كيف كان الوضع في أرمينيا عند استقلال كاراباخ؟

عدا أراضي كاراباخ الجبلية والمناطق المجاورة استمرت العمليات الحربية على طول الحدود الأرمنية الأذرية، ولكن الصراع الأساسي كان في كاراباخ الجبلية ومن أجلها، فقد انخرط الجاران المستقلان حديثاً في بحر الدماء، والدليل المأساوي على ذلك هو السواتر الترابية التي ازدادت يوماً بعد يوم في يريفان واستيباناكيرد وباكو وغيرها من المناطق السكنية، حيث ترقد تحتها الأجساد المصابة للشباب الوطنيين.

يصف زوري بالايان دور أرمينيا في حرب كاراباخ بالتالي: “إن رأيي الخاص بدير بيدروسيان لا يغير من تقويمي غير المتحيز لدور أرمينيا في مسألة دعم أرتساخ بأي حال من الأحوال، أنا أدرك تماماً أن جدلنا سيكون من دون جدوى في حال عدم إرسال صواريخ غراد من أرمينيا، وكذلك الوقود والخبز والعتاد والأدوية كلها بمنزلة الغراد، وكل ذلك يدبّر من أرمينيا التي تشعر بالجوع والبرد، وتفي بدينها الأمومي والتاريخي”[1].

كان الأرمن في المهجر يفون بدينهم للوطن على نحو مشرف، فجمع 3.5 ملايين دولار خلال ماراثون لجمع التبرعات جرى تنظيمه في آذار عام 1992 في لوس أنجلوس من أجل أرتساخ، وكانت الملايين الثلاثة من كيرك كريكوريان، حتى عام 1992 وبعده، وخلال التبرعات ووسائل أخرى ساهم الأرمن في المهجر بأحزابهم وكنائسهم والجمعيات الخيرية وأفرادهم أمثال كيرك كريكوريان في عملية نهضة أرمينيا وأرتساخ.

بعد الحرب، وفي وقت كانت الإنارة متوافرة في أرمينيا وأرتساخ كان فاسكين سركيسيان يشجع على إشعال شمعة بدلاً من الشكوى، وقال في حوار مع تلفزيون للأرمن في أمريكا عام 1997: “ينبغي أن نطلق الأحكام على بلد محارب من نتيجة الحرب، فبعد عشر سنوات لن يتذكروا إن كان هناك غاز في أرمينيا، وكم شجرة قطعت بين أعوام 1991 و1993، في النهاية كل ذلك يمكن استعادته، سيتذكروننا، ويسألون: هل جرى الحفاظ على بلدنا أم لا؟، هل انتصرنا أم خسرنا؟، هل نحن مستقلون أم لا؟، هل أصبحنا دولة ديموقراطية؟، هل جرى الحفاظ على القيم الإنسانية والوطنية فينا أم لا؟”[2].

لكن بعد مرور عشر سنوات ما زالوا في أرمينيا يتذكرون ويذكّرون سنوات الظلام والبرد، في تجمع جرى في 16 تشرين الثاني عام 2007 فسر دير بيدروسيان أمام عشرات الآلاف من المواطنين سبب الظلام والبرد في فترة رئاسته بين عامي 1992 و1994، التي تترافق فلكياً مع سنوات الحرب في أرتساخ، كان الرئيس الأسبق يقول إنه صرف مبالغ كبيرة على الحرب، والسلاح، والعتاد، وتزويد الوقود، وتموين الجيش، والدفاع عن المناطق المجاورة، حيث يكفي لتوفير الإنارة والحرارة. “عرّضت السلطات الأرمنية السكان للحرمان الكبير، واستثمرت كل الوسائل الثمينة في عملية الحفاظ على وجود أرتساخ وأمنها، أنا سعيد لأن أكثر شعبنا يعدّ الأعوام 1992-1994 سنوات البرد والظلام، ما يعني أنه لم يشعر مباشرة بكوارث الحرب، بينما تلك السنوات كانت سنوات دم وجثث وجرحى وضربات مدافع ودمار لآلاف المتطوعين من أرمينيا وعائلاتهم، الذين ذهبوا إلى أرتساخ، وكذلك لسكان المناطق الحدودية، كل تلك التضحيات كان ثمنها أرتساخ المحررة، ستقوّم الأجيال سنوات البرد والظلام بأنها سنوات الكفاح البطولي والحرب المنتصرة، ولكن أدرك أيضاً أن تأويلاتي لن تبدد شكوك الكثيرين، لذلك يبقى أن أعتذر من شعبنا على ما عاناه من أجل إنقاذ أرتساخ”[3].

باقتراح من دير بيدروسيان تسلم فاسكين مانوكيان وزارة الدفاع في أصعب فترة من الحرب في صيف عام 1992، وقد لام دير بيدروسيان على الكثير من المسائل، ولكن ليس على الظلام والبرد ومعاناة الناس والضائقة الاقتصادية، “كاراباخ هي المسألة التي توحد الأمة، في القرون التي مضت عاش الأرمن تعقيدات كثيرة، لأنهم فقدوا أراضي وسكاناً، وكاراباخ ليست فقط قضية أرض، بل هي ليست قضية أرض، وكأننا أردنا أن نمحو ذنوبنا وندافع عن مواطنينا، ونحافظ على أراضي الشعب الأرمني، على آخر قطعة متبقية، من الناحية النفسية كاراباخ تعني الكثير، أكثر من أي قضية أخرى، وستبقى كذلك، لأنه إذا خسرنا كاراباخ فسنقع في التعقيدات نفسها، لقد حررت كاراباخ الشعب الأرمني من التعقيدات، وقد قام جيش كاراباخ والكاراباخيون بعمل كبير جداً، لكن لم يكن يمكن فعل أي شيء من دون أرمينيا”[4].

من حيث الاقتصاد عاشت أرمينيا وكاراباخ وأذربيجان أيضاً فترات صعبة، فقد حصلت جمهوريات الاتحاد السوفيتي، عدا بلاد البلطيق، على استقلالها في أحوال انطلاقها المتشابهة إلى حد ما، والتي تشمل أزمة اقتصادية عميقة وانخفاضاً في العملة، وغياب المواد الأولية الضرورية عن المحلات التي تفرغ يوماً بعد يوم، ولكن كان الوضع في أرمينيا الأكثر صعوبة، حيث حاصرت أذربيجان الطرق المؤدية إلى أرمينيا وأنابيب الغاز، وبدأت حرب كاراباخ تتحول أيضاً إلى تصادم بين يريفان وباكو، حيث فقد بضع مئات الآلاف من الأرمن منازلهم في الزلزال، الذي ضرب في كانون الأول عام 1988، وجرى تهجير بضعة مئات الآلاف من الأرمن أيضاً من أذربيجان، واستقر قسم منهم في أرمينيا.في رأي خوسروف هاروتيونيان أحد رؤساء الحكومة في أرمينيا عامي 1992 و1993 كان وضع الإنتاج في حالة شلل، والنظام الاقتصادي غير مؤثر، والوضع الاجتماعي مقلق، كان الشعب حائراً في سنوات الاستقلال الأولى، كان الناس يسألون: هل هذا ثمن الاستقلال؟، وفي خط متواز بدأ الصدام ضد أذربيجان في مسألة كاراباخ الجبلية يأخذ تدريجياً طابع حرب نظامية، لم يكن ذلك تصادم مجموعات متطوعة، في الأصل كان الصدام بين دولتين، وهنا كانت مؤسسات الدولة تتصادم[5].

وفق حسابات تقريبية لرئيس حكومة أرمينيا الأسبق هرانت باكراديان (1993 – 1996) انتزعت سنوات الحرب بين 65 و70 % من مصادر أرمينيا، والخسائر البشرية لا تعوّض، ووفق باكراديان تبنت أرمينيا في الوقت الملائم سياسة تحرير الأسعار، “كان من الصواب إعطاء الأراضي للفلاحين، فلم تبق الأراضي بوراً، وكان سقوط الاقتصاد في أرمينيا كبيراً بسبب الجفاف والحرب، لو سألت أي محلل أو اقتصادي عام 1990: كيف يرى وضع أرمينيا بعد الاستقلال فسيجمعون على أن أرمينيا ليست بحاجة إلى الاستقلال، لكن المشكلة ليست هنا، بل إنه لا مفر من الاستقلال”[6].

دخلت الدولة الحديثة الاستقلال سنوات الحرب والبرد والظلام والهجرة، وانتصرت أرمينيا وكاراباخ الجبلية على الحرب المفروضة والتي كانت تبدو محتمة، ودفعت من أجل ذلك الانتصار ثمناً غالياً جداً، لكن هذا هو ثمن الحرية والاستقلال، وتلك الشعوب التي لا تدفع ثمن ذلك تبتعد بصمت عن مسرح التاريخ.

 

عام 1992: الأشهر الأولى من الاستقلال (3)

الفصل الرابع عشر من كتاب “يوميات كاراباخ، أخضر وأسود، لا حرب، لا سلم”، للصحفي طاطول هاكوبيان، ترجمة الدكتورة نورا أريسيان، لبنان، 2012.

[1]زوري بالايان، “الجحيم والجنة”، “أزك”، يريفان، 1995، ص 120.

[2]“سارداراباد”، مجموعة مقالات، “أماراس”، يريفان، 2002، ص 28.

[3]كلمة دير بيدروسيان في 16 تشرين الثاني 2007 في ساحة الحرية.

[4] حوار مع مانوكيان، 2 شباط، 2006.

[5] حوار مع هاورتيونيان، 11 كانون الثاني، 2006.

[6] حوار مع باكراديان، 8 كانون الأول، 2006.

  1. […] يصف زوري بالايان دور أرمينيا في حرب كاراباخ بالتالي: “إن رأيي الخاص بدير بيدروسيان لا يغير من تقويمي غير المتحيز لدور أرمينيا في مسألة دعم أرتساخ بأي حال من الأحوال، أنا أدرك تماماً أن جدلنا سيكون من دون جدوى في حال عدم إرسال صواريخ غراد من أرمينيا، وكذلك الوقود والخبز والعتاد والأدوية كلها بمنزلة الغراد، وكل ذلك يدبّر من أرمينيا التي تشعر بالجوع والبرد، وتفي بدينها الأمومي والتاريخي”[1]. […]

Leave a Reply

Your email address will not be published.