بمناسبة الذكرى الـ24 لاستقلال جمهورية أرتساخ عام 1992: الأشهر الأولى من الاستقلال

كارينداك: الوضع في كاراباخ الجبلية

في كارينداك تقريباً كل قصة تبدأ وبالحرب تنتهي بها، حتى بعد مرور سنوات على انتهاء الحرب، وقفت سيريوجا أغابيان أمام اللوحات شارحة: “هذا ابني، عمره 18 عاماً، لقد قتل أرتور في مارداكيرد، هذا كارنيك ابن أخي، قتل بعمر العشرين، أما هؤلاء فهم أولاد ابن عمي، أترى واحدهما مع زوجته، هؤلاء أيضاً قتلوا”[1].

فقدت السيدة تاتيانا أروشانيان الروسية الأصل زوجها وابنها في الحرب، سيتا ماركاريان وأروسياك أغابيان فقدتا ولديهما، أما سيتا أراكيليان فقد فقدت ابنها وابنتها نارينيه ذات 14 ربيعاً، سيران هوفانيسيان فقدت ولديها وحفيديها، ولدها الثالث كريشا هوفانيسيان وهو مختار قرية كارينداك، تذكر قائلاً: “في هذه الحرب قدمت كارينداك 33 شهيداً، كذلك قتل شقيقاي، في 28 كانون الأول عام 1991 دفنا أليوشا في الليل، لأنه من الصعب السير في القرية في النهار، لأنهم كانوا يطلقون النار من شوشي، أما أخي الثاني ميشا فقتل بعد شهر في 26 كانون الثاني”[2].

كان الأذريون يسمون كارينداك بداشالت ولاحقاً كانلي تارا، وجرت ثلاث محاولات احتلال للقرية، التي يبلغ عدد سكانها 700 نسمة، وفي 26 كانون الثاني عام 1992 في أثناء المحاولة الأخيرة انهزمت الكتائب الأذرية في وادي شوشي قرب كارينداك، كتب أركاتي دير تاتيفوسيان، الذي كان في كاراباخ الجبلية منذ تموز عام 1991: “شارك في الهجوم 180 جندياً، وقاد العملية وزير الدفاع الأذري في شوشي تاج الدين مهدييف، الذي درست معه في المعهد العسكري في باكو، انهزم العدو في ساحة المعركة مخلفاً 92 قتيلاً”[3].

بعد هذه الهزيمة اضطر مهدييف ترك شوشي، التي شكلت أهم قاعدة للقوات الأذرية في كاراباخ الجبلية حتى 8 أيار عام 1992، وأيضاً منصب الوزير.

يروي هوفانيسيان المصاب أيام الدفاع عن القرية: “كنا نملك 40 رشاشاً، وبضعة عشرات من بندقيات الصيد، ومن الصناعة المحلية ضد كتيبتين، استغرقت المعركة أكثر من نصف يوم، في 26 كانون الثاني قدمت كارينداك في القتال 22 شهيداً، منهم 12 من المحليين و10 من القرى المجاورة، لأن الأذريين كانوا يطلقون النار من شوشي نحو القرية لم نتمكن من دفن الشهداء في القرية، دفناهم في استيباناكيرد، أما في عام 1993 فأعدنا دفن 12 جثة في كارينداك.

يعدّ 26 كانون الثاني يوماً حزيناً لعشرات الأمهات الأذريات، ففي ذلك اليوم من كل عام يتجمعن ويتذكرن وفاة أبنائهن، بالنسبة لبعضهن إنها أول زيارة إلى كاراباخ الجبلية، قتل كارنيك ابن زويا دزادريان 25 عاماً من كارينداك عند عودته من المعارك، تأسف السيدة زويا على عشرات الشباب الأذريين، الذين أرسلوا لاحتلال كارينداك، لكنهم قتلوا في القرية وفي الحقول المجاورة، تقول مفجعة: “كانوا شباناً صغاراً”[4].

لم تكن حرب كاراباخقد بدأت بعد، وقد اختارت كل من أرمينيا، التي استقلت نتيجة لانهيار الاتحاد السوفيتي، وكذلك أذربيجان وكاراباخ الجبلية غير المعترف بها حتى الآن، طريق الحرب، لأنهم كانوا مقتنعين بأنه لا سبيل آخر. ربما لم يكن هناك، وعلى الأرجح، لم يكن هناك. كان كل طرف يبحث عن عدالته، ومستعداً لأن يدفع آلاف القتلى وعشرات الآلاف من الجرحى، ومئات الآلاف من اللاجئين، ليحصل عليها.

الأرمن والأذريون لديهم تجربة تاريخية في حل نزاعهم بالسلاح، حيث جرى في بداية القرن العشرين 1905-1906 ولاحقاًً بين 1918-1920 صدام ومجازر بين الأرمن والتتر، حيث يصف سيمون فراتسيان آخر رئيس وزراء في الجمهورية الأرمنية الأولى إحدى تلك المجازر: “أمام أعين الممثلية البريطانية والقيادة الأذرية قام رعاع مسلحون من الترك والأكراد بالمذابح في القرية الأرمنية الكبيرة غايباليكيند، التي تبعد فيرستين (الفيرست يساوي 1067 متراً) عن شوشي، جرت عمليات اضطهاد غير مسبوقة ضد النسوة والأطفال العزل، وقتل بضع مئات من السكان ونهبت القرية وتهدمت، رفع السكان الأرمن في قرية كركجان القريبة الراية البيضاء، وتوجهوا إلى قائد فرقة خانكيند لطلب الحماية، وأرسلت كتيبة من خانكيند برئاسة ضابط، اقترح على القرويين الأرمن إيداع ممتلكاتهم لدى الأتراك الجيران، والانتقال إلى خانكيند، جرى ذلك، لكن سلبت كركجان، ونهبت في كل الأحوال”[5].

بعد سنوات مضت على الأحداث التي ذكرها فراتسيان، وفي 19-20 كانون الثاني عام 1992 استولت القوات الكاراباخية مرة ثانية على كركجان، التي استوطنها أذريون، ولكن استمر الوضع في استيباناكيرد قاسياً، كانت المدينة محرومة من الاتصال البري بأرمينيا، وكانت محاصرة من أربع جهات بمستوطنات أذرية، وتحول مبنى المجلس الأعلى إلى مشفى توليد، أما المشفى العسكري فتحول إلى مبنى حكومي.

وصف زوري بالايان الوضع قائلاً: “منذ كانون الأول عام 1991 دخلت استيباناكيرد أيضاً إلى القبو، حيث بدأ القصف المتكرر بالغراد لتدمير شاهوميان بدءاً من 13 كانون الثاني عام 1992، أما في العاشر منه فقد بدأ تدمير استيباناكيرد، كانت الطائرات المروحية التي تجلب الطحين والوقود تخرج النساء والشيوخ والأطفال والمرضى بعد كل رحلة، كان يصعب أن تلتقي بأناس مكتوفي الأيدي في استيباناكيرد، كانت المدينة تعيش في القبو، وتولد في القبو، وتموت في القبو، وينقذون الجرحى من الموت في القبو”[6].

كانت كاراباخ الجبلية المحاصرة تواجه هجوم الخصم أولاً، وثانياً الجوع وعدم الاستقرار، وبات الطريق الجوي الوسيلة الوحيدة، التي توفر الاتصال باستيباناكيرد، في تلك الأيام أمور كثيرة كانت تنقص في أرتساخ، ومنها التوافق الداخلي، وفي الوقت نفسه بدأ صراع السلطة في بلد تورط في حرب دامية، يناضل سكانها الشجعان البالغ عددهم 100 ألف، ويرفضعون أن يركعوا أمام أذربيجان التي يبلغ عدد سكانها سبعة ملايين نسمة.

كان الصحفي كيغام باغداساريان بين عامي 1992 و1993 رئيس قسم الإعلام في المجلس الوطني في جمهورية كاراباخ الجبلية، رئيس المجلس الوطني ورئيس البلاد غير المعترف بها كان الطاشناكي أرتور مكردجيان، لقد شغل المنصب في أحوال صعبة، لا أعني فقط الحرب، بل أيضاً الانقسام الداخلي، إضافة إلى تعامل قيادة أرمينيا، لم تقبل به قيادة أرمينيا حينها، ولم تكن تتعاون مع سلطات رسمية ومنتخبة، بل استندت إلى قوى واقعية، تمنحها قوة توازن لسلطة قانونية، كان هناك دوافع كثيرة للتأثير داخلياً في أرتساخ المحاربة، لكن الأكثر تأثيراً وتحديداً هو البنزين، فالبنزين الذي يأتي من أرمينيا لا تحصل عليه السلطة المنتخبة، بل المقربون من القيادة العليا في أرمينيا”، يتذكر باغداساريان[7].

يروي رئيس وزراء كاراباخ الجبلية آنذاك أوليك يسايان: “انتخب المجلس الأعلى والحكومة في أحوال صعبة، كان هناك صراع جدي بين حزب الطاشناك والحركة الوطنية الأرمنية في أرمينيا، فلم يكن حزب الحركة الوطنية الأرمنية في كاراباخ الجبلية موجود كتنظيم، مع قبول الكثيرين نفوذ دير بيدروسيان، أي ظاهرة في أرمينيا كانت تؤثر في كاراباخ الجبلية، انتخب أرتور مكردجيان رئيساً للمجلس الأعلى، وانتخابي رئيساً للوزراء كان مرتبطاً بالتسوية، فالشخص المؤهل ليصبح رئيس وزراء هو من لديه الخبرة الكافية، وكنت نائباً أولاً لرئيس مجلس الإقليم، وترأست القسم الاقتصادي، ومن الناحية الموضوعية لم يكن حزب الطاشناك ضدي على نحو واضح، وأيدني الجناح الآخر”[8]. الجناح الآخر هو دعم يريفان ومن يحصل على البنزين، كان دير بيدروسيان يصف فريق مؤيديه الناشطين في أرتساخ أمثال روبيرت كوتشاريان، وسيرج سركيسيان، وموراد بيدروسيان، وغيرهم من الهيئات التنظيمية بأنهم “شبكة محلية للحركة الوطنية الأرمنية”[9].

في 28 كانون الأول عام 1991 جرت انتخابات برلمانية في كاراباخ الجبلية، وتشكل المجلس الأعلى من 75 شخصاً بنظام الأكثرية، كما حدث في الاستفتاء في 10 كانون الأول لم يشارك الأذريون في تلك الانتخابات، على خلاف أرمينيا، حيث فازت الحركة الوطنية الأرمنية في الانتخابات البرلمانية، وفاز دير بيدروسيان في الصراع الرئاسي في تشرين الأول عام 1991، أما في كاراباخ فكان توازن القوى مختلفاً، حيث فاز حزب الطاشناك في الانتخابات.

يرى الطاشناكي السابق مانويل سركيسيان انتصار الحزب كالآتي: “في فترة اللجنة التنظيمية انضم نشطاء الحركة إلى الطاشناك، أنا وأركاتي كارابيديان كنا أول الطاشناك في كاراباخ، وانضم إلينا إيميل أبراهاميان وآخرون، كما تحول 120 شخصاً من شباب الحركة إلى الطاشناك، أي إن حزب الطاشناك احتوى نشطاء الحركة، وفي نهاية عام 1991 جاءت تلك اللجنة إلى الحكم في كاراباخ الجبلية، ونظمت مقاومة مسلحة”[10].

في تموز عام 1991 أرسل فاسكين سركيسيان، الذي يترأس لجنة شؤون الدفاع في برلمان أرمينيا، أركاتي دير تاتيفوسيان إلى كاراباخ الجبلية، تسلم الضابط في الجيش السوفيتي أمراً بالخضوع لرئيس لجنة الدفاع الجديدة سيرج سركيسيان، ووضع أمام دير تاتيفوسيان مسألتين، الأولى استلام قيادة جميع كتائب المتطوعين المدعومين من الحركة الوطنية الأرمنية ولجنة الدفاع في كاراباخ الجبلية، والثانية محاولة جمع وحدات الدفاع عن النفس الناشطة في أرتساخ، التي شكلتها الأحزاب والمنظمات السياسية المختلفة بقيادة موحدة، وتنسيق عملياتها العسكرية.

“في صيف عام 1991 لم يكن هناك بعد نظام دفاعي بقيادة موحدة في أرتساخ، وذلك نتيجة مشكلات سياسية أكثر من أن تكون تنظيمية، القوى السياسية الرائدة كانت الطاشناك، التي دخلت بصراع ضد “الحركة الوطنية الأرمنية” ومواليها في أرتساخ، كانت الكتائب، التي تتحكم بها القوتان السياسيتان المتنافستان، تحصل على الأسلحة والعتاد من أرمينيا عبر قنوات مختلفة، ولا يثقان ببعضهما، ولا ينسقان في العمليات القتالية”، كتب دير تاتيفوسيان[11].

وبحسب تاتيفوسيان فإن 80 % من كتائب المتطوعين الناشطة على أراضي كاراباخ الجبلية في صيف عام 1991 ألحقت بمحليين، وأتى فقط 21 % منهم من أرمينيا، وكانت الكتائب تحت سيطرة حزب الطاشناك تشكل الأكثرية، وتحصل على الأسلحة والعتاد من القنوات الحزبية، وعدّت كتيبة أشود غوليان الأكبر والأكثر تنظيماً في كتائب الطاشناك، كان هناك أيضاً كتائب تحصل على دعم منظمات أخرى، منها في رأي دير تاتيفوسيان “جيش التحرير الأرمني” التابع لليونيد أزكالتيان اللافتة بقدرتها القتالية، وبدأ في الخريف التقارب بين الكتائب العاملة تحت سيطرة قوى سياسية مختلفة.

“لفت دير تاتيفوسيان، الذي كان في مارداكيرد أنظار أشود غوليان وفلاديمير بالايان، فنقلوه إلى هادروت، حيث نظم الاستيلاء على قرية دوغ في 30-31 تشرين الأول عام 1991، وبعد ذلك بدأ الطاشناك بالعمل مع تاتيفوسيان أكثر، حينها اقتنع دير بيدروسيان أول مرة بما يحدث في كاراباخ الجبلية، وأعرب عن دعمه”، قال مانويل سركيسيان.

تنازل الطاشناكي أركاتي كارابيديان القائد الأول لقوات الدفاع عن النفس عن منصبه لدير تاتيفوسيان، إضافة إلى قرية دوغ، التي تحوي أعداداً متساوية من الأرمن والأذريين، جرت معارك في تشرين الأول عام 1991 في أماكن أخرى من كاراباخ الجبلية.

وفي النصف الأول من تشرين الثاني أطبقت القوات الكاراباخية على مراكز الخصم لإطلاق النار في مناطق هادروت وماردوني، ثم استعادت في أيار القرى الأرمنية في هادروت المحتلة نتيجة عملية “الحلقة”.

في منتصف كانون الأول استولت قوات الدفاع عن النفس بقيادة فلاديمير بالايان وأشود غوليان على دجاميلو إحدى المناطق السكنية الأذرية المحيطة باستيباناكيرد، والتي جرى تحويلها إلى مركز لإطلاق النار، في 23 كانون الأول استولت كتائب جيراير سيفيليان وفلاديمير بالايان وكتائب الدفاع عن النفس في القرى المجاورة على إحدى قرى أسكيران الأذرية وهي ليسنو بعد ست ساعات من القتال، ودمروا مركز الأسلحة، لحقت بالقوات الأذرية خسائر كبيرة، وخلفت عشرات القتلى.

 

من الفصل الرابع عشرمن كتاب “يوميات كاراباخ، أخضر وأسود، لا حرب، لا سلم”، للصحفي طاطول هاكوبيان، ترجمة الدكتورة نورا أريسان، لبنان، 2012.

[1]حوار مع أغابيان، 30 كانون الثاني، 2005.

[2] حوار مع هوفانيسيان، 30 كانون الثاني، 2005.

[3]АркадийТер-Тадевосян, АнализбоевыхдействийвАрцахе (июль 1991- июль 1992), – “قضايا استراتيجية وأمنية”، تحقيق وتحرير أرمين أيفازيان، يريفان، 2007، ص 567.

[4]حوار مع دزادريان، 30 كانون الثاني، 2005.

[5]سيمون فراتسيان، “جمهورية أرمينيا”، ص 334، “أرمينيا”، يريفان، 1993.

[6]زوري بالايان، “الجحيم والجنة”، “أزك”، يريفان، 1995، ص 29.

[7]كيغام باغداساريان، “عزيزي أرتور…”، المجلة الشهرية “أناليتيكون”، شباط، 2009، العدد 2.

[8]حوار مع يسايان، 27 آذار، 2006.

[9]ليفون دير بيدروسيان، “النخبة”، يريفان، 2006، ص 98، انظر أيضاً “هايك”، 1 تموز، 1990.

[10]حوار مع سركيسيان، 17 تشرين الأول، 2006.

[11]АркадийТер-Тадевосян «АнализбоевыхдействийвАрцахе

(июль 1991- июль 1992), стр. 552.

  1. […] في كارينداك تقريباً كل قصة تبدأ وبالحرب تنتهي بها، حتى بعد مرور سنوات على انتهاء الحرب، وقفت سيريوجا أغابيان أمام اللوحات شارحة: “هذا ابني، عمره 18 عاماً، لقد قتل أرتور في مارداكيرد، هذا كارنيك ابن أخي، قتل بعمر العشرين، أما هؤلاء فهم أولاد ابن عمي، أترى واحدهما مع زوجته، هؤلاء أيضاً قتلوا”[1]. […]

Leave a Reply

Your email address will not be published.