آتوم إيغويان من مراكش: أسوأ ردّ على الإرهاب هو الخوف لا أستطيع أن أتغاضى عن ذكرى الإبادة الأرمنية فقد بلغت هذه السنة عامها المئة

1_672042_large

يعود آتوم ايغويان بـ”تذكّر”، المعروض في مسابقة الدورة الأخيرة من مهرجان البندقية. فيلم مشحونٌ بالكثير من العواطف هتفت له قلوب المتفرجين حول العالم، تاركاً النقاد في حالٍ بين الحيرة واللامبالاة. رجلٌ تسعيني يستأنف رحلة في الولايات المتحدة ظناً منه انه وجد الشخص المسؤول عن تصفية عائلته في معسكرات أوشفيتز. زف هذا، صحته لم تعد قوية فحسب بل ذاكرته أصبحت تتبدد، إلى درجة انه بات ينسى أحياناً سبب رحلته الأساسية.

من فيلم “جانر” (فيلم الانتقام)، استمد المخرج الكندي شريطاً مصوّراً برشاقة يعيد تدوير تيمات رافقته منذ بداياته، ولكن في قالب مستحدث يضمن نهاية مفاجئة تتيح اعادة التفكير في الفيلم برمته انطلاقاً منها. يستعين “تذكّر” بعدد من الممثلين الكبار، في مقدمهم كريستوفر بلامر في دور زف، الذي اضطلع سابقاً بدور ضابط جمارك المطار في “أرارات”. خلال حضوره الى مهرجان مراكش الخامس عشر مترئساً الوفد الكندي المشارك في تكريم السينما الكندية، كانت لنا جلسة مع مخرج لا يزال متوجّساً بالماضي وظلاله الملقاة على الحاضر.

-دعنا نبدأ بفيلمك الأخير، “تذكّر”، الذي يتناول القضية اليهودية. لماذا اهتممتَ بهذا الموضوع وهل تراه امتداداً لشغلك على الإبادة الأرمنية؟

– يهمني جداً سؤال العدالة والنحو الذي ننظر به الى الجريمة. ما كان يثيرني في النصّ هو كيف يجتمع ضحايا الهولوكوست وجلاّدوهم، ولا تزال الأسئلة هذه قائمة. ليس في الفيلم أي استعادة زمنية. كلّ شيء يحدث في زمننا الراهن، ولكن هناك شعور حاضر بالألم وبالحاجة الى الانتقام. هذا ما كان يدهشني. طبعاً، لا أستطيع أن أتغاضى عن كون ذكرى الإبادة الأرمنية بلغت هذه السنة عامها المئة، وانني عنونتُ الفيلم “تذكر”. هذا كلّه ماثل في وجداني وضميري، ولكنني لم أرد التلميح الى القضية الأرمنية بشكل مباشر. ما لفتني أيضاً هنا ان هذه هي الفرصة الأخيرة للناجين من الهولوكوست ليحكوا عنه، نظراً إلى العمر الذي بلغوه.

-كنت دائم الاهتمام بأنماط السرد المغايرة في أفلامك. هنا أيضاً، السرد غير تقليدي.

– غير تقليدي لأنه ممعن في البساطة. لوهلة، يبدو انه خطّي ومباشر، لكن كلما اقتربنا من الخاتمة، تجلت أسئلة كثيرة، وهي أسئلة أساسية. كما تعلم، لا يمكن الكشف عن نهاية الفيلم، لكن المُشاهد يعتقد انه فهم الشخصيات وطباعها وسلوكها وما يحرّكها، ثم فجأة يكتشف انه لم يفهم شيئاً البتة. هناك مفاجأة كبيرة في انتظاره.

ماذا عن خيار كريستوفر بلامر للدور الرئيسي؟ هل فرض نفسه منذ البداية؟

– بالتأكيد. عندما ترى الفيلم ستفهم لماذا اخترته. انه الممثل الأنسب. هناك الكثير من التساؤلات يطرحها المرء، من مثل لماذا يضطلع بهذا الدور. الجواب في الفيلم.

-كيف كانت تجربة العمل مع ممثلين مسنّين؟

– حسناً، عليك الأخذ في الاعتبار انه ليس في إمكانك التصوير 13 ساعة في اليوم. طاقتهم ضعيفة. قد تعيش على أعصابك. بعض الممثلين الذين كنت أريدهم تعرّضوا لوعكات صحية. ماكسيميليان شلّ الذي كنت أريد اسناد دور إليه، توفي. ولكن في سياق الحكاية التي أرويها، أشياء كهذه تمنح الفيلم زخماً.

بالكاد تمكنتُ من التعرف على برونو غانز من خلال الدور الصغير الذي يشارك فيه.

– نعم. كان كرماً منه أن يقبل المشاركة في الفيلم، فهو لا يجسد أدواراً صغيرة، لكنه أحبّ السيناريو جداً. كان لقاؤنا الأول رائعاً.

-كان هناك انقسام حاد حول الفيلم من جانب النقاد

– نعم، بعض النقاد لم يعجبهم. في المقابل، الجمهور استقبله بحفاوة، وقد كان الأكثر شعبية في ثلاثة مهرجانات. أفهم النقاد الذين يفرضون معايير عالية عندما يتعلق الأمر بتقويم أفلامي. ثمة فيتيشية تطال أفلامي، هم الذين خلقوها. ولكن في السنوات الأخيرة، انصرفتُ الى العمل على أفلام “جانر”، وهذا ما أغاظ بعضهم. طبعاً، أعرف نقاداً ليسوا لطفاء في تعاطيهم مع الفيلم، نيتهم غير صافية. لكن جلدي سميك. في بداياتي، حظي عملي بآراء سلبية جداً، ولكن اذا قرأت بعضها تشعر بأنها تنم عن مقاربة تنطوي على الكثير من القسوة. ولكن، لا بأس بهذا كله.

في أفلامك، ثمة بحث متواصل عن الهوية. هل السينما أتاحت لك، أنت السينمائي الكندي المولود في القاهرة من أبوين أرمنيين، أن تعثر على ما تبحث عنه؟ وهل السينما في هذا المعنى، علاج لك؟

– يتجلى هذا بوضوح في أفلامي الأولى. هل كان علاجاً؟ ربما. إنجازها آنذاك بدا لي ملحّاً، بالغ الضرورة. كان عليّ أن أنقل هذه الحكايات. عندما كنت طفلاً، كان في ودي أن أصبح ديبلوماسياً واستعمل تآلفي مع الثقافات المتعددة لهدف نبيل. آخر شيء كنت أتخيله هو أن أصنع الأفلام وأشارك في المهرجانات وأدلي بتصريحات للصحافة. السينما شرّعت لي أبواباً كثيرة. قبل سنوات، خصص لي مهرجان القاهرة استعادة لأفلامي، فكانت العودة الى هناك. لا يزال لي أقارب في مصر، وكان عليَّ ان آخذهم لمشاهدة أفلامي. عموماً، أعتبر نفسي محظوظاً.

هل توكل إلى السينما أي وظيفة اجتماعية سياسية؟

– ليس من شكّ في أن ثمة أفلاماً استطاعت تغيير نظرة الناس الى الواقع. لا أعتقد ان السينما تجاوزت الموسيقى مثلاً أو الفنون الأخرى في هذا المجال. ولكن، متى استطاع الفيلم ايجاد آذان صاغية للأسئلة التي يطرحها، عندها تكون فاعليته أشد. ما يجذبني الى السينما هو هذا الذي يتيحه لي هنا مثلاً في هذه اللحظة: الجلوس الى هذه الطاولة والتحدث الى الآخرين. بعد ما حدث في باريس أخيراً، كثر اتصلوا بي وكانوا مترددين اذا كان يجب المشاركة في المهرجان أم لا، فقلت لهم ان أسوأ ردّ على الارهاب هو الخوف. أفضل ما يمكن أن نفعله هو الافادة من هذه المناسبة لنرفع أصواتنا.

سبق أن قدمتَ فيلماً عن الارهاب، “عبادة”. أليس لديك مشروع آخر من وحي الظروف التي نعيشها، كنوع من تحديث لذلك الفيلم؟

– شكراً لأنك ذكرت “عبادة”، انه من أفلامي المفضلة. أعتقد انه يجب اعادة اكتشاف هذا الفيلم لأنه يزخر بالأفكار التي صارت رائجة حالياً. الى اليوم، قد يبدو عرضه من قبيل الاستفزاز، لأنه يتناول فكرة حدث لم يحصل. كنت أتمنى لو لقي اهتماماً أكبر، مع انه شارك في كانّ ونال فيه جائزة. ولكن من الصعب عليّ الترويج له.

أنت هنا في مهرجان مراكش تترأس الوفد الكندي المشارك في التكريم الموجّه إلى السينما الكندية التي بدأت تحتل مكانة مرموقة بين سينماتوغرافيات العالم. ولكن ما سبب إلغاء البرنامج المخصص لسينماكم في تورونتو والاكتفاء بوضع أفلامكم مع الأفلام الأخرى؟

– هذا كان قراراً اتخذه السينمائيون في كندا وقضى بموجبه التخلي عن القسم المخصص للسينما الكندية في مهرجان تورونتو. انه قرار دار حوله نقاش ولم يوافق عليه الجميع. عندما كنت شاباً، كان هذا البرنامج مهماً جداً لنا. في المقابل، كان السينمائيون الكنديون الجدد يشعرون بأنه يجري أسرهم في هذا القسم، في حين انهم يريدون التسابق مع الجنسيات الأخرى، وأنا شخصياً أدعم موقفهم، علماً ان أفلام بعض السينمائيين الكنديين تتيه وسط الكمّ الهائل من الأعمال التي تُعرض في تورونتو، ويصل عددها الى 400. الأمر نفسه حصل سابقاً في مهرجان كانَ. خطوة كهذه قد تكون تعبيراً عن النضج.

هل تعتقد ان ثمة فرقاً في مقاربة المجتمع بين السينما الكندية الناطقة بالانكليزية واخرى الناطقة بالفرنسية؟

– بكل تأكيد. سينما كيبيك على ارتباط وثيق بجمهورها ولها لغتها الخاصة، ويحب المشاهدون الاستماع الى لغتهم من خلالها. كسينمائي شاب تسنى لي العمل في كندا الناطقة بالانكليزية، يمكنني القول انني تأثرتُ كثيراً بإرث سينما المؤلف التي جاءتنا من كيبيك. أذكر على صعيد المثل، دوني أركان وبيار بيرو. هذان تلعمتُ منهما الكثير، وخصوصاً انه لم يكن لدينا معادل لهذه السينما في تورونتو. نعم، يمكن القول انهما تقليدان، كل منهما مختلف عن الآخر اختلافاً جذرياً. السينما الكندية تسمح للمخرج بأن يحافظ على شخصيته، هذا اذا عمل وفق موازنة صغيرة ووفق شروط انتاج متواضعة. نحن محظوظون في كندا لأن النحو المعمول به يسمح بأن تختبر وبأن تقارب السينما مقاربة تأليفية. السينما الكندية تتحدر من بيئة متنوعة ثقافياً، ليس هناك لباس موحد يرتديه الجميع. كلٌ منا يأتي من خلفية مختلفة. أما اذا أراد الاستعانة برصيد مالي كبير، فعليه الانتقال الى الولايات المتحدة. هكذا كان دائماً منذ نورمان جيويسون الى جيمس كاميرون وايفان رايتمان ودوني فيلنوف حديثاً.

-هل هذا يعني ان طريق السينمائي الكندي الى الاعتراف تمر عبر هوليوود؟

– ليس بالضرورة هوليوود. عليك أن تذهب إلى خارج حدود كندا. اذا أردتَ موازنة أكبر، يجب عليك أن تنجز أفلاماً للعالم أجمع.

هوفيك حبشيان – مراكش – النهار

Leave a Reply

Your email address will not be published.