفرنجة فاستنقذوها ورفعوا عليها عَلمهم صبيحة السابع من حزيران 1099. ثم أعادوا بناءها، وزينوها بالفسيفساء الأرضية البيزنطية، والرسومِ الجدارية وعلى الأعمدة، مما لا نزال نرى بعض بقاياه حتى اليوم. وعلى الرغم من الخلافات المزمنة بين الروم (بيزنطية) واللاتين (الغرب)، فقد كان ترميم الكنيسة وإعادة تأهيلها وتزيينها نتيجة لفترةِ هدنةٍ استثنائية موقتة، وتعاونٍ غير مسبوق بين العاهل البيزنطي مانوئيل كومنين “المولود في الأرجوان” (1145-1180) وملك القدس اللاتيني حينذاك أموري الأول (1163-1173).
ثم يأتي صلاح الدين الأيوبي (1138-1193) فيطرد الفرنجة، وتتعاقب السلالات الحاكمة في البلاد، ومصيرُ بيت لحم وكنيسةِ المهد رهنٌ لتلك التقلبات الكثيرة، ومُرّها في الغالب أكثر من حلوها بكثير. ومن أيوبيين إلى مماليك إلى عثمانيين إلى بريطانيين، إلى حربٍ عالمية أولى فثانية، ساخنة أو باردة، إلى حربٍ بل حروبٍ إسرائيلية فلسطينية عربية متكررة… ويعتذر المرشد السياحي عن عدم الخوض في تفاصيل كل ذلك لضيق الوقت. ويُقرَع جرسُ الكنيسة، ويدخل الرهبان للصلاة. وأعود فأسأل صاحبي: عبرنا التاريخ قرونا، والجغرافية شرقًا وغربًا وشمالا وجنوبًا، وزرنا ساحة المهد وكنيسة المهد. أما وليد المهد فلم نلتقِ به بعد، فأين ومتى؟ أجاب صاحبي: وليد المهد في مغارة المهد، والكلام عليها إلى حديثٍ لاحق.

http://www.sofiea.net/index.php?option=com_content&view=article&id=1788:2010-12-23-14-25-24&catid=121:molem

Leave a Reply

Your email address will not be published.