“أواديس”.. فرّان حارتنا

423765_112952098834346_482937035_n 

في “السويقة”، المتاخمة لـ”زقاق الزهراوي” حيث قضيت طفولتي الأولى، كان أهلي يبعثونني إلى “فرن أواديس” لأقول له: «حدا يجي ياخد العَجْنة»، فقد جرى الناس – في ذلك الزمن – على أن يتموّنوا في الصيف من الحنطة الورديّة اللون، يطحنونها كيسا بعد كيس، وتَعجِن منها نسوة الدار مقدارا، ويُقطّع العجين أقراصا، تُصفّ في صَحفة كبيرة من الخشب، وتُحمل إلى الفرن.

كان أواديس، يلفظ اسمه بلغته Avedis ومعناه البشارة واحدا من أبناء قوافل الأرمن الذين نزحوا إلى حلب والجزيرة في أثناء المحنة التي حلّت بهم في تركيا عام 1915. كان عدد سكان حلب في حدود المئة ألف نسمة، فجاءها مثل عددهم من الأرمن، تمّ استيعابهم، وكان ما يكاد يخرج بعضهم منتشرين في بقاع الأرض حتى تكون قوافل أخرى قد وفدت على حلب. وأذكر أنّ من بقي منهم في أواخر الأربعينيّات كان يقارب ربع السكان، تشهد على ذلك قوائم المرشحين للانتخابات النيابية.

كانت لغة أواديس العربية مكسّرة، لكنّ قلبه كان صافيا. كان محبوبا، يأتيه الزبائن بعجينهم من زقاق الزهراوي ومن “بَنْدرة الإسلام” و”بندرة اليهود” المتجاورتين. كنت أحمل إليه أحيانا سفافيد قد ضُمّت فيها ثمار الباذنجان للشيّ إعدادًا لأكلة “الباطُرْش”. وكنت أرى بائعي “الفول المدمّس” يودعون عنده جرار الفول ساعة المساء، تبيت الليل بطوله في بيت النار، وفي الصباح يأخذونها مستوية ولا أشهى.

شكّل الأرمن في حلب جزءًا من النسيج الاجتماعي البديع. كان منهم العمال المهرة، صيّاغًا وميكانيكيّي سيارات، وأطباء بارعين. كان طبيب العيون، الذي تردّدت عليه في طفولتي لمرض كان يعتادني سنويّا “الرمد الربيعي”، يدعى “لودر جاميجيان”، عيادته في “شارع حمّام التلّ” بالقرب من بيتنا. وفي الخمسينيّات كان أولُ من وُفّق في سورية لإجراء عملية “ترقيع القرنية” هو صاحب مشفى لطب العيون في طريق السبيل، النَّطاسي “روبير جِبهْ جْيان”. وكانت صديقتنا الأديبة “لوسي سُلاحيان” تكتب القصة بالأرمنية وتنظم الشعر بالفرنسية، وقد نَقل لها إلى العربية المترجمُ المتعدّد اللغات “نزار خليلي” مجموعة قصصية، تولّت نشرها – بمقدمّة مني – وزارة الثقافة عام 1984، عنوانها “حبّ وحبّ”.

نعم… فتحنا لجيراننا الأرمن الصدور والقلوب وتبادلنا التعارف والتعامل والمحبّة. واليوم – بعد مئة عام من العيش المشترك – يرتفع صوت يتّهمنا بأننا نستعدّ لذبح “الأقليّات”!

أسألكم، أيها الأصدقاء: بالله عليكم، هل في حديثي هذا ما ينمّ على أنني، أننا، نكره الأقليات، ونشحذ السكاكين لفعل شيء ما؟ أم أنّ الشاحذين لها، المارّين بها على رقاب أطفالنا، هم أناسٌ آخرون؟

فلوريدا: فجر الثلاثاء 2-12-2014

(معاد) دمشق الشام: فجر الأربعاء 2-12-2015

Leave a Reply

Your email address will not be published.