عرض فيلم «القطع» عن الإبادة الجماعية الأرمنية في بيروت.. اسبوع الفيلم الألماني: عن المجزرة والذاكرة والنكران

بينما يحاكم التركي فاتح أكين سلطة بلاده على الإبادة الأرمنية ورفضها الاعتراف بها في فيلمه «القطع»، يذهب الإيطالي غيوليو ريكياريللي إلى ألمانيا ما بعد الحرب العالمية الثانية. في فيلمه «متاهة الأكاذيب»، يطرح سؤالاً عن المسؤولية الفردية في الجرائم النازية.

ضمن «أسبوع الفيلم الألماني» المستمر في «متروبوليس أمبير صوفيل»، يلتقي فيلمان في استعادتهما لتاريخ التصفية العرقية والإجماع على ضرورة الاعتراف به. الأول هو فيلم «القطع» (2014 ـــ 27/9 ــــ س:20:00) الذي يصوّر الإبادة الجماعية التي تعرّض لها الأرمن في تركيا أثناء حكم الدولة العثمانية في مطلع القرن العشرين. الملفت أيضاً هو هوية مخرج العمل فاتح أكين الألماني من أصول تركية.

يأتي هذا العمل بمثابة اعتراف سينمائي ولو شخصي من المخرج بالإبادة الجماعية التي ترفض حكومة بلاده رسمياً الاعتراف بحدوثها وتسميتها بالإبادة لغاية اليوم. وكان المخرج قد صرّح لصحيفة «أغوس» التركية الأرمنية أنّه يرغب في تصوير قصة الصحافي التركي الأرمني هرانت دينك الذي اغتيل على يد القوميين الأتراك، لكنه لم يجد ممثلاً تركياً يقبل بهذه المخاطرة.

حتى أنّ الصحيفة المذكورة تلقت تهديدات بسبب نشرها للمقابلة. في الشريط الذي كان من بين الأفلام المتنافسة على «جائزة الأسد الذهبي» في «مهرجان البندقية السينمائي»، يتتبع المخرج قصة نازاريت (الممثل الفرنسي من أصل جزائري طاهر رحيم) الحداد الأرمني الذي يسكن وعائلته في مدينة ماردين جنوب شرقي تركيا. وفي بداية الحرب العالمية الأولى، يخضع للتجنيد الإجباري من قبل الجيش العثماني، ويرسل إلى الصحراء ليتم استعباده في الأشغال الشاقة. وفيما نازاريت منفي في الصحراء يصارع كي لا يموت كما غيره، تتصاعد أعمال العنف ضد الأرمن من الإعدامات إلى المجازر الجماعية التي لا تصله منها كما المشاهد سوى لقطات تبدو في قسوتها مثل السراب الذي لا يرغب بتصديقه.

هذا ما نراه مثلاً في مشهد الأم التي تتعرض للاغتصاب على مرأى من ولديها، ونازاريت يراقبها بصمت من البعيد. أخيراً، يأتي القرار بقتل نازاريت وما تبقى من رفاقه ذبحاً بالسكين على يد سجناء آخرين بأمر من الجيش العثماني. إلا أن نازاريت ـــ لحسن أو سوء حظه ـــ لا يقوى قاتله على تنفيذ المهمة، فيتظاهر بنحر عنقه، ثم يعود لإنقاذه في ما بعد. غير أن الجرح يتسبب بفقدان نازاريت صوته نهائياً. من هنا، تبدأ رحلة نازاريت الهائم في الصحراء حاملاً صرخته المكتومة، وهو يبحث عن عائلته بين جثث الضحايا أو النازحين الأرمن في المخيمات. هؤلاء دُفنوا أحياء بين الرمال، حتى يموتوا ببطء من الجوع والعطش. لقطات مقتطعة وتفصيلية، يجسد المخرج عبرها المعاناة بطريقة غير مباشرة، تاركاً للمشاهد قسوة تخيل بقية الصور أو المجازر التي حدثت. حتى الكاميرا تتفادى الاقتراب من وجوه الضحايا كما الإضاءة. العتمة أيضاً تحول دون اكتمال الصورة، كما في المشهد الذي يعثر فيه نازاريت على إحدى قريباته مرمية في الصحراء تموت ببطء بين ذراعيه. نسمع صوتها في العتمة تناجيه كي يقتلها ويخلصها من عذابها وحشرجة صوت نازاريت المفقود والعجز المؤلم الذي يرمز إليه.

بالرغم من قسوتها المفرطة، إلا أنّ هذه المشاهد هي بجماليتها أحلى ما في الشريط. يكتشف نازاريت لاحقاً أن ابنتيه التوأم لا تزالان على قيد الحياة. ينطلق بعدها في رحلة طويلة تمتد لسنوات عديد في محاولة البحث عنهما، من تركيا إلى حلب في سوريا ثم لبنان وكوبا وصولاً إلى أميركا. الفيلم أشبه بملحمة طويلة يسردها المخرج بأسلوب يمزج «افلام الطريق» ( road movies ) والويسترن، ويذكر خصوصاً بفيلم «أميركا، أميركا» (١٩٦٣) لإيليا كازان الذي لا يخفي أكين تأثره به. لكن اللغة وكيفية استخدامها قد تكونان إحدى النقاط المثيرة للجدل في الفيلم.
لسبب غامض، اختار أكين أن يتكلم الأرمن في الفيلم بالإنكليزية، في حين أنّ العرب يتكلمون العربية أو الأتراك التركية، ربما لأنه أراد أن يضفي عليه طابعاً أكثر عالمية. وبحسب ما يقول في إحدى المقابلات مع صحيفة «نيوبورك تايمز» أيضاً، فإنّه لا يتقن الأرمنية. هذا مقبول من حيث أن السينما قادرة على فرض واقعها الخيالي إن ما كان متماسكاً، لكن خصوصية المنطقة والحقبة التي ينتمي إليها الفيلم، والالتباس الذي يحدث حين تصطدم اللغة الإنكليزية (الأرمنية الافتراضية) مع اللغة الإنكليزية الحقيقية في المشاهد المصورة في أميركا… كل ذلك لا يساعد في إقناعنا بمصداقية هذا الخيار السينمائي.

من تركيا الحرب العالمية الأولى، نعود إلى ألمانيا ما بعد الحرب العالمية الثانية مع فيلم «متاهة الأكاذيب» (23/9 ــ 22:00 ــ 2014) للمخرج الإيطالي غيوليو ريكياريللي. وكيل النيابة العامة الشاب جوهان يكشف كذب المؤسسات والأجهزة الحكومية وتسترها على جرائم النازيين الذين شاركوا في عمليات التعذيب والتصفية العرقية لليهود. ينطلق جوهان في بحثه من معلومة تصله من أحد الناجين من معسكر أوشفيتز، يتهم فيها أحد المعلمين حالياً في مدرسة في برلين بأنّه كان أحد القادة النازيين في أوشفيتز. غير أن بقية زملاء جوهان يرفضون حتى التحقيق في القضية بحجة أنه لا يمكن محاكمة شخص بعينه، فالنظام النازي بكامله هو المسؤول الذي حول الجميع إلى نازيين ومجرمين. غير أنّ جوهان الذي ينتمي إلى جيل ما بعد الحرب مدفوعاً بشيء من البراءة والفضول، يسعى إلى معرفة حقيقة ما جرى في أوشفيتز، ليصدم بروايات الضحايا الفظاعات التي ارتكبها النازيون. تتضح له رؤية وذاكرة مختلفة عن تلك التي يتبناها المحيطون به وذاكرة النكران الجماعية. يدخل جوهان أيضاً في صراع مع ذاكرته الخاصة المتخيلة عن أبيه الذي يكتشف أنّه كان نازياً بدوره، وكذلك الجزء الأكبر ممن لم يزالوا في مواقع السلطة. كيف تتحدد المسؤولية الفردية لمن شاركوا في عمليات التعذيب والإبادة في اوشفتيز؟ وهل تمكن محاكمة هؤلاء الأفراد حصرياً دون غيرهم؟ يدور الفيلم في فلك هذه الأسئلة، بالإضافة إلى الذاكرة وسؤال عما إذا كانت استعادتها والاعتراف بها هما الطريق الوحيدة لمحاكمتها ودفنها لو رمزياً.

«أسبوع الفيلم الألماني»: حتى 27 أيلول (سبتمبر) ــ «متروبوليس أمبير صوفيل» ـ فيلم «متاهة الأكاذيب» 23/9 ــ س: 22:00- فيلم «القطع» 27/9 ـ س: 20:00.

بانة بيضون

الأخبار  

Leave a Reply

Your email address will not be published.