الذكرى المئوية للإبادة الأرمنية: إطلاق تحالف الضحايا العالمي

سعد_سلوم1

سعد سلوم*

كتب الكثير من الأدبيات حول الإبادة الأرمنية طوال قرن من الزمن،  مقدمة كمّاً هائلاً من التفاصيل عن واحدة من أعظم الفظائع التي ارتكبت في القرن العشرين، وفرت هذه الأدبيات حساباً رسمياً للأصول والأحداث وعواقب السنوات 1915 و 1916، والدور الذي لعبته الإبادة في بناء الدولة القومية التركية والهوية التركية، واستكشفت مختلف جوانب أيديولوجيات السلطة وسيادة وعنف الدولة، ودرست عواقبها والآثار المترتبة على عمليات الترحيل، ومحاولات تقديم المسؤولين الذين ارتكبوا الفظائع، وّفر لنا هذا فهماً لا غنى عنه  لحلقة أساسية من تاريخ العنف والإبادة الجماعية في التاريخ.

وقد أثبتت الأحداث الأخيرة في الموصل/العراق وقبلها في يوغوسلافيا ورواندا وتيمور الشرقية ودارفور كيف أن تهديد الإبادة الجماعية لا يزال قضية رئيسية في السياسة العالمية،  ومع توفر كم جديد من التفسيرات المختلفة للإبادة الجماعية من علم النفس وعلم الاجتماع والأنثروبولوجيا والعلوم السياسية تم تحليل تأثير العنصر أو العرق أو القومية والجنس على جرائم الإبادة الجماعية.

لذا، أعتقد أننا وبعد مرور مائة عام، لا يمكن أن نضيف شيئاً إلى ما كتب من قبل، لكن من المهم لنا أن نتحدث في سياق أكثر عملية وراهنية. بالنسبة لي كأكاديمي ينشط في مجال الدفاع عن حقوق الانسان وقيم التعددية، وكعضو في لجنة إحياء الذكرى المئوية للإبادة الأرمنية في العراق أركز على جوانب أساسية في الاحتفال بالذكرى المئوية أراها ذات صلة بما يحدث في بلدي، وهو ما يجعل لقيمة التذكر معنى يقع داخل السياق المحلي أيضاً.

أعتقد أولاً أن علينا عدم التركيز كثيراً على الماضي؛  وأن نبقى أسرى إلى رماده، بقدر ما نحلل قوى الواقع في الحاضر والتي تعيد إنتاج أخطاء الماضي وفظاعاته، ومن ثم ننتقل إلى تحليل كيفية استخدام هذا الماضي وكيف يتم تصوره. مثل هذا التحليل كفيل بكشف الهياكل المعرفية للسلطة وكيفية استخدام النخب السياسية “سماسرة الهوية” الماضي خدمة لأغراضهم.

فمن خلال تحليل الأوضاع الراهنة حول حدث ماض مؤسس للإبادة نستطيع إلقاء ضوء على فهمنا المعاصر للهوية والعدالة والتعايش بين الأعراق، وهو ما يشكل بالنسبة كشرق أوسطيين سؤالاً جوهرياً يتعلق بمستقبل بلداننا في ضوء انفراط التعددية وتصدع العلاقة بين الدولة والمجتمع، وسيرورات الإبادة المرتسمة في سوريا والعراق، وما  سيتبعها من إبادات نتيجة فقدان الثقة بين الجماعات الأثنية.

علينا أن نقف تماماً ضد أي تلاعب سياسي بالذاكرة، فأن يكون أكثر من ستين مليون شخصاً ضحايا الإبادة الجماعية في القرن العشرين وحده، بما في ذلك الخسائر الأخيرة في البوسنة ورواندا، وبمعزل عن ضحايا دارفور والعراق، فذلك يستحق منا وقفة لمنع تكرار هذا العنف عن طريق أية سياسة لتأويل الماضي تفتح الطريق أمام التصنيف والتمييز، ومن ثم المناخ الملائم لارتكاب الإبادة.

ترتبط المشاعر البدائية العدائية المنطلقة العنان إلى حد بعيد بطرق التلاعب بالذاكرة، وخلق مستويات أو مظلوميات، مشكلة من ذكريات الألم أو الظلم الحقيقي أو الوهمي استثماراً لسياسات سماسرة الهوية المعاصرين ونخب البزنس الاثنوطائفي، وعلى نحو يحفز أتباعهم على القتل لتحقيق مكاسب سياسية ومصالح ضيقة.

لذا، أرجو أن يكون انطلاق إحياء الذكرى المئوية مناسبة لحراك ثقافي وفكري لتحليل آليات التلاعب بالذاكرة من أجل فهم كيفية تفجر نوبات التطهير العرقي والقتل الجماعي، وبالتالي نكون قادرين على منع وقوعها في المستقبل. الأمر الذي يتطلب منا مراجعات وإصلاحات في طرق تفكيرنا كما في إصلاح مناهجنا التعليمية.

  وما دام إحياء الذكرى لا يتمحور على الماضي بقدر ما يهدف إلى إثارة سؤال مستقبلي حول كيفية منع الإبادة المقبلة، فإننا نأمل ونعمل على أن تصبح الذكرى مناسبة للتشجيع على تكاتف دولي لمنعها في المستقبل، فشعار الذكرى المئوية “نتذكر ونطالب” لا يتعلق بسياق أرمني خالص فحسب، بل ينطوي على دعوة إنسانية عالمية، أي أن “نتذكر ونطالب لكي لا يحدث هذا لشعوب أخرى”.

وفي هذا السياق، هناك رسالة مهمة في هذه المناسبة توجه إلى المجتمع الدولي، أو بعبارة أدق دعوة إصلاحية حول تطوير الهياكل والأطر المؤسسية الدولية لمنع الإبادة المقبلة. وقد قدم  المجتمع الدولي أكثر من وعد رسمي للتصدي للإبادة، لكن الإبادة ما تزال تحدث، وستحدث الآن وبعد حين وسط صمت دولي، وسياسات انتهازية، وأحياناً بمشاركة وتواطؤ الدول الكبرى.

وقد يكون مثيراً للدهشة أن الولايات المتحدة، التي قادت محاكمات نورمبرغ ضد الإباديين النازيين لم  تصدق على الاتفاق الدولي حول منع جرائم إبادة الأجناس حتى بعد ما يقرب من 40 عاماً، إلى أن وقع الرئيس ريغان في لحظة صحوة متأخرة على مشروع قانون اتفاقية الإبادة الجماعية.

وبالرغم من ذلك لم تحرك الولايات المتحدة ساكناً لمنع إبادات جديدة، فمنذ نهاية الحرب العالمية الثانية، عدّ المجتمع الدولي الإبادة الجماعية جريمة ضد الإنسانية. لكن في فجر القرن الحادي والعشرين كانت قد حدثت مراراً وتكراراً.

لماذا ظلت الإبادة الجماعية تحدث في القرن الحادي والعشرين، ولماذا ظلت الولايات المتحدة غير فعالة في منعه وإيقافه بمجرد أن يحدث؟.

هذا سؤال مهم، لكي لا نضع بيضنا في سلة الدول الكبرى وسياساتها الحمائية، فهي من دون شك لن تقدم رد فعل لا يتطابق مع مصالحها الأنانية، لذا فإن الصمت والنسيان سلوك نموذجي، هذا إذا ما  تحدثنا عن سلوك سلبي في المراقبة والصمت.

أما إذا افترضنا مساهمتها الايجابية في الإبادة، فذلك كفيل بجعلنا حذرين تماماً في المراهنة على الهياكل الرسمية للسلطة، ويكفي في هذا السياق ان نطالع كتاب Andrew Wallis   والمعنون بـ  ” Silent Accomplice” لكي تقشعر أبداننا من تفاصيل القصة غير المروية لدور فرنسا في الإبادة الجماعية في رواندا، إذ لم يكن ذبح مليون من التوتسي على يد الهوتو في عام 1994 رمزاً لعجز المجتمع الدولي في مواجهة فظائع حقوق الإنسان فحسب.

هذا المجتمع الدولي وفي مقدمته القوى السياسية في الغرب والتي تتصدى لقيادة النظام الدولي، هذه القوى حسنة النية شكلاً، وغير الفعالة في نهاية المطاف، كانت مساهمة في الإبادة، إذ إن فرنسا  قدمت سراً الدعم العسكري والمالي والدبلوماسي لمرتكبي الإبادة الجماعية طوال الوقت.

فرنسا كانت حريصة على نفوذها في أفريقيا، حتى لو كان ذلك يعني التواطؤ في الإبادة الجماعية، حتى أن الرئيس الفرنسي فرانسوا ميتران قال ذات مرة: ” في دول مثل هذه، فإن الإبادة الجماعية ليست مهمة جداً”.

أضرب هذا المثال، لكي لا يعمل فشل المجتمع الدولي في التحرك لوقف الإبادة أو لمنعها، على تكسير صلابتنا، ولا يقص عدم  الاعتراف الدولي واسع النطاق بالإبادة الأرمنية أجنحتنا، ولا تدفعنا سياسة الإنكار للتشاؤم وعدم العمل على تحويل الذكرى إلى قوة خلاقة لتحسين مستقبل البشرية. أصبح من المهم هذه اللحظة أن نتوقف للتفكير برسم خريطة طريق لإصلاح الأطر المؤسسية الدولية ودفعها إلى أمام، وتخليصها من التفسير الانتقائي لمصالح الدول الكبرى.

هكذا نضع الذكرى المئوية في إطارها الإنساني المناسب للتصدي لهذا الفشل، وعلى أن تدفعنا هذه الرغبة السامية والملحة في تجاوز إخفاقات فشل القادة الدوليين لوقف الإبادة الجماعية المروعة في البوسنة ورواندا ورواندا ودارفور وسنجار.

تجاوز يرتسم في محاولة إصلاح فشل المجتمع الدولي لمنع وقمع ومعاقبة الإبادة الجماعية المعاصرة بتوفير تحليل متعدد المستويات عن تأثير الإبادة الجماعية في بناء النظام العالمي، والعلاقة بين السياسة والأخلاق، ودور القوة العسكرية في وقف الإبادة الجماعية، ودعم  المجتمع المدني العالمي الناشئ.

 والأهم من كل ذلك أن تتحول المناسبة إلى فرصة لإطلاق تحالف دولي جديد، تحالف غير رسمي،  يقوده مثقفون وناشطون ورجال دين، سوف أطلق عليه تسمية “تحالف الضحايا” في مواجهة المصالح الدولية ونخب البزنس الاثنوطائفي عبر العالم، تحالف يقوم على خطوات عملية يمكن للمجتمع الدولي اتخاذها لتحسين رد الفعل على الإبادة الجماعية المقبلة.

يظل استمرار الإبادة الجماعية في العالم الحديث دليلاً على الطبيعة المختلة للنظام الدولي المحكوم بمصالح ضيقة لدول محددة، وقد بدأت منذ صعود الاستعمار الذي أطلق أول عمليات إبادة للقضاء جسدياً السكان الأصليين أو من يخالفه ثقافياً، مؤسساً لسياق يصعب التخلص منه دون عمل جماعي دائب ودائم وتحالف عريض للضحايا من الشعوب.

وقد سبق للرئيس التشيكي “فاتسلاف هافيل” طرح فكرة عن ضرورة نقل “السلطة” إلى مستوى أخر. (إلى أعلى وإلى أسفل). وفي سياق تحذيره من خطر نموذج الدولة القومية، أكد على أهمية الحديث عن حكومة عالمية، أو مستوى أعلى من الحكم يتجاوز نموذج الدولة/الأمة.

في نظر “هافيل” نقل السلطة السلمي كفيل بتوفير فرصة جديدة لتجاوز مساوئ الدولة القومية، نقل السلطة من الدولة القومية إلى المنظمات العابرة للحدود الوطنية والعالمية و إلى المؤسسات المتعددة في المجتمع المدني، أي أنها عملية نقل للسلطة إلى أسفل بتفعيل المجتمع المدني، وإلى أعلى عبر إيلاء المنظمات عابرة الحدود سلطة أكبر.

الدول في نظر “هافيل” ينبغي أن تكون كيانات أبسط وأكثر تحضراً وليست موضوعاً للارتباط العاطفي، فالمجتمع الدولي وليس الدولة/ الأمة، ينبغي أن يكون موضع السيادة ومصدر وحامي الحقوق الإنسانية الأساسية.

ولا شك أن “هافيل” كان يتحدث عن مقاربته لتأسيس مستوى جديد من السلطة الأكثر عدالة وهو يضع في ذهنه ما أدى اليه نموذج الدولة القومية من إبادات باسم التجانس القومي، منذ النموذج الأول المتمثل بالإبادة الأرمنية التي ستظل مثالاً على الإبادة الجماعية التي تنظمها الدولة وارتباطها بظهور الهوية الحديثة والصلات الوثيقة بين القتل الجماعي للسكان المدنيين، وتعريف وتصنيف المجموعات والأفراد.

وإذا كانت الإبادة الأرمنية حددت سياق ظهور الدولة/الامة على النمط الحديث وما ارتبط بها من إبادات من أجل خلق نوع من التجانس القومي، فإن ظهور داعش اليوم يحدد دور الفاعلين من غير الدول، أو بعبارة أخرى دور الفاعلين في عصر ما بعد الدولة/الامة.

لذا يفتح إحياء الذكرى المئوية للإبادة حواسنا على تحديات جديدة، وهي تحديات لا يمكن لنا مواجهتها بالاستمرار في سياسة الصمت والإنكار، بل لا بد أن نجعل هذه الذكرى قوة من أجل مواجهة تحديات الحاضر والاستعداد بكل قوانا لمنع الإبادة المقبلة.

*كاتب وأكاديمي عراقي، رئيس قسم البحوث والدراسات، كلية العلوم السياسية، الجامعة المستنصرية (العراق)، ورئيس تحرير مجلة مسارات، عضو المجلس العراقي لحوار الأديان. له العديد من المقالات عن القضية الأرمنية.

 

(مقالة صدرت في العدد الخاص الذي أصدره ملحق أزتاك العربي للشؤون الأرمنية في 24 نيسان 2015 بمناسبة الذكرى المئوية للابادة الأرمنية)

Leave a Reply

Your email address will not be published.