الأرمن تحت نير العنصر التركي

Poladian book1 (1)

عاش الأرمن ما يقارب الثمانية قرون تحت السيطرة التركية. ففي أواسط القرن الحادي عشر اجتاحت جحافل قبائل الأتراك السلاجقة من آسيا الوسطى منطقة الشرق الأوسط مما أدى إلى خلق واقع عسكري-سياسي واقتصادي واجتماعي جديد ومعقد يتعلق به طال جميع شعوب المنطقة. ومهدت ضربات السلاجقة القاسية وغزواتهم فيما بعد إلى تشكيل الإمبراطورية العثمانية، التي خاضت بدورها حروب وفتوحات لتصبح إمبراطورية عظمى امتدت حدودها من افريقيا والشرق الأوسط حتى أواسط أوروبا.

إن انهيار المملكة البقرادونية في أرمينيا عام 1045 من قبل الأمبراطورية البيزنطية فتح المجال أمام الأتراك السلاجقة بغزوها في عام 1047. وبعد عدة هجمات قاسية سقطت العاصمة آني في عام 1064 وتمكن السلاجقة من  بسط نفوذهم على أرمينيا في معركة مانازكيرت عام 1071 جراء هزيمة الجيوش البيزنطية. ووفق معاهدة الصلح بين الطرفين اعترفت الأمبراطورية البيزنطية بحكم السلاجقة في أرمينيا وآسيا الصغرى[i]. ونشأت من هذه المرحلة التاريخية عدة إمارات سلجوقية في أرمينيا التي سببت أضراراً جسيمة للاقتصاد والممتلكات الأرمنية وهجرة السكان الأصليين من بلادهم.

في أواخر القرن الرابع عشر وتحديداً في عام 1387 خضعت أرمينيا نهائياً لحكم القبائل التركمانية التي اضطرت بعدئذ للتنازل عنها للسلطان العثماني محمد الثاني عام 1473. وبذا بدأت مرحلة ظالمة ودامية في تاريخ الشعب الأرمني.

أسفرت الحروب المتواصلة بين الدولتين العثمانية والفارسية عن تقسيم أرمينيا[ii]. فأطلق اسم »أرمينيا الغربية« أو  »أرمينيا العثمانية« على ست ولايات هي: بتليس (بدليس)، أرزن الروم (أرضروم)، فان (وان)، معمورة العزيز (خربوط-خاربيرت) سيواس ودياربكر. وأطلق اسم  »أرمينيا الفارسية« على المنطقة الممتدة على الضفتين الشرقية والغربية لنهر أراكس (الرس) ومدينة يريفان (عاصمة أرمينيا الحالية) وناخيجيفان واتشميادزين (المركز الروحي للأرمن) وجبل أراراط[iii].

إما الوضع في شطر أرمينيا الغربية الذي بقى تحت الحكم العثماني فقد ازداد من سوء الى سوء وتعرض شعبها للبطش والظلم والاضطهاد خلال قرون طويلة. فقد كانت أرمينيا الغربية كدولة مسيحية تتعرض دائماً لضغوط عسكرية واقطاعية واجتماعية تختلف بشكل ما عن بقية الأقاليم التابعة للإمبراطورية. وفي بعض الأحيان كان السلاطنة العثمانيون يمارسون سياسة القتل والظلم في الولايات الأرمنية ويفرضون على الطبقة العاملة القسم الكبير من تموين جيوشهم وضرائب مالية قاسية، أما الاقطاعيون والحكام فكانوا يتعاملون مع السكان الأرمن كما يرغبون من العنف والنهب والسلب والاغتصاب والقتل.

إن السلطات العثمانية المفعمة بالروح العنصرية الطورانية اوقعت بالسكان من القوميات والأديان المختلفة ضد بعضهم البعض من أجل استغلال الجميع، وقامت بتحريض الأكراد ضد الأرمن والمسلمين ضد المسيحيين، مع ممارستها سياسة التتريك بكل أشكالها وبصورة منظمة.

وبالرغم من سياسة التتريك والمظالم في الولايات الأرمنية فقد اندمجت منذ منتصف القرن الثامن عشر بحكم ذكائها وجديتها شرائح من الأرمن في الحياة السياسية والاقتصادية والثقافية والخ في الامبراطورية العثمانية مما أدى إلى تطوير المجالات المذكورة في الأستانة-عاصمة العثمنانيين خاصة وغيرها من المدن. وبذلك لعب الأرمن كشعب راق ومثقف وذو حضارة عريقة دوراً هاماً وبارزاً في جميع مناحي الحياة في الأمبراطورية العثمانية، التي استخدمت القدرة البشرية الأرمنية حسب إرادتها في المجالات المرغوبة. وانخرط كثير من الأرمن في الهيئة الوظيفية العثمانية وتقلدوا أعلى المناصب في الحكومة والدوائر الرسمية. وتشير الإحصاءات المتوفرة إلى وجود اثنين وعشرين وزيراً في الوزارات الهامة وخمسة وكلاء وزارات وأربعة أعضاء في مجلس الأعيان وأربعة أعضاء في مجالس الدولة، وعشرة نواب في أول برلمان عثماني »مجلس المبعوثان« سنة 1876، وأكثر من عشرة قناصل عموميين، وعدد من القناصل في برلين وفيينا وبروكسل ولندن وروما، وعدد من نائبي الحكام العموميين للأقاليم فضلاً عن الكثير من المستشارين والسكرتيريين والمترجمين والمدراء وغيرهم من الموظفين[iv].

وبحكم مهارتهم وحكمتهم فقد احتكر الارمن تقريباً جميع الحرف اليدوية والصناعات والعمارة والفنون، وانتشرت سمعتهم في جميع أنحاء البلاد وقدموا ما لا يقدر من جهد وفناء لتطوير الحياة المصرفية والاقتصادية والثقافية والمعمارية وغيرها لأسيادهم الأتراك. كما قام الأرمن خاصة في الأستانة بتطوير ثقافتهم ومدارسهم وصحافتهم، واصبحوا من رواد المسرح والموسيقى في الأمبراطورية العثمانية.

من المعلوم إن نشاط الأرمن اقتصر فقط على قاطني المدن الكبيرة. ففي الوقت الذي أصبحت فيه الأستانة مركزاً اقتصادياً وسياسياً وأدبياً وروحياً للأرمن الذين نعموا برعاية السيد السلطان ودعمه حتى غدوا من أرقى العناصر، عاش سكان الولايات الأرمنية في بؤس وحياة ظالمة بسبب مجاورتهم القبائل المشاكسة من أكراد وجركس وغيرهم ممن اعتادوا سرقة الأرمن والفتك بهم[v]. ومن ناحية أخرى أدت الحروب الضارية بين القوى الأساسية في تلك المرحلة-الأمبراطورية العثمانية وإيران الشاهنشاهية والقيصرية الروسية على أرض الولايات الأرمنية إلى أنهيار الوضع الاقتصادي أيضاً مما أدى إلى هجرات الأرمن من العاصمة الأستانة وغيرها من المدن.

مقتطف من كتاب “شهود عيان عن الإبادة الأرمنية في الإمبراطورية العثمانية (مجموعة وثائق) بمناسبة ذكرى مرور مئة سنة على الإبادة الأرمنية (1915-2015)”، إعداد وإشراف ودراسة: البروفيسور الدكتور آرشاك بولاديان، دمشق-2014، حيث ينفرد موقع “أزتاك العربي للشؤون الأرمنية” بنشر مقتطفات منه.

المراجع:

[i] آشوت ملكونيان، تاريخ أرمينيا، يريفان، 1998، ص 86(باللغة الأرمنية).

[ii] تقع جمهورية أرمينيا الحالية في القسم الجنوبي من سلسلة جبال القفقاس وتحدها من الشمال والشرق جمهوريتا جيورجيا وأذربيجان، ومن الغرب والجنوب الشرقي تركيا وإيران. وتوجد معظم أراضى أرمينيا تقريبا على ارتفاع يزيد عن آلف متر فوق سطح البحر. وأعلى نقطة فيها هي قمة جبل ” أراكاتز ” (4095 م) واخفض مناطقها في أقصى الشمال لا ينقص عن 390 مترا. وعدد سكانها حوالي ثلاث ملايين نسمة. وتقع أرمينيا على نفس خط العرض مع اليونان وإيطاليا وإسبانيا.

استوطن قدامى الأرمن منذ غابر الأزمنة في المناطق الجبلية المرتفعة لهضبة أرمينيا الواقعة بين هضاب آسيا الصغرى وإيران. وكانت أول دولة أرمنية قد نشأت على أراضى دولة اورارتو في القرن السابع قبل الميلاد. وخلال القرنين الثاني والأول ق . م . كانت أرمينيا في عداد كبريات دول العالم. وفي القرن الأول ق . م . كانت عاصمتا أرمينيا ارتاشاد وتيغراناكيرت من أكبر مراكز الثقافة الأرمنية – الهيلينية، حيث قدمت على مسارحها روايات اسكيلس وسوفوكليس واوربيدس وغيرهم. وكان الملك أرتافازد الثاني (56-34 ق.م.) نجل الملك تيغران العظيم يؤلف بنفسه المسرحيات والأشعار والروايات التاريخية.

لقد عايش الشعب الأرمني نعم الرقى والازدهار والانتصار وتذوق مرارة الانحطاط والهزائم، وشاهدت البلاد قيام وانهيار إمبراطوريات عظمة. وبوجودها على ملتقى الطرق بين الشرق والغرب لعبت أرمينيا في جميع العصور دورا هاما في التبادل الدولي. ولكنها كانت في الوقت ذاته تفاحة النزاع بين دول الشرق والغرب، حتى أن الشعب الأرمني كان يجد نفسه مرغما دائما على خوض النضال من اجل الدفاع عن كيانه واستقلاله وثقافته العرقية. وتعرضت الدولة الأرمنية مرارا وتكرارا لضربات الغزاة ولجور المستبدين والطغاة، فما تكاد المراكز الحضارية والعمرانية تخبو وتنهار حتى تنهض ثانية من بين الأنقاض وكأنها مارد جبار. وفي أوائل القرن الخامس الميلادي خيم على شعبنا خطر الإبادة والزوال واحتدت الغزوات من الشرق والغرب. إلا أن الشعب الأرمني صمد للمحن في هذه المرة أيضا واستعاد حيويته من جديد.

توجد على أراضي أرمينيا اليوم أنقاض الكثير من المدن والقلاع والقصور الرائعة والمعابد والكنائس والجسور القديمة وقنوات الرى وأماكن صهر المعادن. تلك الآثار هي الدليل الساطع على أن جذور الثقافة الأرمنية تمتد إلى أعماق القرون. في أواخر القرن الرابع عشر سقطت أخر مملكة أرمنية في كيليكيا على ساحل البحر الأبيض المتوسط وفقد الشعب الأرمني دولته واستقلاله. وللخلاص من البطش والظلم والاضطهاد اخذ الأرمن يهاجرون ألوفا إلى روسيا وأوكرانيا وبولندا وفيما بعد إلى فرنسا وبلدان أخرى في أوروبا ومنطقة الشرق الأوسط، حيث استمر تطور الثقافة الأرمينية بعد انقطاعه في الوطن. وفي عام 1513 نشر في البندقية بإيطاليا أول كتاب أرمني مطبوع.

في منتصف القرن السادس عشر، وبعد حروب طاحنة، تقاسمت دولتان إقطاعيتان، تركيا العثمانية وإيران الشاهنشاهية، أراضي أرمينيا فيما بينهما. فاستولت إيران على المناطق الشرقية، وتركيا على المناطق الغربية منها، فناضل الشعب الأرمني ببسالة من أجل تحرير أرض الوطن من نير المحتلين الأجانب.

في عام 1828 وفق معاهدة (تركمانتشاي) في نتيجة الحرب بين روسيا وإيران، ضمت أرمينيا الشرقية إلى القيصرية الروسية.  أما الأوضاع في شطر أرمينيا الغربية الذي بقى تحت حكم تركيا العثمانية فقد ازدادت سوءا على سوء.

في 28 أيار/مايو 1918 أعلنت أرمينيا الشرقية دولة مستقلة وما لبثت أن انضمت إلى الاتحاد السوفياتي فأصبحت في عام 1920 تعرف بجمهورية أرمينيا الاشتراكية السوفياتية. وفي عام 1991 في 21 سبتمبر مع انهيار النظام السوفياتي حصلت أرمينيا على استقلالها التام وسيادتها الكاملة وأصبحت عضوا في هيئة الأمم المتحدة. (انظر أرشاك بولاديان، جمهورية أرمينيا اليوم، دمشق، 2008، ص4-7)

[iii] محمد رفعت الإمام، الأرمن في مصر-القرن التاسع، القاهرة، 1995، ص 28.

[iv] Sonyel Salahi Ramsdam, The Ottoman Armenians, London, 1987, p. 24-25:

[v] محمد رفعت الإمام، الأرمن في مصر، ص 31.

[1] آشوت ملكونيان، تاريخ أرمينيا، يريفان، 1998، ص 86(باللغة الأرمنية).

[1] تقع جمهورية أرمينيا الحالية في القسم الجنوبي من سلسلة جبال القفقاس وتحدها من الشمال والشرق جمهوريتا جيورجيا وأذربيجان، ومن الغرب والجنوب الشرقي تركيا وإيران. وتوجد معظم أراضى أرمينيا تقريبا على ارتفاع يزيد عن آلف متر فوق سطح البحر. وأعلى نقطة فيها هي قمة جبل ” أراكاتز ” (4095 م) واخفض مناطقها في أقصى الشمال لا ينقص عن 390 مترا. وعدد سكانها حوالي ثلاث ملايين نسمة. وتقع أرمينيا على نفس خط العرض مع اليونان وإيطاليا وإسبانيا.

استوطن قدامى الأرمن منذ غابر الأزمنة في المناطق الجبلية المرتفعة لهضبة أرمينيا الواقعة بين هضاب آسيا الصغرى وإيران. وكانت أول دولة أرمنية قد نشأت على أراضى دولة اورارتو في القرن السابع قبل الميلاد. وخلال القرنين الثاني والأول ق . م . كانت أرمينيا في عداد كبريات دول العالم. وفي القرن الأول ق . م . كانت عاصمتا أرمينيا ارتاشاد وتيغراناكيرت من أكبر مراكز الثقافة الأرمنية – الهيلينية، حيث قدمت على مسارحها روايات اسكيلس وسوفوكليس واوربيدس وغيرهم. وكان الملك أرتافازد الثاني (56-34 ق.م.) نجل الملك تيغران العظيم يؤلف بنفسه المسرحيات والأشعار والروايات التاريخية.

لقد عايش الشعب الأرمني نعم الرقى والازدهار والانتصار وتذوق مرارة الانحطاط والهزائم، وشاهدت البلاد قيام وانهيار إمبراطوريات عظمة. وبوجودها على ملتقى الطرق بين الشرق والغرب لعبت أرمينيا في جميع العصور دورا هاما في التبادل الدولي. ولكنها كانت في الوقت ذاته تفاحة النزاع بين دول الشرق والغرب، حتى أن الشعب الأرمني كان يجد نفسه مرغما دائما على خوض النضال من اجل الدفاع عن كيانه واستقلاله وثقافته العرقية. وتعرضت الدولة الأرمنية مرارا وتكرارا لضربات الغزاة ولجور المستبدين والطغاة، فما تكاد المراكز الحضارية والعمرانية تخبو وتنهار حتى تنهض ثانية من بين الأنقاض وكأنها مارد جبار. وفي أوائل القرن الخامس الميلادي خيم على شعبنا خطر الإبادة والزوال واحتدت الغزوات من الشرق والغرب. إلا أن الشعب الأرمني صمد للمحن في هذه المرة أيضا واستعاد حيويته من جديد.

توجد على أراضي أرمينيا اليوم أنقاض الكثير من المدن والقلاع والقصور الرائعة والمعابد والكنائس والجسور القديمة وقنوات الرى وأماكن صهر المعادن. تلك الآثار هي الدليل الساطع على أن جذور الثقافة الأرمنية تمتد إلى أعماق القرون. في أواخر القرن الرابع عشر سقطت أخر مملكة أرمنية في كيليكيا على ساحل البحر الأبيض المتوسط وفقد الشعب الأرمني دولته واستقلاله. وللخلاص من البطش والظلم والاضطهاد اخذ الأرمن يهاجرون ألوفا إلى روسيا وأوكرانيا وبولندا وفيما بعد إلى فرنسا وبلدان أخرى في أوروبا ومنطقة الشرق الأوسط، حيث استمر تطور الثقافة الأرمينية بعد انقطاعه في الوطن. وفي عام 1513 نشر في البندقية بإيطاليا أول كتاب أرمني مطبوع.

في منتصف القرن السادس عشر، وبعد حروب طاحنة، تقاسمت دولتان إقطاعيتان، تركيا العثمانية وإيران الشاهنشاهية، أراضي أرمينيا فيما بينهما. فاستولت إيران على المناطق الشرقية، وتركيا على المناطق الغربية منها، فناضل الشعب الأرمني ببسالة من أجل تحرير أرض الوطن من نير المحتلين الأجانب.

في عام 1828 وفق معاهدة (تركمانتشاي) في نتيجة الحرب بين روسيا وإيران، ضمت أرمينيا الشرقية إلى القيصرية الروسية.  أما الأوضاع في شطر أرمينيا الغربية الذي بقى تحت حكم تركيا العثمانية فقد ازدادت سوءا على سوء.

في 28 أيار/مايو 1918 أعلنت أرمينيا الشرقية دولة مستقلة وما لبثت أن انضمت إلى الاتحاد السوفياتي فأصبحت في عام 1920 تعرف بجمهورية أرمينيا الاشتراكية السوفياتية. وفي عام 1991 في 21 سبتمبر مع انهيار النظام السوفياتي حصلت أرمينيا على استقلالها التام وسيادتها الكاملة وأصبحت عضوا في هيئة الأمم المتحدة. (انظر أرشاك بولاديان، جمهورية أرمينيا اليوم، دمشق، 2008، ص4-7)

[1] محمد رفعت الإمام، الأرمن في مصر-القرن التاسع، القاهرة، 1995، ص 28.

[1] Sonyel Salahi Ramsdam, The Ottoman Armenians, London, 1987, p. 24-25:

[1] محمد رفعت الإمام، الأرمن في مصر، ص 31.

Leave a Reply

Your email address will not be published.