مذبحة أضنة عام 1909 (11)

آرا سركيس آشجيان

في عام 1909، أصدر المقر لحزب الاتحاد والترقي الأوامر بتنظيم مذابح للأرمن في (أضنة)، والتي راح ضحيتها قرابة 30 ألف أرمني.

وحرك (الأتراك الفتيان) ثلاثة أفواج من الجنود إلى أماكن الأحداث، وساهم هؤلاء في المذبحة الثانية التي جرت في 12 نيسان-أبريل. وكانت التعليمات السرية الصادرة عن المركز لحزب الاتحاد والترقي في سالونيك تنص على ضرورة (اختيار الطريق الأقصر)، أي بمعنى (أن يتمم الجنود ما لم يكمل أثناء المذبحة)[1].

وبذلك أكمل (الأتراك الفتيان) نهج السلطان عبد الحميد الثاني في قتل الأرمن. وفي العام نفسه، تم قتل أعداد من اليونانيين والكلدان والسريان وبعد سنة، أي في عام 1910، قتل عدد من الألبان، ومن ثم المقدونيين والبلغار والعرب وغيرهم.

وبعد مذبحة الأرمن في (أضنة) مباشرة، كان أول ما حطمه المزارعون الأتراك هو مئات المحاريث والآلات الزراعية التي كان المزارعون الأرمن قد جلبوها من أوروبا لزراعة سهول إقليم (كيليكيا)[2]، وكانت تعمل بقوة البخار. وقد وضعت هذه المذبحة (النهاية لثقة الأرمن بـ (الأتراك الفتيان). ويصف البريطاني (بينسون) هذه المذبحة بـ (التجريبية) في سياسة (الأتراك الفتيان) تجاه الأرمن.وكان منظما المذبحة الوالي جواد بك والقائد رمزي بك. وتذكر المصادر أنه شارك في التخطيط لهذه المجازر أيضاً صهاينة سالونيك[3](منطقة تابعة لليونان حالياً).

وقد ثبت قيام المقر لحزب الاتحاد والترقي في التخطيط وإصدار الأوامر لارتكاب المذبحة، وأن محاولة الاتحاديين إلقاء التبعة لهذه المذبحة على الموالين للسلطان عبد الحميد الثاني رفضتها اللجان المختصة والدراسات والبحوث[4].

وتمت ترقية جميع المشاركين في المذبحة في سلم المناصب، وقد كشفت مؤلفات عديدة الدور الذي لعبته السلطات التركية في مذبحة (أضنة).

وقال الدكتور كمال مظهر أحمد في هذا الصدد:”لقد استقبل الشعب الأرمني، شأنه في ذلك شأن الشعوب العثمانية الأخرى، بحرارة ثورة الاتحاديين (في تموز من العام 1908)، ولكنه لم يمض وقت طويل حتى انكشف الوجه الحقيقي للنظام الجديد كذلك وصار الأرمن أنفسهم أول ضحاياه. فلم يكن قد انقضى عام واحد على انتصار هذه الثورة، حتى التجأت وبصورة أسوأ من ذي قبل إلى السياسة نفسها التي كان يسير عليها السلطان عبد الحميد. وفي نيسان من العام 1909 أقام النظام الجديد مذبحة جديدة في مدينة أضنة أدت إلى مقتل 30 ألف إنسان بريء فقط ! ومن الطريف أن الحكام شنوا بعد المذبحة خطة اعتقال وتحقيق بحجة معاقبة المجرمين الذين دبروا المذبحة، كما ادعوا. وكانت نتيجة تلك الاعتقالات والتحقيقات أن شنق 15 شخصاً كان ستة منهم من الأرمن. والأغرب من كل تلك أن المسلم (يقصد به التركي، آ.س.آ.) الوحيد بين المتهمين حكم عليه بالسجن لمدة ستة أشهر، في حين حكم على الأرمن الثمانية بالسجن من 5 سنوات إلى 10 سنوات، ثم أُعتقل 362 شخصاً آخر كان 312 منهم (فقط !) مسيحيين (يقصد بهم أرمن، آ.س.آ.)”[5].

أعطى شاهد عيان وهو غيبونز وصفاً مفصلاً لتلك المذبحة، ولاحظ أن الأرمن قد قُتلوا بشكل خاص بالسكاكين، أو بإطلاق الرصاص عليهم في الشوارع، أو بحرقهم أحياءً في البيوت التي لجأوا إليها طلباً للسلامة، حتى أن القتلة لم يبقوا أحداً من الشيوخ والنساء وحتى الأطفال، وختم ملاحظاته بالقول: “إن هذه المجزرة كانت أفظع من تلك التي كانت في عهد السلطان عبد الحميد”، وأضاف: “إن الأرمن الذين نجوا من المذبحة الأولى تم القضاء عليهم الآن.. وقد أصبحت أضنة جحيماً فعلياً”[6]. وذكر مولان زادة رفعت، وهو أحد قادة حزب الاتحاد والترقي في مذكراته ان مسؤولية جريمة المذابح في أضنة عام 1909 تقع في الحقيقة على حكومة تركيا الفتاة التي أعطت الأوامر بالتحضير لمذابح واسعة في مناطق كيليكيا، إذ قال: في يوم الأحد 25 نيسان-أبريل 1909 وبدون أي سبب ظاهر سمعت أصوات إطلاق رصاص عصراً من الحي الأرمني، وأصيب الأرمن الذين كانوا يمارسون أعمالهم الاعتيادية في الأسواق بالذعر.. إلا أن دعاة جمعية الاتحاد والترقي الذين كانوا موجودين هناك طمأنوا الأرمن بقولهم: “ليس هناك شيء مخيف” ليؤخروا هربهم.. واتضحت المسألة لهم مع تزايد إطلاق النار.. فقد صدرت الأوامر إلى فوج ديرية اغاجي بفتح النار على الأرمن دون سبب.. وعلى الرغم من اعتراضات النواب الأرمن في البرلمان العثماني على هذه المذابح، فأن هذا الموضوع لم يوضع قط على بساط المناقشة داخل البرلمان، وتمت التغطية عليه. وحاولت وسائل الدعاية العثمانية خلق الانطباع بأن المذبحة كانت بسبب تصرفات الأرمن، وأن المذبحة كانت إجراءً لا بد منه من أجل ضبط الأرمن[7]. وأثارت المذبحة سفراء الدول الأوروبية في اسطنبول الذين قدموا احتجاجات شديدة اللهجة إلى الباب العالي. ثم أرسلت كل من بريطانيا وروسيا وفرنسا وايطاليا على الفور 8 سفن حربية إلى ميناء ميرسن في جزيرة صقلية، الأمر الذي دفع الحكومة العثمانية إلى إصدار أمر لإيقاف المذابح في أضنة، ولكن عامة الناس المسلحين استمروا في أعمالهم الوحشية ضد الأرمن في جميع أنحاء تلك الولاية. ووصلت إلى أوروبا أنباء تلك المذبحة وسقوط آلاف الضحايا من الأرمن، فحاولت السفارات العثمانية في الخارج نشر معلومات مضللة عن المذبحة، بادعائها أن أعداد الأرمن الذين قتلوا في إقليم كيليكيا كانت قليلة، بينما كانت تقارير السفراء في اسطنبول تقول غير ذلك. فقد كتب السفير الروسي زينوفيف تفريراً من اسطنبول في 1 أيار-مايس 1909 جاء فيه: “إن جنون الأتراك العثمانيين في ولاية أضنة قد بلغ أبعاداً شيطانية، ووصل عدد ضحاياهم من المسيحيين وخاصة الأرمن إلى نحو 15 ألف شخص (يقدر أغلب المؤرخون عدد الضحايا بـ 30 ألف شخص)، فقد قام الجنود الذين أرسلتهم الحكومة، بالاشتراك مع الغوغاء المتعصبين من الأتراك، بذبح المسيحيين بدون اعتبار للجنس أو العمر ونهبوا وأحرقوا بيوتهم”. ويمضي التقرير إلى القول في مكان آخر منه: “إن مدينة أضنة لم يعد لها وجود”[8]. حاولت الحكومة العثمانية امتصاص النقمة التي ولدتها المذبحة بإرسال لجنة عسكرية إلى أضنة لتحديد المسؤولين عن ارتكاب مذبحة الأرمن فيها. وجاءت نتائج أعمال تلك اللجنة منحازة إلى الأتراك، وألقت مسؤولية الأحداث على الأرمن، على اعتبار أن الثورة المسلحة المزعومة التي قام بها الأرمن هي التي دفعت الأتراك إلى الأخذ بالثأر. فقوبلت الأحكام الصادرة عن تلك اللجنة بالاستهزاء والانتقاد المتزايد، بحيث أن البرلمان العثماني الذي ناقش هذه المشكلة اضطر في النهاية إلى إرسال لجنة تحقيق خاصة تتكون من يوسف كمال وهاكوب بابيكيان من أجل التأكد من الحقائق، كما أن القسم التنفيذي للحكومة عين لجنة أخرى تتكون من فايق بك وهارتيون موستجيان وايسان بك لإجراء بحث مستقل في هذا الموضوع. وقد أكدت التقارير الرسمية لكلتا اللجنتين براءة الأرمن، إلا أن هاكوب بابكيان المشارك في اللجنة، لقي حتفه في ظروف غامضة، وانتهت أعمال اللجنة في 31 تموز-يوليو 1909 لتعلن فقط على لسان الوزير الأول في الحكومة العثمانية براءة الأرمن[9].

ونشرت صحيفة (پيام) التركية[10] رأي أحد السياسيين المعارضين للاتحاديين ومفاده “إن مذبحة الأرمن واليونانيين قد جرت على يد يهود الدونمة، لأنهم (يهود الدونمة) كانوا يرغبون في شغل مواقع هؤلاء في تجارة تركيا وامتلاك ثرواتهم”[11] !! ويجب أن نفهم من هذا الرأي أن (يهود الدونمة) شاركوا مع (الأتراك الفتيان) وصهاينة سالونيك في التخطيط لهذه المجازر التي نفذها الأتراك.

وتحاول وسائل الدعاية التركية خلق الانطباع بأن الأرمن أنفسهم هم من نظموا مذبحة (أضنة) !! وفي 17 شباط-فبراير 1981، نشرت صحيفة (ترجمان) التركية موضوعاً تحريضياً تحت عنوان (مصادر الإرهاب الأرمني) ذكر فيه أن المذبحة كانت إجراء لا بد منه من أجل (ضبط الأرمن المدللين)[12].

*قسم من ورقة عمل قدمها الباحث آرا سركيس آشجيان بعنوان “أحوال الأرمن في أرمينيا الغربية في القرن التاسع عشر وأبعاد سياسة الإبادة للدولة العثمانية إزاءهم حتى عام 1923″في المؤتمر الدولي الخاص بالإبادة الجماعية الأرمنية تحت شعار “الإعتراف بالإبادة الجماعية الأرمنية خطوة نحو السلام العالمي” الذي عقد في 23 أيار، 2015 في بغداد.

خاص لملحق أزتاك العربي للشؤون الأرمنية

[1] راجع: ج. كيراكوسيان، المصدر السابق، ص 267.

[2] إقليم يع على السواحل الشمالية الشرقية للبحر الأبيض المتوسط، ويضم مدينة (أضنة). والإقليم مهد قديم للشعب الأرمني.

[3] راجع: ج. كيراكوسيان، المصدر السابق، ص ص 267-269، عن:

Dale, Darley; Armenia and Armenians, <<The American Catholic Guarterly Review>>, vol. XLII, October 1917, N. 168, Philadelphia, p. 567.

[4] راجع: ج. كيراكوسيان، المصدر السابق، ص 269.

[5] د. كمال مظهر أحمد، المصدر السابق، ص ص 252-253.

[6] نجلاء عدنان حسين العكيلي، المصدر السابق، ص ص 74-75.

[7] نجلاء عدنان حسين العكيلي، المصدر السابق، ص75.

[8] نجلاء عدنان حسين العكيلي، المصدر السابق، ص ص 76-77.

[9] نجلاء عدنان حسين العكيلي، المصدر السابق، ص 77.

[10] العدد 1328، 17 آب-أغسطس 1922.

[11] مفتبس من: ج. كيراكوسيان، الأتراك الفتيان أمام قضاء التاريخ (منذ عام 1915 وحتى يومنا هذا)، الجزء الثاني، دار نشر هاياستان، يريفان، 1983، ص 10 (باللغة الأرمنية).

[12]راجع: كيراكوسيان جون، الأتراك الفتيان أمام قضاء التاريخ (منذ تسعينيات القرن التاسع عشر وحتى عام 1914)، الجزء الأول، دار نشر هاياستان، يريفان، 1982، ص 270 (باللغة الأرمنية).

  1. […] وحرك (الأتراك الفتيان) ثلاثة أفواج من الجنود إلى أماكن الأحداث، وساهم هؤلاء في المذبحة الثانية التي جرت في 12 نيسان-أبريل. وكانت التعليمات السرية الصادرة عن المركز لحزب الاتحاد والترقي في سالونيك تنص على ضرورة (اختيار الطريق الأقصر)، أي بمعنى (أن يتمم الجنود ما لم يكمل أثناء المذبحة)[1]. […]

Leave a Reply

Your email address will not be published.