“قصّة جنون” للفرنسي الأرمني روبير ديغيديان: حين يكون الفيلم درساً سياسياً مُوجّهاً

fou 

نشرت «القدس العربي» مقالاً بقلم سليم البيك حول فيلم (قصة جنون) وجاء فيها أنه قد يكون أهم ما في الفيلم أنّه مقتبس من قصّة حقيقية كتبها الصحافي الإسباني خوسيه أنطونيو جرياران، وأصدرها في كتاب كسيرة ذاتيّة. أمّا الفيلم، كصناعة دراميّة أولاً وناقل لقضيّة ثانياً، فكان، وهنا أستعير عنوان إحدى المراجعات الفرنسيّة للفيلم، مدرسياً.

شارك فيلم «قصّة جنون»، في مهرجان كان الأخير ضمن العروض الخاصة، أخرجه روبير غيديغيان، الفرنسي من أصول أرمنيّة، الذي طرح القضيّة الأرمنية في أكثر من فيلم له، والمنتمي لـ «حزب اليسار» الفرنسي، ما قد يفسّر الأسلوب الدّعائي في طرح فكرة السّلمية في الفيلم.

امتدّ الفيلم لساعتين وربع الساعة، وبمدّة كهذه، طويلة نسبياً، لا بدّ أن يكون المخرج معتنياً بشكل فائق بالتدرّج الدرامي لفيلمه، للحكاية، مبرّراً طول مدّة الفيلم ومقنعاً المُشاهد بصوابيّة المونتاج النهائي له، ومقنعه كذلك بالأحداث أو المَشاهد التفصيلية فلا تكون حشواً لا تُضيف إلى الفيلم إلا وقتاً زائداً.

هنا، لم يكن الأمر كذلك، فالفيلم الذي بدأ بمشاهد بالأبيض والأسود، طالت أكثر من اللازم، ولم تكن الغاية منها غير إعطاء خلفية تاريخيّة لموضوع الفيلم، المجزرة بحقّ الأرمن التي ارتكبها الأتراك، وخلفيّة عائلية لجدّ بطل الفيلم الذي اغتال في ألمانيا المسؤول التركي المباشر عن المجزرة، في عشرينيات القرن الماضي. لينتقل الفيلم إلى زمنه، أواخر سبعينيات القرن ذاته، حيث يكمل الحفيد كفاح جدّه. لكن الإطالة تخطّت المرحلة الأولى من الفيلم لتشمل مشاهد لم تكن لتؤثّر على تسلسل الأحداث إن حُذفت، ولم يغنه وجودها. أضف إلى ذلك التطوّر البطيء للحبكة وعلاقة الحب الوحيدة في الفيلم التي بدت مُقحمة عليه وغير مُبرَّرة.

لكن الفيلم، الذي يحكي عن قضيّة حساسة لشعب تعرّض لعمليّة تطهير عرقي، لم يكن، درامياً، بمستوى يسمح له بنقل إحدى حكايات هذا الشعب. والأسلوب المدرسي الذي أشرت إليه آنفاً، كان يخصّ نقل الحكاية أو التعريف بالقضية، فكان أشبه بالتلقين، وهو ما لا يمكن فصله عن ظهور الفيلم كدعاية غير مباشرة للنضال السلمي وكإدانة مباشرة للنضال المسلح، تحديداً إدانة “للجيش الأرمني السري لتحرير أرمينيا”.

يحكي الفيلم قصّة آرام الذي يعيش في فرنسا مع عائلته، جدّته من الناجين، يعيشون في مارسيليا ضمن مجتمع أرمني. أبوه يحاول إبعاد عائلته عن العمل السياسي ويسعى لإكمال حياته بسلام في مدينة بنى فيها بيتاً ودكّاناً للبهارات والمنتجات المشرقيّة، زوجته أقرب منه إلى ابنه آرام الذي سيقرّر بعدما داهمت الشرطة الفرنسية إحياء ذكرى مجازر الأرمن في كنيسة، بتحريض من السفير التركي، سيقرر أن يصير فاعلاً في العمليات ضد الأتراك. يشارك في اغتيال السفير التركي في باريس، ثم يهرب إلى بيروت حيث يشارك مع التنظيم الأرمني المسلّح في التدريب لمحاربة الأتراك ومصالحهم في العالم.

لم يترك المُخرج سلوكاً أو قولاً لمسؤول «الجيش الأرمني السري» يفلت منه، من دون أن يجعله عامل تنفير منه، وتالياً من خطّه في الكفاح، أي المسلّح. منذ البداية تظهر التناقضات بين آرام، البطل، وبين هذا المسؤول، إلى أن يتبلور خطّان متباينان، يمثّل آرام أحدهما، الأكثر إنسانية، ويكون، أخيراً ضحيّة مسؤوله السابق، ليخرج الفيلم بنتيجة مفادها عبثيّة الكفاح المسلّح كخيار غدّار بأهله بالضرورة.

أمّا إنسانية آرام التي أظهرها الفيلم، حيث تمظهر التناقض الأخير بين الخطّين، فقد برزت في قراره التقاء ضحيّة فرنسية اسمه جيل كان في مكان الانفجار الذي أودى بالسفير التركي في باريس، فقرّر بعد خروجه من المستشفى الذهاب إلى مارسيليا، حيث أهل آرام، ومن ثم إلى بيروت ليلتقي بمسبب مأساته الشخصية، وقد شُلّت ساقاه بسبب الانفجار.
يذهب إلى بيروت برفقة أم آرام، وكانت قد زارته في المستشفى لتعبر عن أسفها وتعتذر نيابة عن الشعب الأرمني، حيث قابلها بشكل فظ. في بيروت يلتقي آرام بأمّه وبجيل الذي أراد تسجيل اعتراف آرام صوتياً، فردّد الأخير أمام المسجّلة ما يشبه ما ردّده جدّه أمام المحكمة الألمانية حين اغتال المسؤولي التركي، بأنّه غير نادم على ما فعل، لكنّ آرام يضيف بأنّه يعتذر لجيل عما حصل له.

في الفيلم إشارات إلى الفلسطينيين كمثال ثوري للأرمن في نضالهم في تلك الحقبة، ففي مكان اجتماع آرام وصديقه الشيوعي في مارسيليا نرى صورة لكارل ماركس وأخرى لياسر عرفات، في مكان آخر نرى صورة لتشي غيفارا. في مراكز التدريب «للجيش الأرمني السري» نرى صوراً وملصقاً لغسّان كنفاني، وغيرها لعرفات مجدّداً. وفي إشارة لفظيّة يقول مسؤول آرام بشكل منفّر: يقول عرفات بأنّنا لن نكون الأرمن الجدد، وأنا أرد عليه بالقول بأنّنا الفلسطينيون الجدد. في إشارة إلى العمل الثوري لفصائل منظمة التحرير الفلسطينية، وفي إشارة ضمنيّة بأنّ الخطّ الذي يتبعه هذا المسؤول الذي اشتغل الفيلم الدّعائي حتى على شعره وحاجبيه ليبدو شريراً قدر الإمكان! بأنّ خطّه في الكفاح وهو الأشبه بخط الفلسطينيين إنّما هو مُدان، يُقابله الخط الأكثر إنسانية الذي يمثله آرام. ولم نجد في الفيلم دعوة مباشرة إلى الكفاح السلمي بل إدانة كلّية للكفاح المسلّح.

يكون الفيلم بذلك دعاية لإدانة كل الأفعال الثورية أو المسلحة، من دون أو يقدّم اقتراحاً آخر، إدانة من أجل الإدانة، والجيّد أنه لم ينقل ذلك بشكل مقنع درامياً. فكان الفيلم أفشل من أن يقدّم مقاربة جادة لسعي الأرمن لاعتراف العالم بالمجازر التي تعرضوا لها، وماتزال تركيا ترفض الاعتراف بها، مدعومة بلامبالاة تامة من العالم.

Leave a Reply

Your email address will not be published.