كوميداس عبقري الموسيقا الأرمنية

banar 

نحو ساعة مضت كدقائق لشدة المتعة في الأمسية الموسيقية التي أحيتها الفرقة السيمفونية الوطنية بدار الأوبرا عن الموسيقي الأرمني العبقري كوميداس مؤسس الموسيقا الأرمنية. ولاأقصد بهذه العبارة أن الموسيقا الأرمنية لم تكن موجودة قبله،

وإن ما أعنيه أن الموسيقا والغناء الأرمني كان قبله ألحاناً مبعثرة في ذاكرة الناس، فقام كوميداس بوضع نظريات وقواعد وضوابط لهذه الموسيقا والأغنيات، بحيث أصبحت موسيقا لها هوية خاصة بالشعب الأرمني.‏

وإبداعات كوميداس الموسيقية تجلت في منحيين. الأول الموسيقا الدينية، وفي الأمسية استمعنا إلى خمسة من التراتيل الكنسية (سر الأسرار) و(ارحم يارب) التي شارك فيها المغني ليفون عبجيان بالغناء الإفرادي،‏

ثم استمعنا من الكورال إلى (المسيح يظهر بيننا) و(قدوس قدوس) و(مبارك الله)، وجميعها قُدمتْ دون مرافقة موسيقية. وحملت هذه التراتيل في موسيقاها روحاً إيمانية خشعت لها القلوب حتى دون فهم معاني الكلمات، وهنا تتجلى قدرة كوميداس الموسيقية.‏

وإلى جانب الغناء الديني. أبدع كوميداس الكثير من الأغنيات الشعبية الأرمنية، متأثراً بالغناء الشعبي الأرمني والريفي منه بشكل خاص. لاسيما وأنه قام بإحياء هذا التراث من خلال جمعه وتطويره وتقديمه. واستمعنا إلى أغنيتين ريفيتين (المحراث) و(إنها المطر) بصوت لونا محمد، ثم وبرفقة الفرقة السيمفونية قدمت منار خويص أغنيتين شعبيتين (شجرة المشمش) و(أمشي أمشي)، والأغنيتان مليئتان بالحيوية جعلتا الجمهور يطرب معها. وكما يبدو فإن كوميداس كان مرح النفس رغم المآسي التي تعرض لها في حياته، فاستمعنا من ألحانه إلى أغنيتي (يا نازان) و(الحجل)، فكانت موسيقاهما مليئة بالحيوية، وأضفت غادة حرب المزيد من المرح بخفة ظلها وهي تؤدي الأغنيتين. أما سوزان حداد فأتحفتنا بأغنيتي (طولك فارع) و(طائر الكركي)، لتمضي أمسية جميلة من ألحان كوميداس.‏

وكوميداس – إضافة إلى كونه موسيقياً – هو رجل دين، لذلك جاءت ألحانه الدينية منسجمة مع التراث الغنائي الأرمني، لاسيما أنه بدأ حياته مردداً في الجوقة الكنسية. وكونه رجل دين لم يمنعه ذلك من خوض غمار التلحين في الغناء الدنيوي، ومعظم ألحانه هذه من اللون الشعبي الريفي. وكما قلنا فإن الفضل يرجع له في إحياء التراث الشعبي الغنائي الأرمني، فقد قام بجولات كثيرة في الأرياف الأرمنية وجمع نحو ثلاثة آلاف أغنية، قام بإعادة صياغتها لتصبح قابلة للتقديم من فرق الموسيقا والغناء، وقام بتنقيتها من تأثيرات الموسيقات الأخرى، وأعطاها الهوية الأرمنية الخالصة.‏

وإلى جانب ذلك قام كوميداس بوضع أسس الموسيقا الأرمنية، فقام بحصر مقاماتها القديمة وأحياها لتكون القاعدة التي تُبنى عليها الموسيقا الأرمنية الحديثة، كما استنبط أوزانها الخاصة بعيداً عن الأوزان الموسيقية الأوربية. كما أنه أخرج الألحان الأرمنية القديمة من المخطوطات وقدمها مع الفرق الموسيقة.‏

وما كان لكوميداس أن يفعل ذلك لولا امتلاكه المعارف الموسيقية الواسعة. فقد ولد عام 1869. ومنذ سنواته الأولى تعلم الغناء الأرمني من والده المغني البارع. وبسبب وفاة والديه مبكراً اضطر إلى دخول ميتم الأطفال. وفي الميتم اكتشف مطران البلدة جمال صوته فضمه إلى جوقة الكنيسة. وبسرعة تطورت معارفه الموسيقية، حتى حصل على الدكتوراة في العلوم الموسيقية من برلين. ليتابع بعدها مشاريعه الموسيقية التي تحدثنا عنها، حتى رحيله عام 1935.‏

أحمد بوبس

الثورة

Leave a Reply

Your email address will not be published.