نبذة تاريخية عن الاتحاد الثوري الأرمني (الطاشناكتسوتيون)

HHT zinanshan1 

إن الاتحاد الثوري الأرمني (الطاشناكتسوتيون) كعقيدة وكنظرة فلسفية تاريخية وليدة الواقع الأرمني، لذلك كانت المطالب السياسية للاتحاد التي ظهرت في برنامج الحزب تعبيراً صادقاً عن رغبات الشعب الأرمني بكلماه والمؤتمرات العامة للحزب التي تعتبر أعلى سلطة فيه، وقراراتها ملزمة لجميع أعضائه وهيئاته، وقد جاءت خلال قرن من النضال لتؤكد على التوازي التام بين تطورات واقع الأمة الأرمنية والعمل الثوري الحزبي.

لقد انطلق الحزب في البداية كتحالف للقوى الثورية الموجودة على الساحة الأرمنية باسم (اتحاد الثوار الأرمن)، نتيجة لمشاورات طويلة بين تلك القوى في مدينة تبليسي صيف عام 1890. ثم ما لبثت أن عرفت باسم (الاتحاد الثوري الأرمني- الطاشناقسوتيون).

وانطلاقاً من الخبرة التنظيمية التي تشكلت في السنوات الأولى من عمر الحزب، تبلورت النظرة العقائدية التي ظهرت من المنطلقات النظرية الأولى في آب-أيلول 1894، فأسبغت على الحزب أيديولوجية اشتراكية غنية بالنظرة الديموقراطية المنطلقة من واقع الشعب الأرمني وظروفه الموضوعية والتي تؤكد على الحتمية التاريخية لقلب هذه الظروف عن طريق الكفاح المسلح. وقد جاء في تلك المنطلقات:

“…يركز اهتمامنا بشكل رئيس على وضع أرضنا (وطننا) الحالي. غايتنا أن نخضع للنقد دون رحمة وتحيز الظروف الموجودة في حياتنا الحاضرة، وتجريد الآلام كافة التي يعاني منها شعبنا المعذب بالاستناد الى القوانين الاجتماعية الإيجابية، مع الكشف عن الأسباب الحقيقية لتلك الآلام، وفي الوقت نفسه خوض حرب بلا هوادة ضد الظروف المسببة لتلك الآلام…”.

في الفترة بين 1890-1895 تمت بلورة وتنظيم وانتشار الحزب، إنها الحقبة التي أرسل فيها عدد هام من الحزبيين الى الوطن (أرمينيا التركية) لنشر عقيدة الحزب، وبفضل خؤلاء تم تشكيل ألوية حزبية جديدة بقيادات محلية وإقليمية مع وضع أسس عملية لنقل السلاح الى أرض الوطن، كما أنه تم تقوية الفرق والفرع الحزبية وانتشرت في طول أرمينيا التاريخية وعرضها، إضافة الى هياكل الحزب في الشتات.

ولخلق مرونة في العمل الحزبي جاء المؤتمر العام الأول للحزب عام 1892 ليقر بمبدأ لامركزية العمل مع الوفاء للمبادئ الثورية والأخلاقية للحزب، فكل قيادة إقليمية (اللجنة المركزية) تقوم بالعمل الثوري والتنظيمي بحرية مع البقاء في الإطار العام الذي تحدده المؤتمرات العامة والإقليمية، محققة بذلك مركزية العقيدة ولامركزية العمل الحزبي.

زمنذ عام 1896 بدأت ثمار العمل بالنضوج، واتضح أن الاتحاد الثوري الأرمني هو الحزب المؤهل الوحيد في قيادة حركة التحرر الوطني للشعب الأرمني، والتي بدأت مرحلة الكفاح المسلح الحقيقية بالمفهوم الواسع للكفاح المسلح من عمل فدائي وحرب أنصار وانتفاضات واغتيالات وعمليات لجذب الاهتمام للقضية.

كان لابد من خلق تنظيم عسكري حديدي من أجل العمل الثوري تصدى له مؤسسو الحزب الرئيسيون كريستابور وروستوم وزافاريان الذين بتفانيهم استطاعوا مع رفاقهم خلق شبكة عسكرية فولاذية استطاعت القيام بعمليات فدائية، وقيادة حرب أنصار اعتبرت الأعتى في تاريخ السلطنة العثمانية.

لقد كانت الأقاليم الأرمنية مسرحاً لتلك الأعمال في حين كانت إسطنبول وأزمير زمناطق أخرى حيث البعثات الدبلوماسية ساحة للأعمال الدعائية كالهجوم على البنك العثماني لجذب انتباه الدول الأجنبية والرأي العام العالمي للمجازر التي قوم بها العثمانيون في الأقاليم الأرمنية.

أما جنوب القوقاز وإيران فكانتا قواعد التدريب والتسليح، حيث كانت مخازن ومصانع الأسلحة التابعة للحزب ومنها كانت تنطلق جماعات نقل الأسلحة عبر الحدود ومن هناك كان الثوار الفدائيون والحزبيون القادة يستعدون للانطلاق الى الوطن. هذه البنية المتماسكة والشاملة شكلت لعقد ونيف أهم انجازات الثورة الأرمنية، ومن ثمارها كانت انتفاضة عام 1904 في سامسون معقل الثورة الأرمنية.

 

من كتاب (نبذة تاريخية عن الاتحاد الثوري الأرمني (الطاشناقسوتيون)، مائة عام من النضال في سبيل الوطن والأمة)، حلب، 1995.

Leave a Reply

Your email address will not be published.