الإبادة الأرمنية لعام 1915 (13)

الباحث آرا سركيس آشجيان

لقد كانت المذابح السابقة، على الرغم من شدتها ووحشيتها، كانت أقل (تنظيما وقسوة ووحشية) من مذابح الأرمن العظمى التي جرت عام 1915 والتي أزهقت فيها نفوس مليون ونصف المليون شخص من مواطني الدولة العثمانية خلال اقل من سنة في مجازر وحشية لم يشهد التاريخ لها مثيلاً، فيما ترك مئات الألوف من المشردين والأيتام يهيمون في الصحراء، مات معظمهم، وقليل منهم أنجدته القبائل العربية في الصحراء السورية. وأدت هذه المذابح أيضاً إلى فقدان الأرمن للجزء الأكبر من وطنهم التاريخي الذي عاشوا فيه منذ الألف الثالث قبل الميلاد، حسب المصادر التاريخية والآثارية، فضلاً عن تكبدهم، إلى جانب الخسائر البشرية الهائلة[1]، خسائر هائلة بالأموال والممتلكات تبقى حتى الآن من دون تعويض، فضلاً عن تدمير ارثهم الثقافي والحضاري والآثاري، وإعاقة نموهم السكاني.

وقد أقرت مجزرة عام 1915 في مؤتمرين سريين عقداهما زعماء (حزب الاتحاد والترقي) في مدينة سلانيك خلال عامي 1910 و1911. وكان شعار المؤتمر الأول (تركيا للأتراك فقط)[2]. وقد اعترف بذلك المنظم الرئيسي لإبادة الأرمن وزير الداخلية العثماني طلعت باشا بقوله: “لقد رغبنا في تحويل الكفار إلى عثمانيين، لكننا فشلنا في تحقيق ذلك، والوسيلة الوحيدة المتيسرة أمامنا الآن هي سحقهم بقوة السلاح”، وتم تبني سياسة مركزية تقضي بتحقيق مبدأ التتريك عن طريق تنظيم المذابح[3].

إن (حزب الاتحاد والترقي) الذي أنشأته شخصيات من يهود الدونمة (المرتدين) الماسون من منطقة (سلانيك)، والذين يدينون بالإسلام ظاهرياً، كان قد أقر خلال اجتماع عام 1910 (مبدأ سيادة العنصر التركي على الشعوب الأخرى غير التركية، إضافة إلى تبني الوسائل كافة لتحقيق هذا الهدف).

            وفي اجتماع عام 1911 الذي عقد برئاسة (طلعت باشا) وبمشاركة (أنور باشا) وكل من جمال باشا الشهير بـ(السفاح) والدكتور ناظم، وبهاء الدين شاكر، وسعيد حليم باشا وآخرين، خُصَّ الشعب الأرمني من بين الشعوب غير التركية الخاضعة للدولة العثمانية بـ (مشروع الإبادة الوحشي).

إن هزيمة الأتراك في (حروب البلقان) التي وقعت بين عامي 1912-1913 أمام دول (اليونان وبلغاريا وصربيا والجبل الأسود) عمقت في نفوس زعماء حزب الاتحاد والترقي الرغبة في تطوير (الحركة الطورانية) الداعية إلى إقامة إمبراطورية واسعة الأطراف تمتد من اسطنبول وحتى حدود تركستان وبلاد طوران في آسيا الوسطى- الموطن الأصلي للعنصر التركي- وتضم هذه الإمبراطورية الأقطار العربية، ولا يكون فيها غير العنصر التركي[4]. وكان الشعب الأرمني، حسب اعتقاد زعماء هذا الحزب، هو العقبة أمام توسعهم وتحقيق حلمهم الطوراني، ولا تتم إزالة هذا العائق إلا بإبادة العنصر الأرمني، والذي سيوفر أيضاً فرصة التخلص من (القضية الأرمنية)، وهي مصدر قلق وإزعاج لهم، مرة واحدة والى الأبد، ومن الأرمن أنفسهم الذين يذكرونهم بأنهم ليسوا أصحاب أرض أرمينيا الغربية الشرعيين، بل المغتصبين لها، وكان الأرمن من أقل العناصر خضوعاً لسياسة التتريك لتمسكهم بثقافتهم ولغتهم وكنيستهم[5]، فكان لا بد من تتريكهم أو إبادتهم ليسود الأناضول في النهاية عنصر واحد فقط هو العنصر التركي !!

لقد توفرت الفرصة السانحة للأتراك لتنفيذ جريمتهم بـ (إبادة الأرمن) عند اندلاع الحرب العالمية الأولى. وفي الاجتماع السري الذي عقدته اللجنة التنفيذية لجمعية (الاتحاد والترقي) في أوائل عام 1915، قال طلعت باشا وزير الداخلية للدولة العثمانية والمنظم الرئيس للإبادة الأرمنية ما نصه:”يجب اقتلاع الأرمن من جذورهم، ويجب ألا نترك أرمنياً واحداً على قيد الحياة في بلادنا. ويجب أن نزيل الاسم الأرمني من الوجود”.

وقال سعيد حليم باشا الصدر الأعظم للدولة:”إن المسألة الأرمنية لا تحل إلا بإزالة الأرمن من الوجود”[6].

فبدأ تنفيذ جريمة الإبادة باعتقال زعماء الأرمن الدينيين في مختلف الأقاليم بداية عام 1915. وفي ليل 24 نيسان-أبريل من السنة نفسها (وهو اليوم الذي يستذكر فيه الأرمن كل عام ذكرى المذبحة)، اعتقلت السلطات التركية 600 من مفكري ومثقفي الأرمن في العاصمة اسطنبول ومختلف الأقاليم من كتاب وشعراء ومحررين وأساتذة وأطباء وصيادلة ومحامين وشخصيات سياسية ودينية وأعضاء في البرلمان العثماني وشخصيات قدمت (خدمات كبيرة للإمبراطورية)، لتجريد الشعب الأرمني من نخبته القيادية، ثم نفوا إلى مناطق مجهولة، حيث جرت تصفيتهم !!

وحسب تخطيطها المسبق لإبادة الأرمن، كما ذكرنا، وبشكل مترافق مع اعتقال المفكرين والشخصيات الأرمنية البارزة، قامت الحكومة العثمانية بعزل الجنود الأرمن المجندين في الجيش العثماني وتجريدهم من السلاح وتشغيلهم بأعمال السخرة، حتى وصل الأمر إلى إجبارهم على حفر قبورهم الجماعية بأيديهم قبل قتلهم !!

هذه العمليات الوحشية انتهت بمصرع 50-60 ألف جندي وضابط أرمني في الجيش العثماني تحت ظروف بشعة، والقليلين الذين تمكنوا من الفرار رجعوا إلى مدنهم وقراهم وشاركوا بأعمال التصدي للجيوش التركية التي اقتحمت مساكنهم في مدن وان (فان) وأورفا وشابين كاراهيسار وجبل موسى. أعقبت ذلك عملية تهجير واسعة من الأقاليم الأرمنية إلى الصحارى العربية تخللتها أعمال نهب وسلب واختطاف وقتل لا مثيل لها !!

من جانبه شكل حزب الاتحاد والترقي لجنة ثلاثية تتولى الإشراف على عمليات الإبادة اللاحقة، إذ أُوكل ارتكاب جرائم تهجير الأرمن وسلبهم وقتلهم أو تركهم يقضون نحبهم من الجوع والعطش، إلى القتلة المسجونين في المعتقلات التركية الذين أطلق سراحهم (بأمر اللجنة المذكورة) وشكل منهم جيش قوامه من 10-12 ألف مجرم مقسمين إلى مجاميع، كل مجموعة تتألف من 40-50 مجرما اتخذوا مواضعهم على جميع الطرق التي كانت تمر منها قوافل المهجرين ليبيدونها.

وكان أعضاء الشرطة (الجندرمة) يسلمون هذه القوافل إلى المجرمين المكلفين بواجب قتلهم جميعا على الطرق من دون تمييز للعمر أو الجنس !!

كان وزير الداخلية التركي (طلعت باشا) يصدر برقيات تتضمن الأوامر المشفرة إلى الولاة والمتصرفين كافة، داعياً إياهم فيها إلى عدم الإبقاء على أرمني واحد، كجزء من التنفيذ الحرفي للقرارات السرية التي اتخذها حزب الاتحاد والترقي.

إحدى هذه البرقيات برقم 1181 في 16/9/1915 يقول نصها:”لقد أبلغتم من قبل أنه تقرر نهائياً حسب أوامر الجمعية (يقصد جمعية الاتحاد والترقي) إبادة الأرمن الذين يعيشون في تركيا والذين يقفون ضد هذا القرار لا يسعهم البقاء في وظائفهم. ومهما تكن الإجراءات التي ستتخذ شديدة وقاسية، ينبغي وضع نهاية للأرمن.. لا تلقوا بالاً بأي صورة للعمر والوجدان والرجال والنساء.. طلعت باشا” !

لقد تم إبعاد الأرمن وتهجيرهم عن جميع أقاليمهم ونواحيهم في الأناضول الشرقية والغربية وإقليم كيليكيا ثم قتلوا أو تركوا يهيمون في الصحراء بقوافل الأطفال والنساء والشيوخ التي هلكت من الجوع والعطش وظلت أكوام جثثها متروكة في العراء[7].

لقد استفاد زعماء حزب الاتحاد والترقي من واقع عدم معاقبة السلطان عبد الحميد الثاني على جرائمه بحق الأرمن وجرائمهم هم بذبح الأرمن في (أضنة) عام 1909. إن أكثر ما يشجع المجرم على جريمته تأكده من أنه لن يعاقب.

وتتفق مصادر موثوقة عديدة على أن يهود تركيا ومحافلها الماسونية كانت عاملاً مساعداً كبيراً على ارتكاب السلطات العثمانية لأبشع مجازرها على الإطلاق ضد شعب الأرمن الذي أبيد منه مليون ونصف مليون إنسان[8].

إن الحديث عن الدور المساعد، سواء أكان بالتحريض أم بالمشاركة، الذي لعبه اليهود والمحافل الماسونية في الإبادة الأرمنية لا يبرئ السلطات العثمانية مما فعلته، بل يدفع الضمير الإنساني إلى إدانة هذه الجرائم المرتكبة على غرار المذابح الإسرائيلية بحق الشعب العربي الفلسطيني. ويدين القانون المحرض للجريمة والمرتكب لها على حد سواء[9].

كما أن الدور المساعد لطائفة معينة في تركيا (يهود الدونمة)، أو تنظيم (مثل الماسونية) في التخطيط والتنفيذ للإبادة الأرمنية في مرحلتها الثانية (من 1915-1916)[10]، لا يبرئ الأتراك أو السلطات العثمانية مما فعلته في المراحل الثلاثة للإبادة الأرمنية، إذ أن هذه الجرائم ارتكبت باسم الدولة العثمانية، ولا تستطيع تركيا الحالية الوريثة الشرعية للدولة العثمانية (حتى لو أرادت) أن تلغي مسؤولية الدولة والحزب الحاكم آنذاك في هذه الجرائم.

وأشير هنا إلى عدد كبير من المصادر والبحوث الأرمنية والعربية والأجنبية المنشورة، خاصة في العقود الأخيرة، التي تكشف عن الحقيقة الماسونية للثورة التركية أو الانقلاب العثماني عام 1908 (كلمة انقلاب بالتركية تعني ثورة) والتي كانت معروفة للسياسيين والدبلوماسيين آنذاك وربما لبعض الناس أيضاً.

وتفيد المعلومات الموثقة أن ولاة وحكام دير الزور والموصل العرب كانوا قد رفضوا تنفيذ أوامر السفاح طلعت باشا وزير داخلية الإمبراطورية بتهجير وقتل الأرمن، مما تسبب في طردهم من مناصبهم. كما تم طرد مظهر بك والي أنقرة ورشيد بك والي قسطموني[11].

ويذكر عمر الديراوي[12] “إن الحكم العثماني صار ينطلق في معاملة الأرمن من مبدأ -عرب خاين.. أرمن كافر- فصاروا يهجرونهم من قراهم بكل وحشية فيموت أكثرهم جوعاً، ويتكفل رصاص حاميات الطرق بعدد كبير من الباقين..”.

وكتب السفير الأميركي مورغنتاو، وكان شاهداً على حملة الإبادة ما نصه:”قبض على الرجال الأرمن في أنقرة بين سن (15- 70) وربطوا كل أربعة بعضهم ببعض، وأرسلوا باتجاه مدينة القيصرية. وبعد مسيرة خمس أو ست ساعات وصلوا إلى واد منعزل هاجمهم فيه غوغاء الفلاحين الأتراك بالهراوات والمطارق والفؤوس والمناجل والمجاريف والمناشير، وتلك الأدوات لم تكن تسبب الموت الفظيع بالمقارنة مع القتل بالأسلحة والمسدسات وحسب، بل، كما يقول الأتراك أنفسهم، كانت تلك الطرق أكثر اقتصادية، لأنهم لم يضيعوا سدى البارود والأغلفة النحاسية. وبهذه الطريقة أبادوا كل السكان الذكور، بمن فيهم المثقفون والأغنياء في أنقرة. وتركت أجسادهم المشوهة بشكل مفزع لتفترسها الحيوانات المتوحشة في الوادي”[13].

وقد عانى العرب أيضاً من سياسة الاضطهاد، وكان الشعبان الأرمني والعربي، بشكل خاص، مثار اهتمام الحكومات العثمانية التي رأت دائماً مصدر خطر مستمر لها بسبب الحيوية والديناميكية اللتين يتمتعان بهما في الإمبراطورية العثمانية. وأكثر من هذا نتيجة الماضي المجيد لكل منهما، ونظراتهما المشتركة، بالنسبة للمستقبل، حول تشكيل وطن مستقل، تنمو فيه ومن خلاله إبداعاتهما الخلاقة[14].

وقال الجنرال الألماني ليمان فون ساندرس:”كان الأتراك الذين حكموا الدول العربية لقرون طويلة يشعرون بأنهم في وسط معادٍ. وقد نظم جمال باشا الذين عُيّن قائداً للجيش الرابع العثماني المتمركز في سوريا وفلسطين، إلى جانب شنق الوطنيين العرب، عملية نفي 10 آلاف عائلة عربية (مشكوك في ولائها !)، وقتل آلاف الناس، وسلب الممتلكات، بضمنها الأماكن المقدسة الإسلامية في النجف وكربلاء”[15].

وفي سنة 1916 نشبت الثورة العربية الكبرى في الحجاز بقيادة الشريف حسين ضد الطغيان التركي.

وفي المنشور الأول الذي أصدره الشريف حسين بن علي، أمير مكة بتاريخ 26 حزيران-يونيو 1916، دان الحكم لجمعية (الاتحاد والترقي)، واتهمها بقطع الصلة بالعالم الإسلامي والقرآن الكريم والسنّة[16]. ثم أصدر منشوراً ثانياً في 12 تشرين الثاني-نوفمبر 1916 دان فيه المجازر المرتكبة بحق الأرمن واليونانيين والعرب في سوريا وبلاد ما بين النهرين، أما المنشور الثالث، فقد أصدره في 5 آذار-مارس 1917 دعا فيه جميع المسلمين القاطنين في بلاد الأتراك، لا سيما الجيش والقيادات فيه، للانتفاضة ضد حكومة (الطورانيين الكفار) لإنقاذ البلاد من (جماعة العصابة الطورانية)[17]، صنيعة الصهيونية واليهود (الدونمة)[18].

وفضلاً عن ذلك، سجل الشريف حسين موقفاً مشرفاً نابعاً من صميم إيمانه الإسلامي والإنساني وانتمائه العربي، عندما أصدر وثيقة تاريخية عن (الديوان الهاشمي) يوصي فيها الأميرين فيصل وعبد العزيز الجربا بالمحافظة على الطائفة الأرمنية، كما يحافظون على أنفسهم وأموالهم وأبنائهم، ويسهلون كل ما يحتاجون إليه، لأنهم أهل ذمة المسلمين. وقد جاء ذلك نتيجة لجريمة الإبادة التي ارتكبها (الاتحاديون) بحق الأرمن، فقتل من قتل منهم، ونُفي وتشرد من بقي حياً أو من نجا من المذبحة[19].

إن ما يشير إلى عدم الصدق لإسلام (الدونميين) و(الاتحاديين)، ومزاعمهم المتنوعة، هو أنهم لا يذكرون الإسلام في أدبياتهم إلا بالسوء. ولم يقف الأمر بهم عند هذا الحد، بل عمدوا إلى التطبيق العملي لما يضمرونه من عداء وحقد تجاه العرب والإسلام والمسلمين، حتى لم يسلم النبي محمد من حملاتهم التشهيرية والتشويهية، فضلاً عن الخلفاء الراشدين، والصحابة، ورجال الدين المسلمين، والجوامع. وقد كانوا يرددون أن “القومية العربية أساسها الإسلام، وأنها لا تُسحق ما دام الإسلام قوياً محترماً، فعملوا على محو الإسلام وتوسلوا لذلك بكل وسيلة سافلة”[20].

وقد وصل الأمر بهم إلى قصف الكعبة المشرًفة بقنابلهم من مدفعيتهم التي بحصن (جياد) عندما علموا بقيام البلاد مطالبة باستقلالها، ووقعت إحدى القنابل فوق الحجر الأسود بنحو ذراع ونصف، وقنبلة أخرى تبعد عنه بمقدار ثلاثة أذرع، فالتهبت بنارها أستار البيت العتيق حتى هرع الألوف من المسلمين لإطفاء لهيبه بالضجيج والنحيب، واضطروا إلى فتح باب البيت والصعود إلى سطحه للتمكن من إطفاء اللهيب، وما أن انتهى أمرهم بهذا حتى عززوا القنبلتين بثالثة وقعت في مقام إبراهيم، هذا عدا ما وقع من القذائف في بقية المسجد الذي اتخذوه هدفهم الوحيد في غالب مقذوفاتهم بالقنابل والرصاص… حتى تعذًّر على العباد التقرب من الكعبة المشرّفة”[21].

واحتجت دول الحلفاء في 24 أيار-مايس 1915 في مذكرة رفعتها للحكومة العثمانية ضد مجازر الإبادة الأرمنية، ذاكرة فيها أن جميع الأعضاء للحكومة التركية سيغدون مسؤولين عن هذه الجرائم، فضلاً عن الموظفين الذين ساهموا فيها، وهي جرائم وصفوها بأنها ضد الإنسانية، وهو تعبير أستخدم للمرة الأولى في حينها. وبعد هزيمة تركيا في الحرب، فر معظم الزعماء الذين خططوا للإبادة الأرمنية ونفذوها من البلاد خوفاً من ملاحقة دول الحلفاء لهم ومعاقبتهم للجرائم التي ارتكبوها. وتعهدت الحكومات لدول الحلفاء مراراً ورسمياً بإعادة الحقوق لـ (الشعب الأرمني الشهيد)، وبعدم ترك أرمينيا مرة أخرى تحت سيطرة الأتراك البغيضة، بيد أن هذه الدول لم تتدخل فعلياً لإيقاف هذه الجرائم. وبعد انتهاء الحرب، تعاملت هذه الدول مع مصطفى كمال الذي سار على نهج سابقيه في إبادة الأرمن، وتعاونت معه في التنكر لحقوق الأرمن في معاهدة لوزان عام 1923).

وبذلك، نجح الاتحاديون تماماً في إفناء الأرمن في أراضيهم التاريخية. والحقيقة أن التخلص من الأرمن وقضيتهم كان سيجنب الحكومة العثمانية التدخلات الأوروبية المستمرة وسيزيل العقبة العرقية الكأداء الرئيسية بين الأتراك العثمانيين والشعوب التركية في ما وراء القوقاز وبحر قزوين، وبمهد السبيل لملكية جديدة أمام (أبطال) الطورانية. وقد تطورت فكرة التخلص من الأرمن بشكل متواز مع تنامي الطورانية. وهكذا، ارتكب الاتحاديون أول إبادة للجنس في القرن العشرين Genocideباغتيالهم أمة الأرمن مع سبق الإصرار والترصد. وفي غرة كانون الثاني-يناير 1917، أنهت الحكومة العثمانية القضية الأرمنية رسمياً وأبطلت المادة 61 من معاهدة برلين عام 1878 مدعية أنها عقيمة لا جدوى منها، إذ لم يعد ثمة وجود للأرمن في الدولة العثمانية[22].

ويتحدى الكثير من الأتراك اليوم، ومن بينهم أكاديميون بارزون، “الرواية الرسمية” التركية حول أحداث عام 1915، إذ يتحدى هؤلاء “التفسير الرسمي” بــ (نقل) السكان الأرمن من المناطق الحربية المتاخمة لروسيا (في الأناضول الشرقية) بحجة إبعاد الأرمن من المناطق الحربية بزعم التمرد، يتحدونه بواقع تهجير الأرمن وعقابهم جماعياً في كل مناطق الأناضول الشرقية والغربية، ومنها البعيدة عن جبهة القتال بآلاف الكيلومترات، ويتساءل هؤلاء عن السبب في تهجير النساء والأطفال والشيوخ وقتلهم أو تركهم يقضون نحبهم من الجوع والعطش خلال المسير الطويل في الصحارى طالما لم يشارك هؤلاء في التمرد المزعوم !!

وقد تمت محاكمة الاتحاديين المسؤولين عن جرائم إبادة الأرمن من قبل المحكمة العسكرية التركية عام 1919، ونشرت اعترافاتهم بالكامل في الصحف التركية الصادرة آنذاك، وتم إصدار أحكام الإعدام بحق بعضهم ونفذت، فضلاً عن إصدار أحكام الإعدام بحق بعض الهاربين من المجرمين من قادة حزب الاتحاد والترقي بعد خسارة الدولة العثمانية للحرب العالمية الأولى. كما جرت المناقشات العلنية في البرلمان العثماني بعد الحرب، واعترف النواب الأتراك بالجريمة المرتكبة بحق الأرمن. ونشرت هذه المناقشات والمحاكمات في الصحف التركية الرسمية آنذاك[23]. كما اعترف مصطفى كمال أتاتورك بواقع قتل المسيحيين في لقاء أجراه معه صحفي أميركي عام 1926.

*قسم من ورقة عمل قدمها الباحث آرا سركيس آشجيان بعنوان “أحوال الأرمن في أرمينيا الغربية في القرن التاسع عشر وأبعاد سياسة الإبادة للدولة العثمانية إزاءهم حتى عام 1923″في المؤتمر الدولي الخاص بالإبادة الجماعية الأرمنية تحت شعار “الإعتراف بالإبادة الجماعية الأرمنية خطوة نحو السلام العالمي” الذي عقد في 23 أيار، 2015 في بغداد.

خاص لملحق أزتاك العربي للشؤون الأرمنية

[1] أبيد نحو ثلثي الشعب الأرمني البالغ تعداده قبل الحرب العالمية الأولى نحو مليونين و 100 ألف نسمة حسب إحصائيات البطريركية الأرمنية في اسطنبول.gt kألف نسمةأ

[2] غازاريان هـ.، المصدر السابق، ص ص 16-17.

[3] غازاريان هـ.، المصدر السابق، ص 319.

[4] راجع: صباح اللامي والمهندس آرا سركيس،عرش جماجم- تركيا الأمس.. تركيا اليوم.. كيف تكونت ومن يرعى دمويتها ؟!، صحيفة القادسية، العدد 3704، 14 أيلول-سبتمبر 1991، بغداد.

[5]د. أحمد نوري النعيمي، الحياة السياسية في الدولة العثمانية، بغداد، 1990، ص 63.

[6] د. نعيم اليافي و د. خليل الموسى، نضال العرب والأرمن ضد الاستعمار العثماني، دار الحوار للنشر والتوزيع في اللاذقية ونادي الشبيبة السورية-اللجنة الثقافية في حلب، سورية، الطبعة الأولى، 1995، ص 23.

[7]راجع: صباح اللامي والمهندس آرا سركيس،عرش جماجم- طاحونة حمراء أدار رحى جهنمها حليفان لآل بن غوريون وعضوان في محفل (سالونيكا) الماسوني، صحيفة القادسية، العدد 3711، 21 أيلول-سبتمبر 1991، بغداد.

[8] راجع: المصدر السابق.

[9] آرا سركيس آشجيان، الدولة العثمانية (الإسلامية) ومحافلها الماسونية والإبادة الأرمنية

http://www.aztagarabic.com/archives/4720

[10] تقسم الفترة الزمنية التي ارتكبت فيها الإبادة الأرمنية إلى ثلاث مراحل: المرحلة الأولى بين عامي 1878 و 1914، والمرحلة الثانية بين عامي 1915 و 1916، والمرحلة الثالثة بين عامي 1917 و 1922. راجع: سامفيل انترانيك بوغوصيان، المصر السابق، ص 38.

[11] د. نعيم اليافي و د. خليل الموسى، المصدر السابق، ص 47.

[12] عمر الديراوي، الحرب العالمية الأولى، بيروت، 1981، ص 259.

[13] د. نعيم اليافي و د. خليل الموسى، المصدر السابق، ص 47.

[14] لا بد من الإشارة هنا إلى الدور الذي لعبه المفكر والأديب والصحفي الأرمني رزق الله حسون، الذي تعاطف مع الحركة العربية، وأنشأ أول جريدة عربية تصدر في اسطنبول باسم “مرآة الأحوال” عام 1854 والتي كانت تندد بطغيان الحكم العثماني وتنتقد بشدة مواقف أنصار هذا الحكم من العرب، مما أدى إلى فرار رزق الله حسون إلى روسيا بسبب إصدار الباب العالي حكماً بإعدامه. انظر: د. صالح زهر الدين، سياسة الحكومة العثمانية في أرمينيا الغربية وموقف القوى الدولية منها، دار الندوة، بيروت، 1996، حاشية ص 123.

[15]م. ف. آرزومانيان، المصدر السابق، ص 442.

[16] جريدة الطان Le Temps الفرنسية، 28 حزيران-يونيو 1916.

[17] راجع: جريدة القبلة، العدد 58، 6 آذار-مارس 1917.

[18] راجع: صالح زهر الدين (دكتور)، المصدر السابق، ص 183. ونجد في هذا المصدر لائحة بأسماء المفكرين اليهود الصهاينة والطورانيين (ص 180). ولعل أبرز هؤلاء هو موئيز كوهين.

[19] المصدر السابق، ص ص 183-184.

[20] مقتيس من: صالح زهر الدين (دكتور)، المصدر السابق، ص 184 عن: أسعد مفلح داغر، ثورة العرب، ص 138.

[21] مقتيس من: صالح زهر الدين (دكتور)، المصدر السابق، ص ص 186-187 عن: المنشور الأول للشريف حسين بن علي، 26 حزيران-يونيو 1916.

[22]محمد رفعت الإمام، دكتور، القضية الأرمنية في الدولة العثمانية، 1878-1923، طبع بدار نوبار للطباعة، القاهرة، 2002، ص ص 67-68.

راجع في هذا الصدد: آرا آشجيان، اعترافات السلطات والصحف التركية في السنوات من (1918-1921)[23]
بالإبادة الأرمنية والمحاكمات العسكرية التركية

https://sites.google.com/site/araashjian/articles-in-arabic/——-1918-1921—–

Leave a Reply

Your email address will not be published.