“النهار”: الطاشناق في الذكرى الـ 125 للتأسيس فن السياسة في الزواريب اللبنانية

nahar 

بيار عطاالله

125 عاماً في خدمة الشعب” شعار رفعه حزب الطاشناق عند مداخل منطقة برج حمود – النبعة، معقله الرئيسي، احتفالاً بالعقود الطويلة على تأسيس الحزب الذي يتركز بفاعلية في صفوف الدياسبورا الأرمنية، لدى شعب عرف التهجير والمجازر الجماعية حتى اصبحت ملتصقة بصفاته وحضارته ورموزه. ورغم عمر الحزب الطويل، لا تزال مؤسسات الطاشناق الاجتماعية والانسانية والصحية عاملة، ولا يزال “النادي” أو مقار الحزب الموزعة على أحياء الانتشار الأرمني في لبنان تستقبل أجيالاً متعاقبة من القدامى والشباب الذين يجدون في مقار الأحزاب الأرمنية، ولا سيما الطاشناق، تعبيراً عن هويتهم القومية وخيارهم السياسي أو الاجتماعي في أبسط الأحوال.
حافظ الأرمن على نسيجهم القومي في لبنان ولم ينخرطوا في الحروب اللبنانية المتنوعة، لكنهم لم يستطيعوا البقاء خارج دائرة ترددات هذه الحرب، فكان أن انحسر وجودهم الديموغرافي نتيجة عوامل الهجرة الكثيفة التي اصابتهم اسوة بكل اللبنانيين ولم يجد الوقوف على الحياد في منع المؤثّرات من الوصول إليهم. لكن المفارقة أن الأرمن، بسبب تكتل غالبيتهم وراء الطاشناق، استطاعوا المحافظة على حضورهم السياسي والاقتصادي والاجتماعي والتكيف مع المتغيرات التي تعرض لها لبنان منذ عام 1990، على نقيض اللبنانيين المسيحيين الذين لم ينسجموا في غالبيتهم الساحقة مع نظام الطائف وكل تبعاته، وسددوا اثماناً باهظة من حضورهم وتمثيلهم في مؤسسات الدولة.
تعرض نفوذ الطاشناق لمدّ وجزر في ظل نظام الطائف نتيجة تحالف السنية السياسية مع الاحتلال السوري ورغبتها في الاستحواذ على حصة الأرمن من المقاعد النيابية، وتصادم الطاشناق نتيجة ذلك مرات عدة مع الرئيس رفيق الحريري، لكن سياسة حرفيي المجوهرات الأرمن الدقيقة والهادئة انتصرت، وتمكن الحزب الأرمني الأكبر والذي يضم مؤيدين كثراً من أصحاب المصالح والمؤسسات من حفظ شعرة معاوية بالتي أحسن مع الحريري الى آخر أيامه، الأمر الذي لم يتكرر مع نجله سعد الحريري الذي وجد الطاشناق في صف العماد ميشال عون في مواجهة سياسة فريقه.
تأسس الطاشناق عام 1890 على يد مجموعة من الطلاب الأرمن في جورجيا المجاورة، بهدف تحرير أرمينيا المجاورة من الاحتلال العثماني الذي استمر 400 عام. لكن الأمور تطورت خلال الحرب العالمية الأولى لينتهي الأمر بتقاسم أرمينيا وتعرض شعبها لمذابح مرعبة، فكان ان تحول “الحزب” الى حاضنة للأرمن المشتتين في أرجاء العالم، لتبدأ القصة على ما يقول نائب الأمين العام افيديس كيدانيان بعد الابادة، بالقرار الذي اتخذته قيادة الطاشناق بتصفية المسؤولين الأتراك المتورطين في المجازر، وعملت على تنفيذه بقتل طلعت باشا وجمال باشا وغيرهما من الضباط الأتراك، في موازاة العمل على تنظيم الجاليات الأرمنية بالتعاون مع الهيئات والأحزاب الأرمنية الأخرى لمنع اندثارها، وتأسيس المدارس والأندية والحض على بناء الكنائس للم الشمل ومنع اندثار الهوية الأرمنية والحفاظ عليها. ورغم مرور السنين والحرب اللبنانية الطويلة، وهجرة آلاف الأرمن اللبنانيين أسوة بكل مواطنيهم، لا تزال المؤسسات الأرمنية تعمل بفاعلية، سواء أكانت المدارس التي يفضلها الأرمن على المدارس اللبنانية، أم المستوصفات والجمعيات الخيرية التي تعمل مع الطاشناق، مباشرة أو بواسطة محازبين، ما يمكّن الحزب من تحريك حشود من المناصرين في المناسبات، إضافة الى ثمانية آلاف ناخب في قضاء المتن ممّن يستطيعون التأثير في شكل حاسم لا لبس فيه، على اختيار ثمانية نواب في القضاء الأكثر حساسية لدى الناخبين المسيحيين.
ينتشر الطاشناق في 34 دولة، ومقره العام في أرمينيا، ويشكّل قوة لوبي فاعلة يبرز تأثيرها في التحركات المطالبة بانتزاع اعتراف تركي بالابادة الأرمنية، لكن المفارقة ان كتلة نواب الحزب في البرلمان الأرمني لم تتجاوز النواب الخمسة بسبب المنافسة الضارية بين الأحزاب الأرمنية وعدم انخراط الطاشناق في مؤسسات السلطة الأرمنية بفاعلية. في حين أن الأمر يختلف ايجاباً في جمهورية ناغورنو كاراباخ الأرمنية المعلنة من طرف الأرمن، حيث ينشط الطاشناق للدفاع عن المنطقة ومنع التسويات على حسابها. وفي المحصلة، الطاشناق حزب عالمي منخرط في زواريب السياسة اللبنانية.

Leave a Reply

Your email address will not be published.