وشم عربي على وجه أرمني

تجاوز عمرها المائة وخمسة أعوام، هذه اكبر معمرة ارمنية ما تزال ذاكرتها تتنفس قصصا محفورة على وجهها وبين ذراعيها.

“أراكسي بابازيان” كانت تبلغ الخامسة اثناء الإبادة التركية للأرمن، قطعت الف ميل في طريق التهجير القسري (أيار -أيلول ١٩١٥) مشياً على الأقدام، تساقط إفراد عائلتها بسبب المرض والجوع وغارات العصابات في طريق الموت فردا تلو اخر، وصولاً الى الصحراء السورية. كان الأرمن يتبعون استراتيجية حاذقة للحفاظ على ما تبقى من نسلهم: يتركون فتى او فتاة تجاوز الثامنة مع الأطفال الذين يتم التخلي عنهم في الطريق للقبائل العربية، كانوا يزودونهم بأشجار النسب والذكريات لكي لا ينسى هؤلاء الأطفال عندما يكبرون أسماءهم الأرمنية ودينهم وتحدرهم الاثني، كان هؤلاء الأطفال الكبار مثل حافظات ذاكرة تلقى على طريق العذاب لترسم في ما بعد علامات صالحة للم الشمل بين الأحياء واستدعاء الذاكرة المفقودة.

التقط “أراكسي” رجل عربي ظناً منها أنها ولد صغير يدعو للشفقة، وحين اكتشف انها ليست سوى طفلة صغيرة، تخلى عنها لعجوز فضلت تربيتها مع بناتها العربيات الأكبر سنا.
حملت اراكسي منذ الان اسم “فاطمة”، أو “فطومة” كما تناديها أمها العربية. تعلمت فطوم تقنيات البدو في حلب الأبقار والطبخ وطريقة سرد الحكايات، حتى ان لهجتها اليوم لا تختلف عن لهجة احدى جداتنا في جنوب العراق.

وفي احد الأيام ارادت تقليد الفتيات الكبار فوشمت وجهها وذراعيها. اكتشفت أمها العربية ذلك فلطمتها على وجهها : كيف تجرؤين على تشويه وجهك، انت أرمنية ولست عربية لكي ترخرفين وجهك بهذه الرسوم؟

كانت أمها العربية تريد الحفاظ على عذرية وجهها ودينها وانتماءها لملتها. ورفضت تزويجها لأي عربي مسلم، قالت: يجب ان تتزوجي رجلا من ملتك، وهذا ما كان.

“فطوم” لا تستطيع بعد مرور قرن ان تنسى أمها العربية ولهجتها، تتناول تفاصيل حياتها بين العرب وكأنها حدثت البارحة، مفتخرة بوشومها،أصبحت هذه الوشوم واللهجة دلالة على هويتها المركبة. وحين تنظر الان الى صورها بين عائلتها المتكونة من ثمانين شخصا من الأبناء والأحفاد وأبناء الأحفاد، لا تملك سوى التفكير بعدد الأرمن الذين كانوا من الممكن ان يعيشوا بيننا او على حدودنا لو لم تحصل الابادة، ملايين لم يولودوا بسبب قرار سياسي لخلق هوية تركية متجانسة، فالجريمة ما تزال مستمرة.

قصة “أراكسي”تثير فينا الشجون ايضا، اذ ان الجريمة ترتكب اليوم في عراقنا من اجل خلق هويات اثنوطائفية صافية، تفجيرات انتحارية، قتل عشوائي، تطهير عرقي وابادت، وتهجير قسري. طشر العراقيين في أنحاء العالم كما طشر الارمن من قبلهم قبل قرن من الزمن.

قصة “فطوم” تثير فينا ايضا رائحة حب وتعايش مفقود، لقد احتضن العرب الأرمن بعد الابادة، وحفظوا نساءهم ومعتقدهم الديني من التحول، وعاشوا معهم كأخوة، كيف تحول كل ذلك وأصبح مجرد ماض لا يشير الى وجه الحاضر القبيح، نبيد بعضنا البعض ولا نتقبل الاخر الذي يسكن داخل حدود الجلد؟.. أي لعنة حاقت بنا في زمن الكراهيات العميقة؟. حفظك الله يا “فطوم” وبارك زمنك وشعبك ورحلتك التي تختصر مفارقات زمننا الغريب.

سعد سلوم : بغداد (٤أيار ٢٠١٥)

 

ملاحظة: (في 24 تموز 2015 توفيت في بغداد أراكسي بابازيان ارشاكيان، وهي تعدإحدى اكبر المعمرات الأرمنيات في بغداد والناجيات من الابادة عن عمر ١٠٧ سنة).

Leave a Reply

Your email address will not be published.