مخطط القلعة …صفحات كتاب “تاريخ حلب “للأسقف أردافازت سورميان (9)

القلعة2 

الفصل السادس

 

قلعة حلب: التلال الحثية في شمالي سوريا ـ تل حلب الأصلي ـ تلة القلعة ـ الخندق ـ السطح الخارجي للقلعة ـ محيط القلعة ـ الجسر ـ البرج الكبير للمدخل ـ البئر المالح ـ القاعة الفارسية ـ الجامع التحتاني ـ  المئذنة-البرج ـ بئر الملك الظاهر ـ القاعة الأرضية الكبيرة ـ الحصن الأمامي المتقدم ـ الدرج السري ـ الحصن الأمامي الشمالي ـ قصر القلعة ـ ماء القلعة ـ تنقيبات وتزيينات القلعة ـ تاريخ القلعة ـ الوضع الحالي للقلعة

مخطط القلعة: (1) البرج المتقدم للمدخل (2) الأقنية الأرضية (3) البئر (4) الدرج السري (5) الفتحة الداخلية التي توصل بين البرج الجنوبي والدرج السري (6) الحصن المتقدم الجنوبي (7) بئر “سلوقوس” (8) فسحة الانتظار في القاعة الفارسية (9) القسم الجنوبي للقاعة الفارسية الذي تحول إلى صهريج (10) القاعة الفارسية (11) الطرف الشمالي للقاعة الفارسية (12) القاعة الأرضية الكبيرة (13) الجامع التحتاني (14) الجامع الفوقاني والبرج (15) البرج أو الحصن المتقدم الشمالي (16) البئر الاصطناعي الموصول بالأقنية (17) درج الصعود الشمالي (18) طاحونة إبراهيم باشا (19) المدخل الأرضي (20) البئر العميق (21) الثكنة المصرية (22) الحصن

الجامع التحتاني

أثناء صعودنا نحو الطريق الممتدة على القسم المنبسط من هضبة القلعة وقبل الوصول إلى الثكنة والبرج نقف قرب الجامع التحتاني الذي شيد “بأمر السلطان الرؤوف نور الدين أبي الفتح إسماعيل” في عام 1162م ورمم مرات عديدة لاحقاً. وفي وسط الباحة وتحت غطاء منهل حجري يوجد صهريج يصل عمقه إلى 15 م وقطره إلى 6 م وله فتحة دائرية الشكل وتجمع مياهه من الأمطار الشتوية ويستخدم حتى يومنا هذا على الرغم من مياهه العكرة بعض الشيء. وكان في الجامع محراب مصنوع من الخشب فقد اختفى في الآونة الأخيرة. وقد رممت قبة الجامع المشيدة بالقرميد مرات عديدة مع أقسامه العلوية الأخرى. وقد أعيد استخدام أحد العامودين الموجودين قرب باب الجامع يعود إلى العصر البزنطي واستخدم الآخر الذي ينتمي إلى القرن 12 م كدعامة للعامود البيزنطي. وهناك بقايا قبر منهوب داخل الجامع وعلى الطرف الغربي منه.  وتبقى الغرف على الجهة الغربية مغلقة للضرورات العسكرية. وكان الجامع المكان الروحاني المفضل لدي في القلعة حيث كنت أستريح وحيداً في أكثر الأحيان في كل مرة أقوم بزيارة هذا النصب القديم وأقعد على منهل غطاء الصهريج حيث من المحتمل كان النبي إبراهيم يحلب  بقراته القرمزية والبهية بيديه وكان الفقراء القريبون يصبون الحليب في آنيتهم الفخارية في ساعات المساء. وأعتقد بأن حلب الوثنية بنت معبدها في هذا المكان بالذات وشيدت حلب المسيحية بازيليكيتها الباهرة. ونستمر بالصعود في هذا الدرب الضيق حتى نصل إلى خرائب الجامع الفوقاني الكبير الذي شيد في عام 1214م من قبل السلطان الظاهر.  ويلفت نظرنا في هذا الخراب الواسع محراب الجامع الحجري وأساسات بركة الماء في وسط الجامع. وقد استخدمت أحجار الجامع في بناء المنشآت العسكرية.

المئذنة- البرج: هي أعلى نقطة في المدينة وتفرجنا من على قمتها أنا والمرحوم الأسقف سمباد قزازيان على بانوراما المدينة الرائع لآخر مرة في عام 1936 وعدنا بتفكيرنا إلى جميع المعارك الحربية والحصار والخراب التي أكدت على مناعة القلعة. ويصل ارتفاع المئذنة- البرج إلى 21 م فقد خُربت ورممت مرات عديدة وكانت تستخدم لمراقبة الحرائق في القرون الماضية. ومن المحتمل بنى المصريون ثكنتهم على أنقاض ثكنة قديمة في عام 1831 وتقع على الجهة الشرقية من المئذنة وتتمركز فيها قوات فرنسية منذ ربع قرن التي ستتنازل عن مكانها للقوات السورية في وقت قريب.  ويصل طول القلعة على القمة إلى 375 م وعرضها إلى 237 م بينما طول التل عند القاعدة يصل إلى 525 م والعرض إلى 350 م.

بئر الملك الظاهر: على الجهة الشرقية من الثكنة المصرية وعلى بعد بضع خطوات يوجد بئر مربع الشكل شيد من قبل الملك الظاهر في القرن 13 م ورمم في القرن 16 ويصل عمقه إلى 60 م ويمكن الوصول إلى قعره بعد نزول 200 درجة. ومن الظواهر الشيقة هنا وجود درج حلزوني مدوّر كالدرج الموجود داخل مآذن الجوامع يضاء بنوافذ تقع على جدران البئر. وبعد النزول إلى البئر بعمق 15 م نصل إلى الطبقة الصخرية حيث نجد مداخل مفتوحة على عدة جهات لتأمين تواصل محرس القلعة بمحارس المدينة وما حولها وخاصة أثناء الحصار. وهذه الفتحات التي كانت مطمورة حتى الفترة الأخيرة تم فتحها في عام 1936. وتُشاهد في البئر قطع عديدة من القرميد وهي أصغر بكثير وأقل صلابة عن مثيلاتها في القاعة الفارسية إلى جانب بعض أنقاض قبة البناء. ويؤكد المؤرخون العرب بأن البئر كان يملأ بمياه قناة حيلان. أما الأقنية الفرعية التي تُفتح في البئر فإنها تتفرع في مواقع القلعة الأكثر عمقاً و تتواصل في الوقت ذاته مع القناة الكبيرة التي تجلب المياه إلى أحياء المسلمين حول القلعة. ويحتاج البئر لترميم بسيط كي يعاد استخدامه. وقد جرى آخر ترميم للبئر في الحقبة العثمانية في عهد إبراهيم باشا. وكان هناك درج أرضي قريب من البئر يؤدي إلى القصر الحكومي مقابل القلعة ولا تزال بعض آثاره ماثلة أمامنا ولكن هذه الطريق مغلقة منذ 70 سنة.

القاعة الأرضية الكبيرة: تقع على الجهة الجنوبية من قمة القلعة ويمكن النزول إليها بدرجات منقورة في الصخر ونجد بأن درجاتها العلوية عالية. وتصل أبعاد باب القاعة إلى 113 x 177 سم وهو منقور في الصخر بشكل كامل. ويصل ارتفاع القاعة وطولها إلى 17,5م وعرضها إلى 16 م وهي مقسمة إلى ثلاث أبهاء nef وترتكز أقواسها على أربعة أعمدة بديعة ويضاء كل بهو ب 1-2 من النوافذ المربعة الشكل. وملاط جدران القاعة سميك وقديم ومن المحتمل يعود إلى العصر العربي. ويبدو أن القاعة وخاصة الأقواس شيدت بين القرنين 9-14 م وذلك لاستخدامها كمستودع للقوت أثناء الحصار.  وقد حصل بأن طُوقت القلعة سنة كاملة أو أكثر وكان من الحيوي بمكان تأمين الغذاء ل 3000 جندي وعدد أكبر بكثير من السكان الذين كانوا يلجأون إليها في مثل هذه الظروف. وكان للقاعة صهريج يصل قطره إلى 6 م وعمقه إلى 15 م وكان يمتلئ من مياه الأمطار.

وجدت المسيحية أرضاً خصبة جداً منذ القرن الأول للتبشير برسالة المسيح عليه السلام والكتاب المقدس واتجه تلاميذه من أرض الكنانة إلى بلدان بعيدة شرقاً وشمالاً وغرباً واجتازوا البوادي السورية وبشّروا في جميع مناطق البلاد بنور الدين الجديد وانتقوا الأحجار من المناجم لتشييد قلاع عقيدتهم وتزيينها وتأسيس أديرة العلم والنور والبازيليكات في “الوديان المقدسة” بين أنطاكية وحلب وسرجيوبوليس(الرصافة,مدينة هشام-المترجم) ومن تدمر إلى إيمات (حماه) وإميسا Emessa (حمص) وجنوباً من دمشق إلى بعلبك. وكانت الكنائس مبنية على أكروبول هذه المدن كذلك في مدينة بيريا المسيحية(حلب) إلى جانب القصور الملكية والمطرانية والثكنة والمتحف وغيرها من الأبنية. وقد بقيت خرائب كنيسة القديس ستيبانوزس الأرمنية في مدينة كارين الأرمنية (قاليقلا عند العرب وثيودوسيوبوليس لدى البيزنطيين-المترجم) حتى عام 1600 في مكان جامع أولو جامع Ulu cami في تركيا الحالية إلى جانب البازيليكا البيزنطية وجامع علاء الدين الكبير الذي كان كنيسة بازيليكية بيزنطية في يوم من الأيام.

بناء على رواية قديمة جداً وتأكيد بعض مسني حلب كانت هذه القاعة الأرضية الكبيرة تسخدم ككنيسة بالطقس البيزنطي وقد رأوا بقايا هيكل الكنيسة الذي شيد بالحجر. وكانت أجراس الكنائس اليونانية والسريانية تُسمع من القلعة لقرون طويلة حتى بعد الفتح العربي.

البرج الجنوبي المتقدم: نصعد إلى الجهة الجنوبية من القسم المنبسط من قمة تل القلعة ونصل أمام البرج الجنوبي المزدوج الذي يعد من نماذج هندسة العمارة العربية الجميلة من القرن 13 م في عصر الملك الظاهر. وهذا البرج الكبير مبني كاملاً بالحجر ويتجه على محور شمال- جنوب.  والقسم الجنوبي من هذا البرج المزدوج محفوظ بحالة باهرة وهو بناء شيق ب 7 طوابق ويصل ارتفاعه إلى 27 م وعرضه إلى 21 م. والطابق السفلي الذي يصل إلى مستوى المنشآت الواقعة تحت الأرض منقور كاملاً في الصخر ويستخدم للصعود إلى طوابق البرج الأخرى ويمتاز بالمسقط ذاته. ويصل طول البرج تحت الأرض إلى 41 م. ويتألف الطابق الثاني من دهليز حيث يُفتح الدرج الأرضي. وينير الدهليز عن طريق نافذتين مفتوحتين على الجهة الجنوبية إلى جانب الفتحة المربعة الصغيرة على الجهة الشرقية أيضاً. ويتشكل الطابق الثالث من قاعة مغلقة من جميع أطرافها وهناك فتحة صغيرة جداً بالكاد تفيد للإنارة والتهوية ودرج على الجهة الغربية يستخدم للصعود إلى الطابق الرابع. ويتشكل هذا الطابق بدوره من باحة داخلية مفتوحة وقوسين جانبيين وقاعتين صغيرتين مقنطرتين على طرفيها الجنوبي والشمالي وهما مبنيتان بأسلوب العمارة العربية. وهناك درج على الزاوية الشمالية-الشرقية يؤدي إلى الطابق الرابع. وقد شيد البرج في القرن 13 م ورمم في القرن 15. وبدءاً من الطابق الخامس يتواصل القسم الشمالي من البرج مع سطح القلعة الخارجي وزواياه الخارجية المدورة لصد قنابل المغيرين.  عندما كان باشا المدينة يقطن في القلعة قبل ثلاثة قرون كان عدد الحراس 1400 عنصراً تقريباً منهم 300 من الانكشاريين الذين كانوا يشكلون الحراس الأصليين.

الدرج السري: درج سري موصول على الوجه الخارجي للقلعة وينزل جنوباً. وبعد هدم الغطاء الخارجي للدرج chape تخرب هذا الدرج السري بالكامل. وقد أكتشفت آثار الدرج أثناء التنقيبات الأخيرة.  وتأثير الأمطار وعوامل الحث المختلفة كانت قوية إلى درجة أن تربة القسم الاصطناعي للتل انجرفت ولم يبق بينها وبين سطح الدرج سوى متر واحد.  ويبدو أن الدرج كان يتجه نحو جنوبي المدينة ماراً بالقسم الأرضي للبرج الجنوبي وكان يساهم في ربط هذا القسم بالقسم الدخلي للقلعة.  وبناء على روايات المؤرخين العرب يعود بناء هذا الدرج السري على سطح القلعة إلى بدايات القرن 13 م وكان يستخدم من قبل السلاطبين فقط. وقد اكتشف درج آخر مواز له قبل 15 عاماً على بعد بضعة أمتار شرقاً. ومثل هذه القلعة الواسعة المعرضة بشكل دائم للهجوم أو الحصار من الطبيعي أن يكون لها درج سري داخلي لهرب السلطان وعلية القوم في تلك الأوقات الحرجة المصيرية. وكان الدرج يستخدم في أوقات السلم أيضاً من قبل زوار متنكرين عوضاً عن نزولهم عبر المدخل الرئيسي.

البرج المتقدم الشمالي: هذا البرج الجميل الذي انهدم أحد أطرافه كاملاً في المدة الأخيرة ويشكل ظاهرة حزينة شيد من قبل السلطان تقي الدين في القرن 13 م وتعرض لاحقاً إلى ترميمات عديدة. وعند مقارنته بالبرج الجنوبي نجده أقل انطباعاً كونه أقل ارتفاعاً وزخرفة. وهناك درب أرضي ضيق على الجهة الجنوبية للبرج له صلة مباشرة معه وطابق أرضي مغلق بباب بازلتي.

قصر القلعة: كانت القلعة ابتداء من القرن 12 م المكان المفضل لأمراء حلب بسبب موقعها المرتفع وهوائها العليل فشيدوا على هذا المرتفع قصراً منيفاً وجميلاً يمتاز بكل الظروف المناسبة. وعدا عن موقع القصر العالي ومناخه الصحي في فصل الصيف خاصة كان انزواء الأمراء وعلية القوم عن العامة أمراً حيوياً. وبكلمة أخرى كان القصر برج المدينة المنفرد ومرصدها ويمكن السهر عليها من مرتفع القلعة المحصنة. وقد أضحت القلعة بكل امتيازاتها مكان إقامة الأمراء المفضل والعملي حتى القرون الأخيرة. ويقع مدخل القصر على الجهة الشرقية للبئر السلوقي وبالقرب منه وكان له باب جميل تضرر جراء البرد القارص. ونجد على كتابة ساكف المدخل بأن القصر شيد في القرن 13 م ورمم بعد قرنين. ورواق القصر مسدود الآن بسبب الأنقاض. ونصل إلى المدخل الجميل لباحة القصر عبر ممر ضيق نحو باب القلعة الذي يقودنا إلى القاعة العلوية الواسعة. وساكف المدخل المبني بمداميك من الأحجار الكلسية والبازلتية المنحوتة دُعمت بقضبان حديدية رفيعة. وقد لاحظنا بأن سواكف مداخل كنائس حلب والقصور الخاصة والأبنية العامة والجوامع وغيرها تخربت كثيرا بسبب استخدام الأحجار الكلسية من الأنواع السيئة لذلك تعرضت جميعها إلى ترميمات مستمرة.

تحولت نافذة التهوية الواقعة خلف الباب وعلى الجهة اليسرى منها في بهو القاعة الفارسية إلى صهريج للماء. والخلايا فوق الباب المصنوعة على طراز الفن العربي جميلة في الحقيقة بقدمها وفنها وموقعها وحفرها ويبدو أنها من أعمال القرن 13 م. وعلينا أن نشير هنا أيضاً أن القائد الفرنسي بيشو- دوكلو هو الذي بادر إلى تنظيف القلعة ومباشرة التنقيبات فيها. وبعد السير في ممر ضيق الذي بقي من جداره الغربي قسم صغير فقط نصل إلى الفسحة الأمامية الواسعة للقصر ونجد أمامنا باباً جميلاً يعود إلى القرن 15 م يقودنا إلى قاعة واسعة بمساحة 26,5x  32,5 م2 ويعود آخر ترميم عليها إلى الأمير الجركسي قايتباي وتعتبر نقوشها الجدارية نماذج جميلة للفن المصري المملوكي الجميل إلا أنها في حالة سيئة جداً مع الأسف. ومع ذلك بقيت بعض الخزائن الجدارية لحكام القلعة المماليك. وهذه القاعة الباهرة الصنع التي تعتبر من أهم أقسام القلعة مكشوفة بالكامل وفي حال نصف خراب وكانت مغطاة في وقت ما بسطح مقنطر يحتوي على سبع قبب. وكانت الإنارة الغزيرة تتحقق من خلال النوافذ الواسعة الموجودة على الجدار الجنوبي ويمكن التمتع من خلالها في الوقت ذاته بالمنظر العام للمدينة وجامع الفردوس الشهير ومئذنته حتى البساتين وحقول القمح الممتدة على جانبي طريق دمشق. والقفص المعدني الذي يزين النافذة هو خليط من سبعة معادن حسب رواية قديمة ومنها الذهب. وقد نقل الألمان معهم الصفين السفليين من القفص أثناء الحرب العالمية الأولى. وهناك ثمانية نوافذ آخرى غير مزدانة تنير القاعة. وكانت هذه القاعة الفنية واسعة وعالية إلى درجة أعادت مديرية الأشغال العامة بناء أرضيتها قبل سنوات لتحويلها إلى متحف ولكن لم يتم ذلك فوضعت جميع الآثار المكتشفة من مناطق الشمال السوري وخاصة التماثيل الحثية النفيسة في المتحف الحالي.

يؤدي درج القاعة الواقع على الجهة الغربية إلى ممر ضيق سفلي. وكنت أتمنى طوال سنوات عديدة وأنا أقف قرب مختلف مواقع القلعة وقرب جدران هذه القاعة المنورة المهوية أن تكتمل أعمال تنقيب وخاصة ترميم هذا الحصن الهائل.

مياه القلعة: رأينا بأن القلعة كانت تحتوي على صهاريج وآبار مياه غزيرة ليس فقط لحاجات آلاف الحراس والحيوانات والمطابخ والغسيل والحمامات بل لاستخدامها في فترة الحصار التي يمكن أن تطول مدة سنوات. وكانت القلعة تؤمن مياهها من مصادر ثلاثة:

(1)مياه ينابيع حيلان التي كانت تصل إليها عبر بعض الأقنية الأرضية ترفدها على الطريق مياه ينابيع عين التل والقسم الآخر من الأقنية كان يؤمن احتياجات المدينة. وبناء على رواية كانت القلعة مركز توزيع هذه المياه وبيد حاكم القلعة منع المياه عن البيوت الخاصة أو ملئ الخندق العميق بمخزون المياه كله عند الضرورة. ولشبكة الأقنية أبواب بازلتية لفتح أو إغلاق جريان المياه. وعدا ذلك فإن وجود شبكة كثيفة من الأقنية الأرضية يكرهنا على الاعتقاد بأن كمية كبيرة من المياه كانت تمر تحت القلعة.

(2) عن طريق تجميع مياه الأمطار في صهاريج مبنية على سطوح جميع الأبنية الكبيرة والصغيرة في القلعة. وعدد هذه الصهاريج الكبير جداً وسعتها الكبيرة تضطرنا على الاعتقاد بأن الأقنية الأرضية لم تصل إلى الكمال بشكل كاف. وعدا ذلك كان سكان القلعة يحتاطون من أمكانية إغلاق الأقنية أثناء الحصار ويحرموا من هذا العنصر الحياتي الأهم. وكان للقلعة 5 صهاريج  واحدة منها لا تزال في الاستخدام حتى يومنا. وهناك رواية أخرى أكثر منطقية تؤكد بأن أقنية أقل عمقاً في جوف التل كانت توزع المياه على الصهاريج وبقية أقسام القلعة.

(3) عن طريق الآبار:بعد عبور جميع مداخل القلعة الخمسة هناك بئر قديم جداً حسب إحدى الروايات يعود إلى عهد سلوقوس نيكاتور. وعدا عن صعوبة الاستفادة فإن مياهه غير صالحة للاستخدامات المنزلية. وإذا صحّت الرواية بأن البئر يعود بقدمه إلى عصر سلوقوس فعندئذ يجب القبول بأن جميع الأقنية الأخرى يعود بناؤها إلى حقبة متأخرة. وتأكيدنا على ذلك بأن مديرية الآثار لم تعثر على أقنية شيدت قبل الفتح العربي أثناء تنقيبها في باطن القلعة وذلك لإيجاد أية علاقة بين تنظيم توزيع المياه في القلعة والشعوب التي احتلت القلعة قبل المسلمين العرب. وكما أكدنا إن هذا البئر هو الوحيد في القلعة حسب معلوماتنا الحالية والتنقيبات غير الكاملة لم تؤكد لنا إنْ كان البئر الكبير المربع الشكل في الجامع التحتاني بئراً حقيقياً أم مدخلاً بسيطاً يؤدي إلى الصهاريج تحت الأرض.

تنقيبات وتزيينات القلعة.  بسبب أهميتها الأثرية وإهمالها لقرون عديدة جرت تنظيفات ثم تنقيبات في قلعة حلب لتسهيل زيارة الزوار المهتمين ووضع الاكتشافات الجديدة على طاولة علم الآثار.  ويجب دراسة مختلف أقسام هذا الصرح المعقدة ونظام توزيع المياه والممرات السرية في التل لإجلاء المراحل العديدة للتطور عبر العصور الطويلة لأن تاريخ مدينة حلب ينحصر في قلبها أي في القلعة. وعدا ذلك تعتبر القلعة موقعاً أثرياً جليلاً وانطلاقاً من ذلك يجب إنقاذ وجودها الثمين وإعادة مكانتها الكبيرة القيمة والحيلولة دون حدوث تخريبات جديدة. ونظرة سريعة على كتلتها الهائلة وخندقها الذي يحيطها من جميع الجهات وهندسة مدخلها الرئيسي الرائع والبانوراما الرائعة التي تبرز من خلال أبراجها تكفي كي نقرأ الأحداث الجسام التي كانت القلعة أثناءها مسرحاً للحروب والحصار والتدمير خلال 25 قرناً ونيف. وقلعة حلب هي الوحيدة التي على الرغم من الخراب والحرائق والضربات القوية المسددة إلى سفوحها وسورها وأبراجها المشيدة بالحجر تحملت آلامها ببسالة ولعقت جراحها كالتنين وتمكنت من الاستمرار على الحياة بالكفاح العنيد المر كي لا تنهار وتزول كما جرى لكركميش وأعزاز وأنطاكية وحماة و Emessa (حمص-المترجم) وقادش ورأس شمرة وأفاميا وبعلبك وتدمر ومواقع عديدة أخرى. وكما أهرامات مصر هي عزيزة على القاهرة كذلك هذه القلعة البديعة هي ملهمة مدينة حلب لأن الحلبيين القدماء صبّوا عبقريتهم في هندسة عمارتها ومنحوتاتها ومنظومة أقنيتها المعقدة وفنها العسكري معتبرينها حصناً لإحساساتهم الروحية وملاذاً للدفاع عن عرضهم وحياتهم.

انطلاقاً من هذا المعنى تعترف مدينة حلب بجميل الحكومة الفرنسية في هذا المجال لأنه بسبب تشجيع الجنرال بيوت ورعاية الجنرال بيشو- ديكلو من بعده قام القائد مارتين وجماعة من جنوده بالتنقيب في القلعة في عام 1923 واستمر العمل من قبل السيد لوي لافاستر.  G. Ploix de Rotrou (La Citadelle d’Alep) Alep-1930

بعد نزول 200 درجة منقورة في الصخر التي تؤدي إلى الصهريج الشمالي لوحظ وجود قطع قرميد مبسّطة ذات طبقتين يصعب فكهما بسبب الملاط ومنثورة هنا وهناك وصُنعت بالطراز الروماني والبيزنطي ودُون على إحداها رقم IV اللاتيني الذي يشير إلى الجيش الروماني الرابع Legio Scythici المتمركز في شمالي البلاد في عام 63 م لمحاربة الأرمن والبارثيين ثم أعيد تسميته ب Flavia في عهد الامبراطور نيرون. لذلك يمكن اعتبار هذه القطع القرميدية والصهريج من العهد الروماني حتى ظهور معلومات جديدة تثبت غير ذلك. وهذا الصهريج الذي يصل عمقه إلى 50 م تقريباً مؤلف من ثلاث غرف مقنطرة تتواصل من الجهة الخارجية بمركز عام يشبه البئر ونجد حوله الدرج الحلزوني الذي ذكرناه. ويشبه مسقط هذه الغرف المقنطرة صليب ذو ثلاثة أضلاع. وعلى الرغم من جميع أشكال التحريات بقي مصدر المياه الذي كان يملأ هذا الصهريج لغزاً. وعندما وصلت الأعمال إلى مرحلة إزالة الأتربة اتخذت ترتيبات احترازية للحيلولة دون حدوث انهيارات. وقد شوهد في المرة الأخيرة وجود باب حجري على بعد حوالي 100م من الصهريج سدت أحجار الساكف الكبيرة المدخل وحجر كبير قديم الملامح عليه كتابة لاتينية لا يمكن قراءتها كذلك شاهدة قبر باللغة اللاتينية أيضاً جاءت عليها هذه الجملة:((أقام وريث هذا النصب لتخليد ذكرى سيده واعترافاً بجميله)). وقد اكتشف على يمين مدخل القلعة مدفن قديم وبعد تنظيفه من الأتربة ظهر أمام المنقبين مدفن Sarcophage بيزنطي جميل. وتصل أبعاد هذا المدفن الحجري إلى 257x118x85 سم وهو منقور في صخرة حوارية كبيرة تميل إلى اللون الوردي التي تمتاز بها هذه البلاد. . .  وبعد قراءة الكتابة اليونانية الجميلة المنقورة في الصخر تأكد بأنه مدفن مسيحي:((هذا ضريح المرحوم الخوري التقي موندوس الذي شيده شقيقه)). أما تاريخ هذه الكتابة والزخارف التي حولها فإنها تعود إلى القرن 6 م أو بدايات القرن 7 م ووجود هذا القبر البيزنطي دليل على وجود كنيسة في القلعة قبل فتح العرب للمدينة بقليل(دخل العرب المسلمون المدينة صلحاً عام 636 م عبر باب الجنان-المترجم). وكان الرحالة Eusebe de Salle قد رأي القبر في عام 1837 وقرأ الكتابة عليها.

نهاية اكتشفت في وسط القسم المنبسط العلوي للقلعة قاعة مقنطرة تستند أقواسها على أربعة ركائز كبيرة وهي ذات ثلاثة أقسام ومتوجهة كاملة نحو الشرق. وأرضية الغرفة مطمورة تحت طبقة ترابية. ونجد قرب إحدى زواياها بئراً وغطاء حجرياً كبيراً إلى جانب فتحته. ويقول Eusebe de Salle:(( في البئر وعلى عمق 12 م توجد فتحة لا أعلم إنْ تؤدي إلى قاعة أو صهريج أو كهف عميق لأن الظلام الدامس حال دون تمكني من الدخول لإجراء دراسة كاملة. . . )).

شيد سلطان القاهرة قايتباي الجركسي الذي كان يقطن في حلب في ذلك الوقت قصراً باهراً في عام 1473 م فوق البرج الكبير الذي يشرف على جميع أبواب المدينة ويمكن الدخول إليه من الجهة الشرقية للبرج. ونجد هنا أيضاً باحة مرصوفة وطريق ضيقة قصيرة حولها تؤدي إلى سطح البناء. ويقودنا باب آخر مبني بمداميك الأحجار البازلتية السوداء والأحجار الوردية اللون إلى قاعة واسعة حيث لا تزال تقف بعض الأعمدة البازلتية في مكانها. وفي القاعة نافذة جميلة مزينة بقضبان حديدية تطل على منظر بانورامي واسع. وبناء على رواية محلية صُنعت هذه القضبان بخليط من سبعة أنواع من المعادن المصهورة. وهناك درج على الزاوية الشمالية-الشرقية يؤدي إلى فسحة في الطابق السفلي ودرج آخر على الزاوية المقابلة يؤدي إلى المناطق الدفاعية للقلعة وخاصة باتجاه فتحات ضيقة لرمي النبال وسقاطات لصب السوائل المغلية كالرصاص والزيت والماء والزفت على المغيرين. ونجد على جدران بعض الممرات هنا كتابات عبرية وهي شواهد قبور اليهود استخدمت لبناء القلعة. وبعد الخروج من قصر قايتباي والاتجاه شمالاً وعلى بعد بضع خطوات نجد بقايا باب قصر بالطراز المعماري العربي شيد من قبل الأمير سيف الدين شابقالي في عام 1425م كما تؤكد الكتابة الموجودة عليه. وعلى الجهة المقابلة تقريباً وإلى اليسار هناك بئر بمياه مالحة يؤكد بعضهم أنه بني من قبل الملك الفارسي خوسرويس وينسبه آخرون إلى سلوقوس نيكاتور. ويصل عمقه إلى 60 م ويُنزل إليه ب 125 درجة. ونجد هنا بالذات قبر الخوري موندوس البيزنطي. ونجد على حافة سطح القصر أسدين من حجر البازلت في حال خراب كبير. وعلى بعد بضع خطوات يقع “حبس الدم” وفوقه غرفة صغيرة نصف دائرية لمبيت السجان ويمكن النزول إلى فناء السجن الواسع المليء بالأنقاض بمساعدة الفانوس.

نجد أمام مدخل هذا السجن ساركوفاك يوناني- روماني اكتشف من تحت الأتربة في 27 تشرين الأول عام 1934 وكانت النساء المسلمات العواقر يصلين ويشعلن الشموع بالقرب منه.  وهذا المدفن مصنوع بالمرمر الأبيض ويصل طوله إلى 210 سم وارتفاعه الخارجي إلى 80 سم وعلى وجهه الأمامي كتابة يونانية-رومانية جميلة ونقش لإلهتين مجنحتين وبينهما إكليل بمختلف أنواع الفاكهة وعلى زاويتي الجبهة الأمامية كان هناك نقش رجلين مجنحين بثياب فضفاضة ويبدو أنهما ملاكا الموت وقد تخربت يداهما ووجهاهما بشكل كبير وزالت كتاباته بسبب العوامل الطبيعية ولؤم الإنسان وجهله. ونجد تحت كل إكليل عنقود عنب. وقد تم تخريب زخارف القبر الأخرى أيضاً.  وقد ذكرEusebe de Salle  أنه رأى هذا المدفن في عام 1838. على الجهة اليسرى من المدفن يوجد بئر آخر. وتقول الرواية الشعبية بأن “مَن يحرّك الماء سيتعرض إلى الموت المبكر”.  ويرتبط هذا المكان أيضاً برواية أخرى تقول بأن النبي إبراهيم توقف في هذا المكان أثناء هجرته من بلاد كنعان إلى الأردن وكان عطشاناً وجائعاً فسارع إلى حلب وحلب بقرته ومنه اشتق اسم المدينة. ورواية أخرى تقول بوجود هيكل كنيسة في هذا المكان تحيطه بعض الأعمدة ذات تيجان فقام نور الدين ببناء جامعه على هذا الموقع في عام 1189م وكان زيت الفوانيس الخاص يحتفظ في الئر القريب كما تشير الكتابات المنقوشة على جداره. وتؤكد إحدى الكتابات الموجودة داخل الجامع أيضاً بأن الملك العادل شقيق صلاح الدين الذي تزوج من شقيقة ريتشارد قلب الأسد شيد جامعاً ومنهلي ماء إلى جانبه يحتوي أحدهما على نقش صبي فتأتي النساء للصلاة وحرق الشموع بسبب تأخر أولادهن في المشي. ونجد على المنهل الآخر نقش ثديين كانت النساء اللواتي يجفّ حليبهن يحككن صدورهن بهذا النقش.  وهذه الطريقة من العبادة مرتبطة على الغالب برواية حلب إبراهيم لبقرته. وكانت النساء المسلمات والمسيحيات يزرن قلعة مدينتهن العجائبية لتقديم النذور من أجل طلب الخصب وزيادة الحليب وسرعة مشي أولادهن. لقد زال الكثير في قلعة حلب ولكن الشيء الموسف عن حق هو اختفاء محراب الجامع في عام 1922 الذي شيده نور الدين ولا أحد يعلم بمصيره حتى الآن.

مدفن روماني: هناك جامع ثان على الجهة الشمالية للقلعة وهو في حالة خراب كامل. ونقرأ على إحدى كتاباته الجدارية أن الملك الظاهر قام بتشييده في عام 1214م.  وهناك كتابة أخرى تعود إلى عام 1689 تأمر بعدم استخدام الجامع سوى للصلاة.  ولكن برج الجامع لا يزال قائماً ويصل ارتفاعه إلى 20 م فقد تم ترميم القسم العلوي منه في السنوات الأخيرة ومن هذا المكان يمكن مشاهدة البانوراما الواسعة لمدينة حلب العجيبة الخالية من أية مساحة خضراء عدا بعض البساتين التي تظهرعلى الأفق البعيد.  ويعود برجا القلعة الشمالي والجنوبي الخارجيين إلى فترة المرداسيين فقد رُمما للمرة الثانية بعد الاجتياحات المغولية.

بعد التوجه إلى الجهة الشرقية من الجامع نجد الثكنة التركية القديمة التي شيدت في عام 1851 حيث تتمركز الآن قوات الانتداب الفرنسية وعلى مسافة غير بعيدة هناك الصهريج الروماني الشهير الذي رُمم من قبل الملك الظاهر ثم السلطان العثماني سليم يافوز (سليم الأول- المترجم). وعندما احتل إبراهيم باشا المدينة أمر ببناء طاحونة هوائية لا تزال آثارها باقية.  و Eusebe de Salle  الذي زار حلب في عام 1833 كما ذكرنا قبل الزلزال الأخير يروي بأن القلعة كانت مسكونة وفيها بيوت وثكنات وأسواق وأزقة ويصل عدد العائلات التي تقطن فيها إلى 360 عائلة حتى بدايات القرن 19 وذلك بإذن خاص من السلطان وتكون تحت رعاية آغا القلعة ومن هنا تحول منصب آغا القلعة إلى كنية عند بعض العائلات الحلبية مثل “القلعجي” و”آغا القلعة”.

إذاً كانت قلعة حلب تشكل قلب المدينة وكان جميع السلاطين والأمراء والحكام والباشوات يقطنون في قصرها الجميل الذي يطل على الجهة الجنوبية من المدينة.  وهذا هو السبب في تشييد قصر الحكومة القديم والسراي الباهر الجديد على الجهة المقابلة لقصر القلعة وبالقرب منه.  وقد سردنا الشيء القليل جداً حول هذه المنشأة الباهرة التي كانت تدعى بحق إحدى عجائب الدنيا من قبل الأقدمين وهي مدينة كاملة بعناصرها المختلفة وهي محصنة على تل ترابي وساهمت كحصن وترس دفاعي أمام المغيرين من جميع الجهات وسجّلت ملاحم بطولية رائعة وتحولت مع الأسف اليوم إلى موقع أثري يؤمه الزوار الأجانب.

تاريخ القلعة: يؤكد الأقدمون بأن عجائب الدنيا هي ثلاث:”جب الكَلَب” و”نهر الذهب” و”قلعة حلب” وجميعها تقع في منطقة حلب. ويقول ابن الشحنة عن هذا الجب:((هناك قرية خربة في منطقة جبل سمعان غربي حلب تدعى”جب الكلب” فيها صهريج يشفي جميع الذين عضهم كلب مريض بالكَلَب ويكفي النظر إلى مياهه والشرب منها والاغتسال بها ليشفوا. وقد حدثني منتخب الدين أبي المعالي بن الإسكاف بأن والده عندما استملك الصهريج كان الناس يأتون كالسابق يبتغون الشفاء من مرضهم لكن زالت ميزات المياه العلاجية بعد أن رمت امرأة قطعة قماش ملوثة بدماء الحيض. وقد جرت هذه الحادثة عام 1106-1107. وكان المصاب بمرض الكًلَب يؤمن بأنه سيتعافى من مرضه إنْ ظهرت النجوم على مرآة المياه وإلا فإنه سيسمع عواء الكلاب. وعند رؤية النجوم فإنه سيبول ثلاثة جِراء لم تتشكل سوى آذانها ورؤوسها بعد مرور أسبوع واحد. وشرح زوال ميزات الماء العلاجية على الشكل التالي أيضاً:أخطأ رضوان بن تاج الدولة بتوسيع مدخل الصهريج الذي كان ضيقاً جداً ومحمياً بأربعة أعمدة وجرى تحذيره بترك المواقع العجائبي لحاله خوفاً من زوال ميزاته العلاجية ولكن دون جدوى فزالت صفاتها المذكورة بلمح البصر. وقد حدث هذا في عام 1102-1103م)).

أما بالنسبة للقلعة فيقول ابن الشداد بأنها شيدت من قبل ميشيل ويقال أيضاً بأنها بنيت من قبل سلوقوس الذي أقام مدينة حلب أيضاً. وتقع هذه القلعة على تل يشرف على جميع مناطق حلب وهي محاطة بسور. وكان للقلعة بابان أحدهما حديدي وبئر في وسطه ينزل إليه عن طريق سلّم مؤلف من 125 درجة منقورة في الصخر. وكانت على قعر البئر فتحتان كي ترتفع المياه إلى الأعلى. وكان في القلعة دير مسيحي أيضاً حيث تسكن امرأة أُغلق الباب عليها مدة 17 سنة. ويقال أيضاً بأن الملك خسرويس احتل حلب وقام بهدم سورها وبادر إلى بعض الأعمال الإنشائية في قلعتها. وعندما فتح أبو عبيدة حلب كان جسرها في حال خراب تام بسبب الزلزال القوي الذي لم يضرب منشآت القلعة فحسب,بل دمر أسوار المدينة أيضاً. وعلى الرغم من ترميم الأسوار في موقعها السابق ولكنها ليست بالمتانة التي كانت عليه قديماً وخاصة أن قسماً كبيراً منها كان مهدماً كلياً. ثم قام الأمويون والعباسيون بدورهم بأعمال إنشائية عديدة.  وعندما احتل نيكيفور فوكاس حلب عام 962-963م قاومته القلعة بجيش من العلويين والهاشميين. وكان السور في هذه الفترة في حالة خراب كامل لذلك تمكن نيكيفور أخيراً من احتلال القلعة. ويقول ابن الملا في تاريخه:((هاجم ابن شقيق نيكيفور القلعة بضراوة وطيش إلى درجة أن استلً سيفاً وترساً ومشى شخصياً باتجاهها. وكان الممر ضيقاً جداً لا يمكن عبوره سوى لشخص واحد فترك المدفعون الأمير يصعد نحو مدخل القلعة وعندما وصل رموه بحجر كبير قتلته في الحال فقام البيزنطيون أثناء هذه المعارك الرهيبة بقتل 12,000 مسلماً أسيراً ونيف بالسيف واصطحب نيكيفور آلافاً أخرى من الأسرى إلى بلاده. وكان الامبراطور لا يضايق الفلاحين على درب سيره بل على العكس كان يقول لهم:إزرعوا هذه الأراضي التي هي ملك لنا لأننا سنعود عما قريب إليها. وكان نيكيفور قد أمر بجمع 10,000 صبياً وفتاة ونيف في حلب كأسرى. وبعد أن بات في المدينة مدة ثمانية أيام وقام بالسلب والقتل والهدم والحرق غادرها يوم الأربعاء 1 كانون الثاني عام 963م )). ويتابع بن ملا قائلاً:((وبعد هذه الأحداث انصب هم الملوك على تحسين أوضاع القلعة وتحصينها. وقد أعاد سيف الدولة بناء بعض أقسامها عندما رأى ضرورة ترميم سور المدينة. وعندما استلم ابنه سعد الدولة مقاليد الحكم أقام في القلعة بعض المنشآت لسكناه وأكمل بناء الأسوار التي كان والده قد باشر ببنائها. وقد ابتنى المرداسيون بدورهم القصور ورمموا التحصينات. واستمر العمل بعد احتلال أقسنقر وولده زنكي القلعة وقاما بتحصينها وتركا آثاراً هامة فيها. وقد شيد تاج الدين برجاً على الطرف الجنوبي من القلعة ومستودعاً للمواد الغذائية وأمر بنقش اسمه عليهما. وقد أضاف نور الدين منمشآت عديدة وابتنى فيها ساحة مغطاة بالمرج الأخضر لتدريب الخيول وقام ولده الملك الصالح بإكمال ما بدأه والده. وبذلك عظمت قيمة القلعة الدفاعية بعد هذه الإضافات حتى وقعت تحت حكم صلاح الدين الذي سلمها لشقيقه الملك العادل أبي بكر. وقد بنى هذا في القلعة برجاً وقصراً لولده فلك الدين. وعندما صعد الغازي على العرش حصّن دفاعات القلعة وبنى خزاناً كبيراً للمياه ومستودعاً للحبوب وسوّى سطح منحدر القلعة من الأكوام الترابية وقام برصفها بأحجار كبيرة منحوتة. دُمرت القلعة في عام 1203-1204م وأزهقت أرواح عديدة تحت أنقاضها وبينهم ثابت بن صفو ويس الذي كان قد أمر بتشييد الجدار الجنوبي لجامع حلب الكبير حيث يقع المحراب الصغير. وقد أقام الغازي جسراً للمدخل الذي يوصل القلعة بالمدينة وإلى جانبه برجان وهو عمل لم يقم به أحد قبل ذلك ثم وضع على مدخل القلعة ثلاثة أبواب حديدية وعين لكل منها نقطة حراسة وابتنى قربها بعض المنشآت حيث يمكن للشخصيات العسكرية الكبيرة وبعض الشخصيات المرموقة الجلوس. وهنا وفي هذا المكان كانوا يعلقون أسلحة القتال. وقد فتح أيضاً باباً في السور على الجهة الشرقية للمدخل سماه “باب الجبل” وانتهت الأعمال في عام 1214م. وفي 24 رمضان عام 610 للهجرة=7 شباط عام 1214م انهارت تربة الخندق الملاصقة للقلعة وظهرت 17 قطعة من الذهب الصافي تزن الواحدة منها 97 رطلاً حلبياً(الرطل يساوي 720 غراماً-المترجم). وقد ابتنى في هذا المكان قناة متينة ودرجات تقود إلى الصهريج وكانت القناة توزع المياه لجميع أبنية القلعة. ثم قام بشق ممر سري على الجهة الشمالية للقلعة كسيت جدرانه بالحجر المنحوت لاستخدامه في الأحوال الاضطرارية فقط وينتهي عند “باب الأربعين”. وقد قام الغازي بزيادة عمق الخندق وجلب إليه كميات كبيرة من المياه. وكان الطرف الداخلي لمنحدر القلعة مخصصاً لسكنى الأسرى وكل مسكن كان مؤلفاً من 50 غرفة أو أكثر. وقد شيد في القلعة قصراً سماه “دار العز” في مكان القصر الذي قام بتشييده نور الدين وكان يدعى “دار الذهب” سابقاً. وكان في الموقع ذاته قصر مزدان بأعمدة يسمى “دار الأعمدة” وقصر آخر باسم الملك رضوان الذي ذاع صيته. وهناك قصيدة مدح طويلة لهذا القصر تعود إلى الشاعر الرشيد عبد الرحمن بن النابلسي ألقيت أمام الغازي في عام 1193م يصف فيها بركة القصر ونوافيرها وأشجارها الباسقة الجميلة وينهيها بمدح الغازي. وقد أقام الملك حول هذا المسكن الباهر أبنية وغرف وحمامات وبستاناً واسعاً يحتوي على أشجار وأزهار مختلفة الألوان وقنطرة أمام المدخل وعلى الجهة المقابلة للقصر يُدخل عبرها إلى المكاتب المخصصة للسكرتيريين والعسكريين والإداريين. وعندما اقترن الغازي في عام 1212م بالضيفة خاتون بنة الملك العادل أسكنها في هذا القصر. ولكن النيران التهمت كل ما فيه من سجاد وأثاث وجواهر وآنية ثمينة وغيرها بعد مدة قصيرة من زواجه. وقد وقعت هذه الحادثة المؤسفة في 9 تشرين الأول من العام ذاته وجرى إصلاح القصر بعد فترة قصيرة وأعيد تسميته ب “دار الشخوص” بسبب وجود صور نقشية على جدرانه وبينها صور آدمية عديدة. وكان طول وعرض القصر الجديد يصل إلى 40 ذراعاً. وفي شتاء عام 1225م وفي عهد الملك العزيز محمد انهارت أبراج القلعة العشرة على مساحة 500 ذراعاً في أقرب نقطة من القصر العدلي وانهدم أيضاً قسم من الجسر الذي بناه الغازي. والأتابك شهاب الدين طغرل الذي كان قد آل على نفسه بترميم وإعادة بناء جميع هذه الأقسام جمع حوله معلمي بناء عديدين لاستشارتهم. وقد نصحه هؤلاء ببدء الأعمال الإنشائية من أساسات الخندق ورفع الجدار الحجري تدريجياً إلى سفح القلعة المنحدر من أجل تأمين المتانة وإلا ستكون هذه المنشآت تحت تهديد الانهيار الدائم. وأيقن الأتابك بأن المشروع بحاجة لأموال طائلة ووقت طويل فأمر بقطع أشجار الزيتون والتوت لاستخدامها أساساً ثم تشييد المنشآت وحصل ما كان متوقعاً فقد تمكن المغول من احتلال القلعة من هذا الطرف بالذات.

أقام الملك العزيز عام 1230 قصراً قرب مستودع الأسلحة يصل طوله إلى 30 ذراعاً. وعندما احتل المغول القلعة في 23 شباط عام 1260م قرروا هدم أسوارها ومستودعات الأسلحة وغيرها من المنشآت إلا أن الملك المظفر قطز تمكن من دحر وملاحقة فلول الجيش المغولي حتى عين جالوت. وعاد المغول ثانية بعد وفاة قطز ووجدوا بأن هذا الملك كان قد شيد برج حمام في القلعة فلم يعجبهم ذلك فقاموا بهدم القلعة حتى أساساتها ولم يبق منها أثر ثم استمروا في عمليات التخريب بهدم قصورها ومستودعات الأسلحة فيها ولم يتركوا بيتاً يمكن السكن فيه وحرقوا المقامين. وقد جرى كل ذلك في شهر كانون الأول من عام 1260م)).

يكرر ابن الخطيب ما ذكره ابن الشحنة مضيفاً بأن نوافذ القلعة لم تكن متينة ومحصنة وجميع ملوك وحكام القلعة والمدينة لم يسكنوا في القلعة بل في قصورهم الواقعة في المدينة.  ثم يستطرد قائلاً بأن((سلاطين حلب اهتموا بعدئذ بإعادة بناء القلعة وترميمها. وقد تمكن أحد القواد العرب من احتلال القلعة بعد القيام بعصيان ضد سيده لولو بن مرتضى الدولة المنصور وسلمها لممثلي الحكيم ولكنه قُتل في النهاية في قصره. وقد تم تدمير قصره بعد وفاته لتمتين وتحصين القلعة. وكان حمام القصر قد حول إلى دير مسيحي فأمر الغازي بهدمه وابتنى مطبخاً خاصاً به في مكان الدير. وعندما قتل الغازي قرر الملك الظاهر وابنه المستنصر تعيين حاكم خاص للمدينة وحاكم آخر للقلعة من الآن فصاعداً خوفاً من انفجار عصيان جديد. ولكن عندما احتل المرداسيون مدينة حلب آثروا على جعل القلعة مسكناً لهم وسار الملوك بعدهم على هذا المنوال وخاصة الملك الغازي الذي حصّن من دفاعاتها وشيد فيها مستودعاً كبيراً للمياه)). ويعدد المؤرخ بعد ذلك ما ذكر أعلاه ويضيف بأن هولاغو قام بهدم أسوار حلب.

يروي بن الملا في تاريخه بأن صالح بن تيمال كان مكرهاً على مغادرة المدينة إلى الحلة بسبب مشكلة مع زوجته فقد ركب شقيقه نصر الحصان متظاهراً بالخروج من المدينة عبر باب بغداد. ولكنه عندما وصل إلى باب القلعة استل السيف وهاجم الحراس بصحبة رفاقه وبسبب ارتعاد الحراس الكبير سمح لنصر بالمرور. وعندما دخل هذا إلى قصره صرخ بصوت عال:أزاحني أخي عن العرش ظلماً لأنني أقدر منه على حكم الناس بينما هو أجدر بحكم النساء لا الرجال. ثم أمر بوضع سلاسل على باب القلعة لمنع مرور الفرسان ودخول أي إنسان مسلح حتى أقرب المقربين إلى حاكم القلعة وبذلك أصبح نصر الحاكم المطلق للمدينة والقلعة وعين رجل دين مسيحي هو يوسف بن أبي الفرج وزيراً الذي باسمه كان يدعى حمام حي الجلوم. وكان هذا الوزير المسيحي شخصية خيّرة وإدارياً محنكاً)).

يروي ابن الشحنة حول جرس معلق على جدار أحد الأبراج الغربية للقلعة يشبه التنور وكان هذا الجرس يدق ثلاث مرات ليلاً:المرة الأولى عند بداية الليل إشارة بأن الصلاة قد انتهت. والثانية في منتصف الليل للاستيقاظ. والمرة الثالثة للإعلان عن بزوغ الفجر.

يذكر ابن أبي الطيء مفصلاً حول سبب تعليق الجرس على القلعة:((عندما احتل الفرنجة مدينة أنطاكية في عام 1008م, وكانوا ينوون احتلال حلب,قاموا باجتياح البلاد وسلبها واستولوا على معرة النعمان وقتلوا جميع من صادفوهم من السكان فارتعد رضوان بن تاج الدولة طوطوش من الفرنجة لأنه لم يجد في نفسه بسالة وحمية كافيتين لردهم على أعقابهم فاضطر على عقد معاهدة صلح معهم. وقد فرض الفرنجة على رضوان وجماعته دفع جزية سنوية نقداً وعيناً على شكل خيول وتعليق هذا الجرس على جدار القلعة ووضع شارة الصليب على جامع القلعة الكبير فاستكان رضوان لجميع الشروط إلا أن كبير قضاة حلب يحيى بن الخشاب بن أبي الحسن,الذي كان شخصية متنفذة في المدينة,اقترب من رضوان وبيّن له بأن وضع الصليب على مئذنة الجامع الكبير للقلعة سيكون جريمة كبرى. وبعد مباحثات طويلة وافق الصليبيون على وضع الصليب على الكنيسة التي قامت الامبراطورة هيلانة والدة الامبراطور البيزنطي قسطنطين بتشييدها التي حولت لاحقاً إلى مدرسة إسلامية وتسمى الآن “المدرسة الحلوية”. ولأن الفرنجة كانوا قد هدموا المقابر الإسلامية حول المدينة قام القاضي ابن الخشاب بالاستيلاء على أربعة كنائس مسيحية وحولها إلى جوامع ومنها كنيسة هيلانة وأنزل الصليب من جدارها. أما الجرس المعلق في القلعة فقد ظل في مكانه حتى وصل الشيخ أبو العبد الله بن حسن وهو من المغرب إلى حلب. وعندما سمع الشيخ صوت الجرس وهو يمر قرب القلعة توجه إلى مرافقيه قائلاً:ما هذا الصوت الكريه الذي أسمعه في المدينة؟هذا الصوت هو إشارة لتجمع الصليبيين. وقد شرح مرافقوه بأن ذلك عادة قديمة في حلب لكن الشيخ أبدى امتعاضاً أكبر بعد سماعه لتلك الشروحات فسد أذنيه بيديه وجلس على ركبتيه منادياً:ألله أكبر, ألله أكبر وفجأة سقط الجرس بضوضاء عال في حفرة كبيرة وتحول إلى حطام متناثر. وقد جرت هذه الحادثة عام 1191م. وإثر ذلك عُلق جرس ثان سقط بدوره في اللحظة ذاتها. ومنذ ذلك الحين زالت عادة تعليق الجرس في القلعة)).

يقول ابن العديم بن حسن المغربي الزاهد في السطور المهداة لمحمد بأنه ((كان شخصية مرموقة يعرف القرآن والأحاديث النبوية جيداً. وعندما حل بحلب نزل في”دار الضيافة” الواقعة على ساحة قرب قلعة حلب وكان أغنى إنسان في المغرب لكنه تنازل عن جميع ما يملك وانصرف للعبادة فحج إلى مكة وقطن في حلب وذهب إلى لبنان حيث توفي كما يروى)).

ظلت القلعة في حالة خراب حتى رممها الملك الأشرف الخليل بن قلاوون. بعد روايته كيف قام تيمورلنك بحرق القلعة وأسوارها يقول ابن الشحنة:((بقيت القلعة خربة حتى عُين الأمير سيف الدين جكم حاكماً لها من قبل السلطان الناصر فرج بن برقوق.  وقد رغب السلطان بالإشراف شخصياً على أعمال الترميم والبناء ولم يكتف بذلك بل اشترك بالعمل مع أعوانه الكبار)). ويقول ابن الشحنة عن نفسه بأنه كان شاباً يافعاً في ذلك الوقت ورأى ووالده بأم عينيهما كيف كان الأمراء الكبار ينقلون الأحجار على ظهورهم. وقد هدم أثناء الأعمال الإنشائية “سوق الغازي” قرب الخندق والمدرسة الدينية التي أسسها السلطان حسن الواقعتين أمام هذا الباب. وكان هناك قوس كبير وبناء واسع يقعان على الجهة الشمالية من الخندق باسم “باب القوس البرّاني” وقوس آخر على الجهة الغربية من القوس السابق قرب “سوق الخيل” يصل حتى القصر العدلي وكانت تجارة الخيول تجري بين هذين القوسين.  والقوس الثاني أكبر من القوس الأول وكان يسمى “باب القوس الجواني”. وقد أمر السلطان جكم بهدمهما واستخدم أحجارهما المجلية في بناء برجين ثم أعاد بناء بعض جدران القلعة والبرجين الواقعين على منحدر التل العلوي بالقرب من المدخل وأمر بتشييد قاعة كبيرة على سطحهما. وقد شيدت هذه القاعة عام 1406م لكن لم يغطّ سقفها بسبب عدم وجود العوارض الخشبية الطويلة. وعندما وصل الملك المؤيد الشيخ إلى حلب أمر بتغطية القاعة بجلب الأخشاب الضرورية من دمشق بعد قطع الأشجار العالية. وقد وصلت الأشجار ولكنها كانت طويلة وضخمة جداً فاستخدم قسم منها فقط. ويؤكد قاضي القضاة فقيه الدين وهو شقيق ابن الشحنة بأن الأمير جكم أمر مؤيد الشيخ بجلب القسم الآخر من الخشب من بعلبك ودمشق. وقد شيد جكم البرجين الواقعين على منحدر التل الواحد منهما على جهة سوق الخيل والآخر على الجهة الشمالية لباب الأربعين ثم قام بتحصينهما. J. Sauvaget (Les Perles Choisies d’Ibn ach-Chihna) I, Beyrouth-1933

الوضع الحالي للقلعة: قلعة حلب الشهيرة إحدى أجمل القلاع في العالم إنْ لم نقل أجملها فقد تغنى بها الشعراء المحليون والزوار أصحاب الأقلام الحساسة. وتمتاز القلعة بشكلها العجيب وخاصة في ساعات الأمسيات الحلوة أو في سكون الليل عندما يختلط ضوء برجها بأضواء المآذن الساطعة. قلعة تشرف بقامتها التي تصل إلى 60 م وخندقها الواسع العميق حيث كانوا يلقون المحكومين بالإعدام. وقد بقيت الأحجار المنحونة المرصوفة على الطرف الجنوبي-الغربي من سفحها لأن بقية الأحجار تزحزحت وسقطت بفعل الأمطار الغزيرة. وقد استخدمت هذه الأحجار المنحوتة أثناء الاحتلال المصري لبناء ثكنة كبيرة ومستشفى عسكري وقطع أخرى استخدمت لاحقاً في تشييد مدرسة السلطانية. وللقلعة شكل بيضوي وأكبر قطر له يصل إلى 500م وأصغر قطر إلى 400م كذلك فإن أبعد نقطتين بين السور هو محور شرق-غرب ويصل إلى 300م بينما محور شمال-جنوب يصل إلى 150م. وبناء على رواية ليست بعيدة عن الحقيقة هناك ممر سري تحت الأرض يوصل القسم الداخلي للقلعة بكهوف قرب حديقة السبيل الماثلة أمامنا حتى اليوم على الجهة الشمالية لمدرسة الفرير ماريست. وإنها حقيقة أن للقلعة بعض الممرات تحت الأرض الواحد منها يصل إلى الخندق الغربي والآخر ينتهي أمام مدرسة الصنائع. ومن المؤكد أيضاً وجود طرق سرية إلى القصر القديم حتى القرن 19 قرب جامع السلطانية وعلى الجهة الجنوبية منه. وحالة الأسوار والأبراج اليوم ليست جيدة على الرغم من تحملها للزلازل القوية الأخيرة. وتسود الأوضاع ذاتها في المنشآت الداخلية للقلعة وهي عبارة عن كتل أنقاض وبالكاد يمكن معرفة وبيان طبقات الأبنية المختلفة وتاريخ بنائها أو العصور التي تنتمي إليها وخاصة عند غياب التنقيبات والدراسات المنهجية. والملاحظ منذ سنوات طويلة بأن الأقسام العلوية فقط تجري عليها الترميمات والإنشاءات الوقتية. ومع ذلك فإن المدخل الرئيسي للقلعة في حالة جيدة ويُفتح نحو برج كبير وفوقه أنقاض قصر. ويمكن الصعود إلى هذا المدخل عبر جسر مقنطر شيد مكان جسر خشبي متحرك يؤدي إلى فسحة أمام الباب الرئيسي للقلعة. وهذه الفسحة وبابها في وضعها الحالي شيدا من قبل الملك الظاهر بن صلاح الدين كما يظهر من الكتابات التي تزين الباب والجدران. والباب الأول المغطى بالحديد المطروق مزدان بالكامل بحدوات وعليه تاريخ 1212. وعندما نلج إلى الداخل عبر هذا المدخل نجد أمامنا درجاً بأحجار محززة ينتهي عند باب حديدي ثان مشابه للباب الأول فقد رممه السلطان خليل بن قلاوون في النصف الثاني من القرن 13م. ونجد على ساكف هذا الباب ثعبانين منقورين في الصخر ولكل واحد منهما رأسان. وهناك كتابة في الأعلى تؤكد بأن الملك المصري الظاهر بيبرس قام ببنائها في عام 1484م. وبعد صعودنا نجد على يمين الطريق مقام يحيى أو الخضر حيث فانوس ينير المكان طوال اليوم حتى المدة الأخيرة. وعلى بعد عدة خطوات من المقام نرى درجاً خرباً يؤدي إلى قاعة القصر العلوي. وأمام هذا الدرج وتحت قوس مقنطر نجد أسدين وبينهما زهرة الزنبق يسميان بأسدي بيبرس. وهناك على ساكف الباب الخامس نقش أسدين أيضاً اليمين منهما يضحك واليسار منهما يبكي حسب الرواية وتؤكد الكتابة بأن الأسدين نقشا في عام 1210م.

 

ينفرد “ملحق أزتاك العربي للشؤون الأرمنية” بنشر صفحات كتاب “تاريخ حلبللأسقف أردافازت سورميان.

* من كتاب تاريخ حلب” للأسقف أردافازت سورميان، مطران الأرمن الأسبق في حلب، (1925 – 1940)، ترجمه عن الأرمنية الدكتور ألكسندر كشيشيان، عضو اتحاد الكتاب العرب وجمعية العاديات، حلب، 2006.

 

Leave a Reply

Your email address will not be published.