اعترافات صحفي مصري بمذابح الأرمن

عصام كامل*

                

كنت أول مواطن أو أول إنسان يعترف بمذابح الأتراك ضد الأرمن، ذلك أنني كمواطن أو إنسان من حقي أن اتخذ قراراتي وفق ضميري الإنساني، بعيدا عن مصالح الدول .. لم أكن بحاجة إلى إعداد دراسات حول تداعيات قراري ولم أكن بحاجة إلى استفتاء شعبي أو قرار من البرلمان ..

اعترفت وأعلنت على الملأ وكتبت ذلك وأخبرت قراري إلى عائلتي باعتبارهم البديل الطبيعي للبرلمان في حال الدول، إذ لا يمكن تصور أن أصدر قراراً مثل هذا دون علم أهل بيتي.

سألتني صغيرتي : ومن هم الأرمن؟ .. قلت لها “ناس .. بشر” مثلنا لها أنوف وعيون ..لهم أياد وأرجل .. يحبون ويتزوجون وينجبون ويموتون .. ناس خلقهم الله لتعمر في الأرض فقتلها غاصب جبار .. ناس خلقوا ليعيشوا فاجبروا على الموت .. قتلوا وعذبوا وشردوا واغتصبت نساؤهم وتيتمت أطفالهم وترملت نساؤهم!!

قالت : ولماذا قتلوهم ؟ .. قلت : لأن دولة كبرى أرادت أن تغير في التركيبة السكانية فأوعزت لبعض رعاياها وسكانها بتنفيذ المذابح .. نظرت طفلتيفي السماء وكأنها تبحث عن مغزى لفكرة التركيبة السكانية فقاطعتني وهي تقول : ولماذا لم يدافعوا عن أنفسهم؟ .. قلت: فعلوا ذلك بأن التزموا الصمت سبيلاً ربما يجدون رحمة في قلوب قاتليهم ولكنهم لم يجدوا إلا كل تسلط وجبروت .. مات منهم ما بين مليون روح بشرية ومليون ونصف .

قالت ابنتي: مليوووون أو مليوووون ونصف .. ألم يستطيعوا مجرد العد .. قلت لها: كان الفرار ثم الفرار هو أهم مخطط يمكن أن تلجأ إليه أسرة .. كان الآباء الناجون يبحثون عن طريق يبعدهم وذويهم عن رائحة الموت في كل مكان .. الطرق لم تكن آمنة .. القتلة منتشرون في كل مكان .. يبحثون عن لون يعبر عنهم أو لغة أو لمحة أو نظرة .. كل ما هو أرمني كان هدفاً للموت .. للذبح .. للدفن حياً .

كان من المهم أن أنقل لكل أفراد أسرتي مسوغات وأسباب قراري بالاعتراف بمذابح الأتراك ضد الشعب الأرمني الأعزل .. وقفت شارحاً .. رائحة الموت كانت تغلف الأماكن .. أسر بأكملها قبرت .. نساء اغتصبت .. أطفال خطفت من ذويهم وبيعت في أسواق الرقيق .. لم يكن الضحايا مليوناً ونصف أو مليون نفس بشرية قهرت قبل الموت وذبحت بدم بارد وإنما تعدت ذلك إلى مرحلة الشتات .

والشتات معنى نعرفه .. نراه الآن بوضوح في منطقتنا .. نراه في فلسطينيين مبعثرين .. مشتتين .. يعيشون في مخيمات تشبه تلك التي أقيمت للأرمن الناجين من الموت في حلب وفي بورسعيد وفي مواقع عدة .. الفلسطينيون الذين فرضت عليهم الهجرة هم من رفضوا الموت .. أيضاً الأرمن الذين هاجروا، إنما اختاروا الشتات والعيش علي هامش الحياة لأنهم هربوا من الموت .

كنت قبل أن استطرد في ذكر تفاصيل المأساة قد وصلت إلى توافق عائلي حول مشروع قرار الاعتراف .. والاعتراف هو بداية الطريق لإعادة حقوق الضحايا ..

اعترفت وأعلنت ذلك في صحيفتي بمقال سبق اعتراف مصر بالمذابح .. اعترفت ولم يكن الاعتراف هو غايتي، وإنما هو وسيلة لطرح قضية إنسانية على أجندة أصدقائي بعد أسرتي وبدأت فازداد عدد المقتنعين والباحثين عن الحقيقة .

الاعتراف بالمذابح التركية ضد الأرمن هو الطريق السليم لإعادة القيم الروحية المفقودة للإنسانية .. الاعتراف هو الحصن الحصين للحيلولة ضد فكرة القتل .. ضد الذبح .. ضد التهجير القسري .. ضد القهر .

بعد أيام قليلة كانت طفلتي الصغيرة قد أطلقت نافذة الشبكة العنكبوتية لقريحتها لتقرأ تفاصيل لا أعرفها فلم يكن منها سوى أن أصبحت عنصراً ناشطاً في محيطها .. يوما بعد يوم نصبح جماعة ثم حزباً ثم أحزاباً ثم كتلاً بشرية تؤمن أن الإنسان جاء إلى الأرض خليفة ليعمر ويزرع الحب والأمل .. يوماً بعد يوم نصبح ضميراً بشرياً فطرياً يعترف بما اقترف من جرائم على أول طريق العودة إلى آدميتنا .

بعد مائة عام على الجريمة النكراء قد يكون في اعترافنا نسمة سلام تزور قبورهم .. تخفف عن ذويهم .. تعيد الإنسانية إلى إنسانيتها .. تسقط شيئاً من ملامح القسوة على وجوه القتلة .. اعترفوا فإن في الاعتراف حياة.

 

*رئيس تحرير صحيفة فيتو المصرية.

(مقالة صدرت في العدد الخاص الذي أصدره ملحق أزتاك العربي للشؤون الأرمنية في 24 نيسان 2015 بمناسبة الذكرى المئوية للابادة الأرمنية)

Leave a Reply

Your email address will not be published.