مسلمون أرمن مشهورون(1) بقلم د. الكسندر كيشيشيان

الشيخ عبد الله بن يونس الأرمني

ذكر المؤرخ العربي ابن كُثير في مؤلفه “البداية والنهاية” أن الشيخ عبد الله الأرمني أسلم على يد الشيخ عبد الله يونيني وأمضى جميع سنوات حياته ناسكاً في الجبال والوديان والصحارى وحفظ القرآن الكريم عن ظهر قلب. أمضى الشيخ عبد الله سنواتِه الأخيرة في دمشق ودُفن على جبل قاسيون عام 631 هـ=1223م. ويُقال أن والدته كانت قابلة زوجة الخليفة.

علي بن يحي الأرمني

كان أحد الضباط القادة الرئيسيين في جيش الخلافة العربية أثناء الحروب العربية-البيزنطية الطاحنة التي استمرت 300 سنة. كان من القادة العرب الذين أُسندت إليهم مهمة الذود عن أخطر الدفاعات وتحديداً عن الحدود العربية-البيزنطية أو ما يدعى بـ “الثغور الشامية”. لم يكن علي بن يحي الأرمني عسكرياً ذائع الصيت فحسب، بل كان شخصية محنكة وذات تجربة كبيرة في الحياة السياسية أيضاً. لذلك، عُين حاكماً على مصر مرتين. كتب المؤرخ تغري بردي التالي حوله: “كان أميراً مقداماً وباسلاً ومحنكاً وضليعاً في العمليات الحربية وزعيماً سياسياً محبوباً وهو من أصل أرمني”. كانت فترة حكمه في مصر سنة 226 هـ. وبناء على توكيد المؤرخ ذاته: “وصل علي إلى مدينة الفسطاط وظل في الثُكنة حسب تقاليد الأمراء وبادر إلى إصلاح أمور البلاد وضبط العصاة والخارجين على القانون”.

عندما رأى الخليفة الواثق بالله حنكتَه وملكاتِه العسكرية الرفيعة، دعاه إلى بغداد في عام 234 هـ =848م وأسند إليه مهمة إيقاف اجتياح الجيوش البيزنطية على الحدود الشمالية من الخلافة فقام علي بالواجب أحسن قيام. عُين علي ثانية حاكماً على مصر ولكن لمدة قصيرة في هذه المرة لا تتعدى سنة وثلاثة أشهر لأن الخليفة في بغداد قام بتعيينه حاكماً عاماً على مقاطعة آذربيجان وولاية أرمينيا سنة 248 هـ=862-863م إلا أنه استشهد كبطل في إحدى المعارك التي خاضها ضد الجيش البيزنطي. وكانت “ولاية أرمينيا العربية” مشكلة من أرمينيا التاريخية الواسعة وآذربيجان الإيرانية وآران وجيورجيا الشرقية ومنطقة ما بين النهرين الشمالية. ذكر الطبري أن علياً عُيّن حاكماً في هذه المقاطعات الهامة جداً للخلافة في شهر رمضان كنائب للخليفة. كما اقترح هذا القائد على الخليفة منح أمير أرمينيا آشود بقرادوني لقب “أمير أمراء أرمينيا”. ذكر المؤرخان الطبري واليعقوبي أن يحيى انهى حياته شهيداً لنصرة الخلافة العربية في معاركه التي خاضها ضد بيزنطة.

أتابك وسلطان الموصل بدر الدين بن عبد الله لولو الأرمني

نقرأ في تاريخ مدينة الموصل في القرن 13م حول شخصية مغامرة استثنائية تمتاز بالصعود السريع على سلم الحياة من عبد مأسور إلى عامل بلاط ومستشار وولي أمر وملك بصلاحيات مطلقة وحكم مدة طويلة 45 سنة دون انقطاع بعد وفاة السلطان نور الدين زنكي. اشتراه السلطان السلجوقي نور الدين أرسلانشاه بن عز الدين مسعودي 1192-1210م من خياط موصلي وبفضل ذكائه الخارق صعد على أعلى المناصب السياسية في الدولة. وبناء على مؤلَّف المؤرخ العربي خير الدين الزركلي “قاموس الأعلام” عاش لولو بين عامي 1174-1259م ويُعتقد أنه من أخلاط في باسفرجان في أرمينيا التاريخية. وبدوره، أكد مؤرخ عربي آخر هو شمس الدين الذهبي في كتابه “دول الإسلام” عن وفاة لولو في عام 657 هـ=1258م عن 80 عاماً وبوفاته زالت مملكة الموصل ويصفه بهذه التعبيرات: “السلطان والملك والمقدام والديبلوماسي والعالم كان مستبداً بعض الشيء ولم يكن تقياً جداً”. ويتحدث تغري بردي عن لولو على الشكل التالي: “كان بدر الدين بن عبد الله لولو رقيق القلب وأقوى الملوك طوال تاريخ مملكة الموصل وكان صاحب همة ونشاط كبيرين وعلى دراية بتفصيلات الأحداث والوقائع وكان يستقبل الوفود الأجنبية والسياسيين بديبلوماسية عالية ويهتم بظروف الشعب الحياتية ولا يغض الطرف عن أبسط التفصيلات وكان يخصص مبالغ ضخمة لتعيين القضاة العادلين وشبكة واسعة من المخبرين لحسن إدارة الدولة”. قام لولو بتوسيع حدود مملكته بعد احتلال مناطق ما بين النهرين مهدداً حتى مدينة حلب. تحدث المؤرخ العربي الإمام المحافظ عماد الدين أبي الفداء إسماعيل عمر بن كثير القرشي الدمشقي المتوفي عام 774 هـ =1372م عن لولو أيضاً قائلاً: “عندما احتل خان المغول هولاغو عاصمة العباسيين بغداد، اتجه إليه بدر الدين بن عبد الله لولو الأرمني مصطحباً معه هدايا ثمينة جداً بغرض استمالته. استقبل الخان الأتابك العجوز باحترام جم وديبلوماسية كبيرة. وبعد هذه الحادثة بسنة، وريت جثة بدر الدين في مدفنه في مسجد البدرية المسمى باسمه والحزن يلف قلوب أفراد الشعب البسطاء لأنه كان شخصاً محبوباً وكريماً وعادلاً جداً”.
كان السلطان بدر الدين يشجع المفكرين والشعراء والكتّاب ويمنحهم هدايا مالية سخية جداً تصل إلى 1,000 دينار ذهبي في بعض الأحيان. وكان لولو يهدي محج علي بن أبي طالب فانوساً من الذهب الخالص في كل سنة. ويؤكد العالم الأثري العراقي سعيد ديونجي في دراسة له في كتاب “سومر” السنوي لعام 1968 أن معظم الآثار الإسلامية الجميلة الباهرة في الموصل اليوم كالمساجد والمدافن والمدارس وسواها تعود إلى عهد لولو.

خلّده ابن الأثير، وكان مؤرخ البلاط، في موسوعته “الكامل في التاريخ” المشكلة من تسعة 9 مجلدات كبيرة. يذكر المؤلف في مقدمته أن هذه مجلدات “أمر بتحضيرها العالم والرحيم وصاحب الانتصارات والمدافع عن العدل بدر الدين بن عبد الله لولو الأرمني ليحفظ الله مُلكَه طويلاً”.

من الشيق أن نعلم أيضاً أن لولو ضرب نقوده الذهبية من الدنانير في الموصل وما بين النهرين حيث نجد اسمه والكتابة العربية التالية عليها:

الوجه الأول                     الوجه الثاني

لولو                               الإمام

محمد رسول الله                لا إله إلا الله

صلى الله عليه                   وحده لا شريك له
بدر الدنيا                      المعتصم بالله
والدين أتابك                   أمير المؤمنين
محمد رسول الله أرسله       بسم الله ضرب هذا

بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله الدينار بالموصل سنة خمس وأربعين وستماية ولو كره المشركون

لله الأمر من قبل ومن بعد   ويومئذ يفرح المسلمون بنصر الله

ضُرب الدينار في الموصل في عام 645 هـ=1247م في خلافة المعتصم ويزن 6,30 غراماً ويصل قطره إلى 28 مم. وبعد وفاة بدر الدين بن عبد الله لولو خلفه في الحكم ابنه البِكر الملك الصالح إسماعيل في الموصل وابنه الآخر المجاهد إسماعيل في منطقة ما بين النهرين وابنه الصغير المظفر علي في سنجار.

Leave a Reply

Your email address will not be published.