الفينيق

yasar

يسار خصاونه*

لم تحمل لنا أوراق التاريخ سطرا واحدا عن شعب رضي بالاحتلال وبارك مغتصبي أرضه وحقه الشرعي وشدّ على أيدي قاتليه مهنئاً بقتله، وصفّق لهم مهنئاً بالاحتلال والاغتصاب بل على العكس من ذلك فأوراق التاريخ جميعها مليئة بصور المقاومة للاحتلال ورفض الغاصبين، وتعددت صور المقاومة الشعبية من شعب لآخر ومن عصر لعصر بأدواتها ومع تعدد صور المقاومة الشعبية، فإن هذه المقاومة تتفق بحزمها وعزيمتها وإيمانها بحتمية الانتصار، وهي ليست ردة فعل انفعالية لحظة اغتصاب الحق واحتلال الأرض بل هي عقيدة آمنت بها الشعوب منذ الأزل ومارستها كلما تعرضت لأي نوع من أنواع الإرهاب والقتل وسلب الحقوق، وهي صرخة عنيفة تؤكد حق الإنسان بالحرية والعيش الآمن، ومخطئ من يظن أن القوة تمنح الشرعية لمغتصب وأن توهم هو ذلك من خلال معايير مختلفة.

لقد مر على صفحات التاريخ البشري مغتصبو حق بأسماء مختلفة وسفاكو دماء بأقنعة متلونة، جميعهم رفعوا شعاراً واحداً – نحن أو الدمار- وتذكر نفس الصفحات المصير الذي وصلوا إليه مما يعزز شرعية حضور مقاومة الشعب لكل محتل وحتمية الانتصار عليه.

ونعجب حين نعرف أن مثل هذه النماذج الوحشية تتوالد في كل المجتمعات الإنسانية بدائية كانت أم حضارية، غنية كانت أم فقيرة مما يدل على أن المغتصب مهما نال من الثقافة حظاً ومن العلم نصيباً يبقى مغتصباً وعلينا كشعوب تؤمن بحقها الشرعي في وطنها مسؤولية قمعه وردعه.

الشعب الأرمني لم يكن شعباً استثنائياً بمصيبته، لكنه كان استثنائياً بمقاومته الشرعية، وبصموده أمام غطرسة القتلة والمحتلين، استثنائياً بعدد الأرواح التي ذهبت طاهرة من أجل الحرية، وقد وصل عددها المليون ونصف، استثنائياً بمحافظته على تراثه، ومنجزاته الحضارية، استثنائياً بإعلانه عن وجوده، هذا هو الشعب الأرمني العنيد بتمسكه بكل موروثه الإنساني، وبلغة شكّلت في المهجر هويته وانتماءه، هذا هو الشعب الأرمني الذي خرج من الرماد ليضيء العالم، ويشارك الشعوب المتحضرة عيشها، شعب اتّسع أمامه بلاد الدنيا لكنه لم يرض سوى وطنه الذي يراه أكثر اتساعاً من الكون .

إن الحديث عن الشعب الأرمني بفيض ألمه الجليل وارتقاء روحه إلى عليين قبل مئة عام هو حق مشروع لأمة أرادت أن تعزز قيمة وجودها بفكرها السليم ليعرف الكون إرث صبرها وتاريخها وسؤددها بالانتصار على الشر وتبديد قوى الظلام في إرادتها وحبها الذي لا يجيز لها الانتقام بمقايضة الحياة بالموت مدركة في مقام نُبلها أن مَن يريد أن يحررك بالاحتجاج على القتلة لا يستطيع أن يكون مثلهم لأن مسؤولية الانتصار هي نفي الموت عن الحياة، فالدارسين لبشاعة فعل المستعمرين وتصفية الآخر ليعيش الحياة بقبره الأوسع إنما هي رصد لصوره المؤلمة التي لا تغيب عن الذاكرة وهم يتحدثون بإنصاف عن صفات شعب بطل وعظيم غير قاتل، استطاع بفترة قصيرة أن يعيد تاريخه بحبه، وأن يضع بصمته الإنسانية في معظم أقطار الأرض، فهو حاضر في البلاد العربية متفاعلأ مع الإنسان لغايات البناء في جميع المجالات السياسية والثقافية والاقتصادية، بل والرياضية أيضاً، محققاً بذلك استمرار لعظمة وجوده وبصورة مشرقة ودليل على تجاوزه المحنة، برسوخ جذوره وتاريخه الإنساني النبيل الذي يميز به القارئ ما بين القاتل والمقتول.

مقدراً ما كُتب عن ذلك في الكثير من الكتب، وما عُرض من الصور، وأُنتج من الأفلام والمسرحيات، فقد امتلأت دواوين الشعراء بقصائد ترتل حكاية هذا الشعب بقص أسطوري، وإلى جانب كل ذلك كان الوطن يتحرك صعوداً نحو قمة أرادها لنفسه ووصل إليها، فدعوني أترحم في هذا اليوم من التاريخ على من غادر من هذا الشعب ليؤسس للوطن مجداً يحق له بالمفاخرة ، فهم ربيع أرض الوطن الذي سيبقى أخضر مهما مرّت السنوات، وهنيئاً لوطن ظل جمرة والقاتل رماد.

*كاتب أردني، وباحث وقانوني وناشط في العمل السياسي والاجتماعي، يعمل عضواً في رابطة الكتاب ومستشاراً قانونياً لها، وعضواً في اتحاد الكتاب العرب ومستشاراً لوزارة الثقافة الأردنية.

(مقالة صدرت في العدد الخاص الذي أصدره ملحق أزتاك العربي للشؤون الأرمنية في 24 نيسان 2015 بمناسبة الذكرى المئوية للابادة الأرمنية)

Leave a Reply

Your email address will not be published.