الإبادة الأرمنية … الجرح المفتوح وضرورة إقرار المسؤولية

 

546019_562877660459562_60266589_n 

خورشيد دلي*

مضى مئة عام على المجازر التي ارتكبتها الدولة العثمانية ضد الأرمن، وبين يدي العالم من الوثائق والأدلة والوقائع والمعطيات التاريخية والاجتماعية … لإقرار جريمة الإبادة هذه، ودفع الدولة التركية إلى الاعتراف بها، أسوة بجريمة الإبادة ضد التوتسي في رواندا والجرائم المماثلة التي ارتكبت في كمبوديا وضد اليهود في ألمانيا.

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا، كيف تصرفت تركيا إزاء هذه الجريمة ؟. لا يخفى على المراقب، أن تركيا حاولت منذ البداية الالتفاف على هذه الجريمة من خلال مسارات ومستويات متعددة، لعل أهمها:

أولاً- وضع جريمة الإبادة الأرمنية في إطار أعمال القتل خلال المعارك التي جرت خلال الحرب العالمية الأولى في محاولة للتهرب من جريمة الإبادة مع أن الوثائق التاريخية تؤكد أن الجريمة حصلت وفقاً لسياسة مدروسة مسبقاً وبقرار سياسي من أعلى السلطات، وقد تجلى هذا الأمر بشكل واضح في حملات استهداف المثقفين الأرمن ونتاجاتهم الفكرية والأدبية والثقافية قبل أن تتحول إلى حملة اعتقالات جماعية وجمع الأرمن في معتقلات ومن ثم ترحيلهم إلى الصحراء وارتكاب أعمال القتل الجماعي كما حصل في صحراء دير الزور السورية.

ثانياً- محاولة خلط الأوراق من خلال القول إن الضحايا هم ليسوا من الأرمن فقط بل من الأتراك، ووضع الأمر في خانة (خيانة الأرمن) للباب العالي، بالقول إنهم تعاونوا مع الروس خلال فترة الحرب، وأيضاً من خلال تقليل أعداد الضحايا وذلك بالقول أنهم لا يتجاوزون ثلاثمئة ألف أرمني ومثلهم تقريباً من الأتراك، مع أن الوثائق التاريخية تشير إلى أن عدد الضحايا من الأرمن بلغ قرابة المليون ونصف المليون أرمني.

ثالثاً- محاولة محو الذاكرة الأرمنية وآثارهم وأماكنهم الدينية وهويتهم الحضارية، إذ تشير التقارير أن السلطات العثمانية مارست إلى جانب الإبادة البشرية الإبادة الثقافية والحضارية، إذ أنها ركزت على محو النتاج الثقافي والفكري والروحي، ويكفي هنا أن نشير إلى أن التقارير تقول إن عدد الكنائس الأرمنية في تركيا قبل جريمة الإبادة تجاوزت ألف كنيسة في حين لم يتبقى منها سوى 89 كنيسة. وبسبب هذه السياسة شهد الوجود الأرمني نوعاً من الإبادة والمحو، حيث اضطر العديد من الأرمن إلى تسجيل أنفسهم كأتراك تجنباً للتصفية والعقوبات والحصار والقهر.

هذه السياسة التي اتبعتها تركيا ضد الأرمن وغيرهم من الشعوب والأقليات القومية والدينية ربما أفلحت في الحد من حيوية الشعوب وقدرتها على التعبير عن هويتها وتاريخها وجغرافيتها لفترة ما، لكن التاريخ يثبت أن الجرح المفتوح وقوة الإرادة وحقائق التاريخ والجغرافية كانت أقوى من هذه الاجراءات الاستبدادية، فقد نجحت الأمة الأرمنية رغم كل ما تعرضت له من إبقاء جريمة الإبادة حية وذلك من خلال الوقائع التالية:

  • لقد نجح الأرمن في نقل قضية الإبادة إلى المحافل الدولية وجعلها مدرجة على برلمانات معظم دول العالم، إذ اعترف قسم كبير من هذه البرلمانات بجريمة الإبادة، وهو ما وضع تركيا في أزمة علاقات مع العديد من الدول.
  • إن أرمينيا ورغم إمكاناتها القليلة بسبب الحصار التركي الأذربيجاني المفروض عليها نجحت في دفع تركيا إلى التفاوض بشأن قضية الإبادة الأرمنية، وهو ما تجلى في اتفاق زيوريخ عام 2009 قبل أن يتم تجميد الاتفاق بعد ان اشترطت تركيا فتح صفحة جديدة في العلاقات بين البلدين بشروط جديدة، منها قضية الصراع بين أرمينيا وأذربيجان على إقليم ناغورني قرباغ.
  • إن الأرمن نجحوا في كسب صداقات العديد من الشعوب والدول وجلب التعاطف مع قضيتهم، بما في ذلك من قبل حركة المجتمع المدني في تركيا حيث بدأنا نشهد حركة داخلية تركية تدعو إلى الاعتراف بجريمة الإبادة وطي صفحة الماضي وقد اضطر أردوغان العام الماضي بسبب كل ما سبق إلى الحديث عن الجريمة والمأساة دون الاعتراف بها.
  • إن حركة اعتراف العديد من الدول بجريمة الإبادة وضعت تركيا في حالة توتر في علاقاتها مع العديد من دول العالم، ومعروف تهديدات أردوغان بسحب السفراء من الدول التي تعترف برلماناتها بجريمة الإبادة.

في ظل التقدم الذي يحققه الأرمن لجهة جلب اعتراف دولي بجريمة الإبادة، ثمة سؤال يطرح عن مدى استعداد تركيا الاعتراف بالجريمة.

في الواقع، من الواضح أن الحكومة التركية تحاول بشتى الوسائل الالتفاف على الاعتراف بجريمة الإبادة وذلك من خلال الوقائع الآتية:

  • إن العقلية الاستبدادية لأردوغان وثقافته العثمانية لا تشيران إلى تغير في جوهر الخطاب التركي الذي يقوم على إنكار الجريمة، وهذه العقلية هي تعبير عن استمرار القمع وسياسة الإقصاء تجاه الشعوب والأقليات القومية والدينية.
  • إن دعوة أردوغان إلى تشكيل لجنة من المؤرخين لبحث القضية، وترميم بعض الكنائس والحديث عن المعاناة المشتركة وغير ذلك من الخطوات الشكلية تأتي في إطار محاولات تبسيط القضية والالتفاف عليها.
  • محاولة شراء مواقف الدول وحتى ابتزازها وتهديدها لمنعها من إقرار جريمة الإبادة، وهنا سلاح أردوغان في ذلك هو عقد صفقات الأسلحة ومشاريع اقتصادية ومواقف سياسية، وقد بدا هذا الأمر جلياً عندما أقر البرلمان الفرنسي جريمة الإبادة عام 2011 قبل أن يتم إلغاء الاعتراف بقرار من المجلس الدستوري بعد أزمة سياسية مع تركيا، وتهديد الأخيرة الاعتراف بما ارتكبته فرنسا في الجزائر كجريمة حرب وإبادة.
  • محاولة وضع قضية الاعتراف بجريمة الإبادة في إطار إصلاحات داخلية تركية وطرح الموضوع في الإعلام بعد أن كان ذلك ممنوعاً في المرحلة الماضية، وتأتي هذه السياسة كنوع من التنفيس السياسي في الداخل وتوجيه رسالة للخارج وتحديداً الاتحاد الأوروبي، مفادها أن تركيا تسير وفق المعايير الديمقراطية.
  • التشويش على إحياء الأرمن الذكرى المئوية للإبادة وذلك من خلال تنظيم احتفال ضخم موازي بذكرى انتصار القوات العثمانية على قوات المتحالفة في معركة الغاليبولبي في الرابع والعشرين من نيسان الجاري، أي في نفس اليوم الذي تنظم فيها فعاليات الذكرى المئوية للإبادة الأرمنية، علماً أن تركيا كانت تحتفل بهذه الذكرى عادة في الثامن عشر من آذار ومن خلال مراسم عسكرية بسيطة، لكن اختيارها الموعد الجديد، جاء للتشويش على إحياء الأرمن للذكرى المئوية للإبادة.

في الخلاصة، يمكن القول أن الأرمن نجحوا إلى حد كبير في إدراج قضية الإبادة على أجندة البرلمانات والمحافل الدولية وفي إبقاء هذه القضية حية، رغم كل محاولات تركيا الاستمرار في إنكارها والالتفاف عليها بكل الوسائل.

والثابت هنا، هو أن المدخل الطبيعي لطي هذه الصفحة لا يمكن إلا باعتراف تركيا بجريمة الإبادة وتحمّل المسؤولية التاريخية، وما ينتج عن كل ذلك من إقرار بالحقوق التاريخية للأرمن، لا إحقاقاً للعدالة التاريخية فقط، بل لمنع تكرار هذه الجرائم هنا أو هناك، وهذه مسؤولية أخلاقية وسياسية تسري على كل دول العالم.

                *كاتب في الشؤون التركية والكردية.

(مقالة صدرت في العدد الخاص الذي أصدره ملحق أزتاك العربي للشؤون الأرمنية في 24 نيسان 2015 بمناسبة الذكرى المئوية للابادة الأرمنية)

Leave a Reply

Your email address will not be published.