معارك ساسون الدفاعية الأولى (7)

آرا سركيس آشجيان

كانت ساسون الجبلية وحتى عام 1890 منيعة على السلطات المحلية والأكراد. وكان الأرمن لا يدفعون الضرائب، فهم كانوا أصلاً يعيشون في فقر مدقع. ومنذ بداية التسعينيات للقرن التاسع عشر، شرعت السلطات العثمانية بالتحضير للهجوم على ساسون لإنهاء حالة شبه الاستقلال التي كانت تتمتع بها المنطقة. وقد أشعلت هذه السلطات الصدامات بين الأرمن والأكراد لاتخاذها ذريعة لإدخال قواتها إلى ساسون المنيعة عليهم.

وفي عام 1891، دخلت قوى مسلحة كردية، وبتحريض من السلطات العثمانية، بعض مناطق ساسون، إلا أنها رُدًّت على أعقابها من قبل الأرمن في ساسون. كذلك رُدًّ على أعقابه هجوم الشرطة العثمانية بقوات كبيرة على ساسون عام 1892. ومن 1-15 حزيران-يونيو 1893، حاصرت ساسون، وللمرة الثالثة، قوات حكومية وكردية. وقد قاوم نحو 400 مقاتل أرمني أكثر من 6000 مهاجم وطردوهم من جبال ساسون، وقتل من المهاجمين 1200 شخص مقابل استشهاد 200 أرمني. وكان السلطان عبد الحميد الثاني قد شكل في السنوات من 1890-1892 فرق الفرسان المسماة (الحميدية) للمساهمة بشكل أساس في المجازر المرتكبة بحق الأرمن.

وقد استعد الأرمن في ساسون بقيادة همبرسوم بوياجيان للدفاع عنها ضد الهجوم الجديد. وعندما حاولت القوات الحكومية إصلاح أحد الجسور قرب ساسون، هاجم عليهم أهل ساسون بشكل مفاجئ، ودمروا الجسر وردوا هذه القوات على أعقابها.

غير أن السلطان عبد الحميد اتخذ من هذا العمل المشروع للدفاع عن النفس ذريعة، وأعطى زخماً جديداً لسياسته الرامية إلى إبادة الأرمن. وقد أعلنت السلطات حالة الحرب في ساسون، وتم تسليم القيادة إلى زكي باشا قائد جيش الأناضول الرابع. وقد وصل تعداد القوات المهاجمة على ساسون، بعد انضمام قوات كردية إليها، إلى 40 ألف مقاتل. ودخلت هذه القوات ساسون في آب-أغسطس، ولاقت مقاومة عنيفة من المدافعين عنها المسلحين بأسلحة بسيطة. إلا أن تفوق المهاجمين في العدد والعدة حسم المعركة لصالحهم. وبدأت أعمال السلب والقتل للسكان الآمنين وقتل الأسرى والجرحى والشيوخ والأطفال. وقد قُتل في ساسون أكثر من 10 آلاف أرمني، وخُرٍّب وأُحرق نحو 40 قرية.

وعلى إثر ورود أنباء عن مذابح ساسون، ثار الرأي العام في العديد من الدول، مطالباً باتخاذ إجراءات رادعة ضد السلطان السفاح عبد الحميد الثاني. وعقد الكثير من الاجتماعات العامة في بريطانيا لإجبار الحكومة على التدخل لصالح الأرمن. وفي إحدى هذه الاجتماعات، أطلق السياسي البريطاني غلادستون لقب (السفاك الكبير) على السلطان عبد الحميد الثاني. ومكافأة له على أعماله والمجازر التي ارتكبها ضد سكان ساسون، حصل زكي باشا على وسام السلطان، وحصل أربعة من زعماء العشائر الأكراد على الرايات الحريرية[1].

وتحت تأثير الغضب للرأي العام فيها، اهتمت فرنسا وبريطانيا وروسيا بالمجازر الأرمنية في ساسون، واقترحوا تشكيل لجنة تحقيقية تضم ممثلي هذه الدول. وفي كانون الثاني-يناير 1895، وصلت ساسون لجنة تحقيقية حكومية تضم كمراقبين ممثلين عن فرنسا وبريطانيا وروسيا. وعقدت هذه اللجنة أكثر من 100 جلسة، وتم استجواب 190 من الشهود الأرمن والأتراك والأكراد، وفضحت شهاداتهم السلطات العثمانية والفظائع التي ارتكبتها في ساسون[2].

وتحت ضغط الرأي العام، قدم سفراء فرنسا وبريطانيا وروسيا في اسطنبول للباب العالي مشروعاً للإصلاحات في الولايات الأرمنية الست سمي (مشروع مايو للإصلاحات) (لأنه قدم في 11 أيار-مايو 1895) للمصادقة عليه والبدء في تنفيذه. وقدم هذا المشروع لا لتحسين أوضاع الأرمن البائسة في الدولة العثمانية، بل لتقوية نفوذ هذه الدول وتأثيرها في الدولة العثمانية. وقد حاولت السلطات العثمانية رفض هذا المشروع في البداية، وتظاهر (السلطان الأحمر) بالرضوخ عبر ردوده المهذبة الغامضة، إلا أنه اضطر في النهاية إلى الموافقة عليها في خريف 1895. بيد أن وضع الأرمن لم يتحسن قط، بل استمر السلطان عبد الحميد الثاني بانتهاج سياسة الإبادة ضد الأرمن، بسبب عدم جدية الدول العظمى في تطبيق هذه الإصلاحات وسعيها إلى تحقيق مصالحها الذاتية فقط، وأخذ يخطط لمذابح جديدة على نطاق أوسع[3]. ولتجنب أي تنديد أوروبي به، عمد مسبقاً إلى عزل المقاطعات الأرمنية، ومنع الهجرة منها بعد فرض رقابة مشددة عليها، ثم أرسل إلى رعاياه الأتراك من يخطب في المساجد، متهماً الأرمن بـ”تدبير مؤامرة كبيرة ضد الوطن والعرش”، وأمر بتوزيع السلاح على عصابات مشبعة بروح التعصب، وأطلق العنان من جديد لفرسان الحميدية، وتكفل الجيش بانجاز الباقي. وبذلك اتسع نطاق المذابح الكبرى التي ارتكبت ضد الأرمن خلال عامي 1895 و 1896، لتشمل أرمينيا الغربية (التركية) برمتها[4].

*قسم من ورقة عمل قدمها الباحث آرا سركيس آشجيان بعنوان “أحوال الأرمن في أرمينيا الغربية في القرن التاسع عشر وأبعاد سياسة الإبادة للدولة العثمانية إزاءهم حتى عام 1923″في المؤتمر الدولي الخاص بالإبادة الجماعية الأرمنية تحت شعار “الإعتراف بالإبادة الجماعية الأرمنية خطوة نحو السلام العالمي” الذي عقد في 23 أيار، 2015 في بغداد.

خاص لملحق أزتاك العربي للشؤون الأرمنية

[1] تاريخ الشعب الأرمني، المصدر السابق، ص 245.

[2] تاريخ الشعب الأرمني، المصدر السابق، ص 246.

[3] نفذت المذابح ضد الأرمن بأوامر سرية من قصر يلدز، وهو مقر السلطان عبد الحميد. راجع: نجلاء عدنان حسين العكيلي، المصدر السابق، ص 35.

[4] راجع: هراج داسنابيديان، المصدر السابق، ص 13.

Leave a Reply

Your email address will not be published.