المسيحيون تاريخ من الاضطهاد

بقلم حسين علي

يخيل لي بأني لم اسمع خلال الفترة الماضية الى اي تصريح ادانة او بيان استنكار من اي رجل دين بارز ومعروف  و ذو اتباع مليونية لادانة ما حصل ويحصل للمسيحيين من تهجير وقتل قبل  وبعد مجزرة كنيسة النجاة  حتى وان حصل هذا الاستنكار والتنديد فهو لا يعدوا كونه اجراءاً روتينا وخجولاً لا يرقى الى مستوى الاحداث المروعة , كأن الامر يحصل في بلد آخر غير العراق او جزء آخر من العالم غير الشرق الاوسط , هذا الشرق الذي يسعى البعض الى تحويله الى شرق اسلامي خالص ليس فيه شيء من ديانة اخرى, فعبر مئات السنين  عاش المسيحيون في هذا الشرق لم ينعموا فيها بأمان تام و كامل كونهم كانوا دائما يدينون بديانة تخالف دين الحاكم وخصوصا في العراق الذي عرف الديانة المسحية منذ اكثر من 2000 عام وتحديداً في عام 59 ميلادية عندما بدأ التبشير في حدياب (اربيل) شمال العراق, كانت اشد سنوات الاضطهاد للمسيحيين والتي تسمى فترة الاضطهاد الاربعيني في عهد الفرثيين الفرس , بحجة انهم (اي المسيحيين) يدينون بديانة الامبراطورية الرومانية التي كانت على عداء مع الامبراطورية الفارسية آنذاك.

اما في العهد الاسلامي فأشد ما كانوا يعانوه كانت الجزية التي وجب عليهم دفعها وهم صاغرون حيث حرص قضاة ذلك العهد على تطبيق الشريعة الاسلامية عليهم بكل تفاصيلها على الرغم من وجود آيات قرآنية تدعو للتسامح مع اهل الذمة وخاصة النصارى ((ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ)) [المائدة: 83].

الا ان المسيحيون كانوا يعاملون معاملة الغرباء في بلدهم  اذ عرف الديوان المسؤول عن تصريف الشؤون خاصتهم بأسم ديوان الجوالي نسبة الى الجالية رغم انه في  العهود كافة اعتبروا من سكان البلاد  الاصليين ولم تنكر  السلطات عليهم هذا الحق لكن على الواقع كان الامر مختلفاً حيث فرضت عليهم ملابس خاصة ومنعوا من ركوب الجياد ولم يسمح لهم ان يتقلدوا السيوف ( لهذا لا نرى اليوم اي قائد امني مسيحي في قوات الامن والجيش والبالغ عددها اكثر من مليون منتسب كاننا نعيش عهد ابن فضلان قاضي قضاة العباسيين, وهو من اشد الفقهاء المتشددين على اهل الذمة في عهد الخليفة الناصر).

لم يكن حالهم في العهد العثماني افضل من العهود السابقة فمذابح الارمن والمذابح التي حدثت في ماردين وديار بكر و قرى المسيح في  العراق ( القصارى في نكبات النصارى 1890-1908 / اسحق ارملة السرياني) حيث حدثت ابادة جماعية لقرى مسيحية كاملة على ايدي الاغوات الاكراد و الاتراك لدوافع دينية وقومية. حتى في العهد الملكي ابيدت قرى الاشوريين في الموصل وقتل الالاف منهم بحجة التعاون مع جيش الاحتلال الانكليزي آنذاك.

لعب المسيحيون دورا هاما في بناء الدولة العراقية الحديثة وكان لهم العديد من الاساتذة والمنظرين والادباء حيث شكلوا جزءاً مهماً من البنية التحتية للعلمانيين والتكنوقراط في اجهزة الدولة الادارية , نذكر مثلا عبد المسيح الوزير/ رئيس قسم الترجمة في وزارة الدفاع العراقية وصاحب اول قاموس مصطلحات عسكرية في العالم العربي , كان له الاثر البالغ في بناء قدرات الجيش العراقي من خلال مشاركته في ترجمة العلوم العسكرية وتدريب ضباط الجيش العراقي, اما ابرز الذين ساهموا في دعم المكتبة العراقية فهم انستاس الكرملي , بطرس حداد , يوسف حبي وروفائيل بطي … الخ من الاسماء التي تركت بصمة واضحة في جسم الثقافة العراقية.

كل هذا المنجز الثر الذي قدمه المسيحيون الى الوطن لم يشفع لهم ولم يدفع  عنهم خطر القتل والتهجير او يقلل من شدة تأثيره على وجودهم في هذا الوطن والذي سيبدوا كئيباً بلا لون او تركوه.  حيث بدات حملة العنف ضد المسيحيين منذ عام 2004 عندما بدأ تنظيم القاعدة حملة اغتيالات ضد ابناء المكون المسيحي في الموصل, كركوك والدورة مما دفع اعداد كبيرة منهم للهجرة الى خارج العراق.

وصل عدد العوائل المسيحية التي غادرت بغداد  بعد كارثة كنيسة  سيدة النجاة الى اكثر من 150 عائلة ثمانون منها كان قد تلقى تهديداً من تنظيم القاعدة بترك بيوتهم خلال 48 ساعة.

اصبح العدد الكلي للمسيحيين في العراق بعد 2003 حوالي 400 الف نسمة بعد ان كان 1,750,000 نسمة قبل الحرب , لم يتم الكشف عن القاتل الحقيقي ولم يكشف عن دوافع ونوايا الجهات التي تقف وراء اعمال العنف التي وقعت,  كل هذه الاحداث ولم نسمع  من مسؤول حكومي  او زعيم سياسي يدعو الى اجراء فعال وجاد لوقف هذه المهزلة الدموية والاجرامية.

قد يكون ما حصل للمسيحيين وما يحصل هو جزء من سيناريو تقسيم العراق الى مناطق عرقية وطائفية لتكون عبارة عن دويلات  تمثل مصالح دول بعينها او لدفع المسيحيين للهجرة من  العراق وترك  البلد الى قوى دينية متطرفة باعتبار المسيحيين هم احد المكونات المهمة الداعمة للمشروع المدني العلماني في العراق وهذا ما قد يعيق المشروع الديني الطائفي المزمع انشاءه في هذا البلد والا بماذا يفسر تزامن غلق محلات بيع الخمور والمطاعم السياحية التي يملكها المسيحيون مع تصاعد عمليات العنف ضدهم في بغداد ..هل هي مجرد صدفة؟!

ان الاحداث الدموية  التي استهدفت المسيحيين في الاسابيع الماضية  اجبرتهم على ان يلغوا الاحتفال بأعياد الميلاد ورأس السنة الجديدة واقامة الصلوات في الكنائس بل ان معظمهم اكتفى بقداس الصباح فقط, ان الغاء الاحتفالات بأعياد ميلاد السيد المسيح الذي هو رمز السلام يعني منع السلام من ان يسود في هذه البلاد فأذا خسرنا المسيحيين سنخسر السلام الى الابد.

http://www.kitabat.com/i78690.htm

Leave a Reply

Your email address will not be published.