مسلمون أرمن مشهورون “بدر الجمالي” (2) بقلم د. الكسندر كيشيشيان

كان بدر الجمالي من الأرمن الذين استقروا في مصر وخدموا الخلافة الفاطمية ووضعوا سيوفهم تحت خدمة خلفائها. وكانت السلطة الفاطمية في ذلك الوقت تمتد من مصر إلى فلسطين والبلدان العربية المشرقية والمغرب العربي ولا تتبع إلى الخلافة العباسية في بغداد إلا ظاهرياً.

يؤكد المؤرخ العربي أبو علي حمزة بن القلانسي أن بدراً الجمالي “الأمير وتاج الأمراء المظفرين وقائد الجيوش وكرامة الإمارة والمخلص للدولة” وصل إلى دمشق عام 455 هـ=1063م بأمر الخليفة المستنصر بالله وعُين حاكماً لها. أذكر هنا أن في دمشق حتى يومنا شارع عريض باسم بدر الجمالي يقع على الجهة الغربية من فندق أمية. يشهد مؤرخ عربي مرموق آخر هو سبط بن الجوزي أن عهد بدر الجمالي كان مضطرباً ومتوتراً جداً بسبب الحركات الداخلية والصراعات بين الأمراء وانقسام الدمشقيين إلى معسكرين: أحدهما إلى جانبه والثاني مع الموالين للشريف الطاهر بن أبي الجوني. أمر بدر الجمالي بالقبض على غريمه وقام بإغراقه في مياه نهر بردى مما سبب استياءً عظيماً لدى السكان. فقام الخليفة الفاطمي المستنصر بالله بدعوته إلى مصر بسبب وهن الدولة وسلطته والحركات المعادية له وكثرة الغزوات اللصوصية وغياب الأمن لإعادة الهدوء والسلام إلى ربوع أرض الكنانة. وصل بدر الجمالي إلى مصر في مثل هذه الأوضاع الخطيرة غير المستقرة ومنحه الخليفة سلطات لا حدود لها فأخمد جميع المظاهر غير القانونية بيد من حديد ووسائل دموية جداً ولم ينجُ حتى ولده الأوحد من العقاب لأنه كان قد أبرز راية العصيان ضد الدولة. وبعد فرض الأمان والأمن في ربوع البلاد، ركّز كامل جهودِه على إعادة بناء الاقتصاد الوطني فخفف الضرائب والخراج على الفلاحين وأعاد تشييد القرى المهدمة وشيد السدود والأقنية والجسور وأفسح مجالاً لرؤوس الأموال الخارجية والداخلية كي تعمل بحرية وبدون إعاقة. كان وصول بدر الجمالي طالعاً سعيداً حقيقياً لمصر وفرصة سانحة لإجراء إصلاحات جذرية فمنحه الخليفة الفاطمي لقب “أمير الجيوش” وعينه قائداً عاماً للجيوش الفاطمية. باشر بدر الجمالي نشاطه في مصر بقتل جميع الضباط الأتراك العصاة أثناء مأدبة أقامها وكانت غالبية عناصر جيشه من المحاربين الأرمن الأشداء الذين وصل عددهم إلى 30,000 جندي وضابط جيدي التدريب ومسلحين بأحدث الأسلحة حسب معايير ذلك العصر ويقطنون في ضاحية الحسينية في مدينة القاهرة. تصاعدت قوة بدر الجمالي ومكانته إلى درجة إسناد الخليفة إليه امتياز تعيين حتى ممثلي السلطات الدينية والقضائية وحكام المحافظات. توفي بدر الجمالي عام 487 هـ= 1094م في مصر في السنة ذاتها لوفاة الخليفة الفاطمي.

من الأوابد الأثرية التي ظلت حية حتى تاريخنا وتعود بقدمها إلى عصر بدر الجمالي البوابات الثلاث الكبيرة لسور مدينة القاهرة القديمة وتحديداُ “باب زويلة” و”باب النصر” و”باب الفتوح” التي بناها مهندسون حربيون أرمن وصلوا خصيصاً من أرمينيا إلى القاهرة وتُعتبر نماذج رائعة لفن العمارة الفاطمية الكلاسيكية. وهناك أيضاً “مسجد البدرية” المكرّس لأمير الجيوش في حي المقطّم في القاهرة. دام حكم بدر الجمالي 21 سنة وبضعة أشهر بين الأعوام 466-487 هـ.

 

Leave a Reply

Your email address will not be published.