تدويل المسألة الأرمنية في الأمبراطورية العثمانية

arman

منذ مطلع القرن التاسع عشر جرت في الأمبراطورية العثمانية سلسلة من الأحداث العسكرية-السياسية والتي تركت آثارها بشكل ما على الواقع الأرمني. فقد أخذت بعض الأقاليم الأوروبية العثمانية تتوق إلى حكم ذاتي أو استقلال. وحينئذٍ تبنت روسيا القيصرية سياسة توسعية في الحدود العثمانية لمد نفوذها إلى المياه الدافئة في البحر المتوسط. ولغرض تحقيق هذه الطموحات عملت على تقويض قوة العثمانيين من الداخل بإثارة الطموحات القومية لدى المسيحيين من اليونانيين والسلاف في البلقان والأرمن في الأناضول[1].

نتيجة هذه السياسة اندلعت في عشرينيات القرن التاسع عشر الثورة اليونانية التي أثارت المشاعر القومية لدى الأرمن العثمانيين الذين رأوا ضرورة تدخل القوى الأجنبية لتحقيق أهدافهم والتخلص من النير العثماني. ولجأ الأرمن إلى روسيا لمساعدتهم في الحصول على حكم ذاتي أو الاستقلال، وشاركوا في عام 1828 الجيوش الروسية خلال زحفها على إيران والتي استولت على الشطر الشرقي من أرمينيا وقامت بضمها إلى القيصرية الروسية. كما حارب الأرمن في نفس العام في الولايات الأرمنية جنباً إلى جنب مع الجيش الروسي خلال عملياته الحربية ضد القوات العثمانية[2]. وابتداءاً من هذه المرحلة ولاحقاً ازداد ميول الأرمن العثمانيين للقيصرية الروسية آملين في الحصول على حقوقهم المشروعة نتيجة الانجازات التي كانت تحرزها هذه الدولة الأوروبية الكبرى ضد الأمبراطورية العثمانية.

إن الأرمن، شأنهم شأن الشعوب الأخرى، عارضوا السلطات العثمانية وسياستها الطورانية العنصرية، وحافظوا على روحهم القومية والثقافية وواصلوا بضراوة النضال ضد الاضطهاد العثماني. ففي النصف الأول من القرن التاسع عشر لم يسع الأرمن إلى الانفصال أو الاستقلال عن الأمبراطورية العثمانية، بل كافحوا من أجل إجراء الاصلاحات في الولايات في نطاق بقائهم ضمن الأمبراطورية[3].

هذا ونتيجة إهمال متطلبات الأرمن من قبل السلطة المركزية، أدى، كما قيل، إلى ميولهم للقيصرية الروسية لتبني مستقبلهم في مباحثات السلام إثر الحرب الروسية-التركية في الأعوام 1877-1878. ووفق مناشدات زعماء الأرمن تكللت تلك المساعي بالنجاح جزئياً خاصة بعد انتصار الروس والاستيلاء على أجزاء من أرمينيا الغربية والتي أجبرت الأمبراطورية العثمانية وفق البند »16« من معاهدة سان إستيفانو المبرمة في 3 آذار 1878 بين الطرفين على تحقيق إصلاحات في المناطق الأرمنية تحت إشراف الدول الكبرى وبالدرجة الأولى روسيا[4].

بعد توقيع المعاهدة سرعان ما نشبت تناقضات بين الروس والبريطانيين. فكانت الدول الأوروبية العظمى ترى إن معاهدة سان إستيفانو تصب في مصلحة روسيا على حساب مصالح الدولة العثمانية وأوروبا ووضعت البحر الأسود تحت سيطرة روسيا الكاملة، ولم تترك لتركيا سوى استقلال صوري[5]. وانطلاقاً من مصالحها السياسية وقفت بريطانيا إلى جانب الأمبراطورية العثمانية مع ضمانها لنفسها بالمقابل احتلال جزيرة قبرص التي كانت جزءاًً من أراضيها.

تحت ضغوط بريطانيا وألمانيا أعيد النظر بمعاهدة سان استيفانو في مؤتمر برلين الذي انعقد في نفس السنة في 13 تموز عام 1878. وشارك في هذا المؤتمر الدولي بريطانيا، فرنسا، ألمانيا، روسيا، النمسا، المجر وإيطاليا. فحاول الوفد الأرمني مشاركة أعمال المؤتمر ولكن بدون جدوى. اذ  لم يستقبل المؤتمر ولم يستمع إلى الوفد الذي جاء لتقديم شكاوى الأرمن العثمانيين وعاد إلى القسطنطينية وهو يجر أذيال الخيبة.

قبل انعقاد مؤتمر برلين حاولت بريطانيا مداعبة الأرمن لكسب ميولهم عن طريق التقارب بين الكنيسة الأرمنية والكنيسة الانجليكانية لهدف إخراج الأولى من عزلتها الدينية، والسماح لبريطانيا بمزيد من المساحة تحت عنوان المطالبة بحق حماية الأرمن[6]. وبالرغم من أن القيادة الدينية الأرمنية رفضت هذه المطالب، لكن كل ذلك أدى إلى بعض الاستياء من قبل روسيا تجاه الأرمن والقضية الأرمنية.

خلال إعادة النظر في مؤتمر برلين بمعاهدة سان إستيفانو تم تبديل المادة »16« المتعلقة بالاصلاحات في الولايات الأرمنية في المعاهدة الجديدة بالمادة »61« وتركت الاصلاحات المقررة من قبل لمشيئة الحكومة التركية وأجبرت القوات الروسية على  الانسحاب من الأراضي الأرمنية التي كان يتوجب إجراء الاصلاحات فيها. وحسب المادة »61« من معاهدة برلين تعهد »الباب العالي ودون تأخير بتطبيق الاحتياجات المحلية في الأقاليم التي يقطنها الأرمن وضمان الأمن لهم في مواجهة الجراكسة والأ تراك  على  ان يقوم الباب العالي بتقديم تقرير دوري عن الإجراءات التي تتخذ بهذا الشأن إلى القوى العظمى التي ستعمل على مراقبة تطبيقها«[7]. هذا وأطلقت المادة »61« أيدي السلطان عبد الحميد العثماني لمعالجة القضية الأرمنية حسب تصوره مع خلق الفرص لتدخل هذه الدول في الشؤون العثمانية ومطالبة التنازلات منها.

في أعقاب مؤتمر برلين عام 1878 أصبحت القضية الأرمنية محور الدبلوماسية الدولية. حيث يكمن جوهرها في كفاح أرمن الأمبراطورية للحفاظ على هويتهم القومية ورفضهم لسياسة التتريك الجبرية وحقهم في العيش في وطنهم والحصول على الحكم الذاتي ووضع حد للمذابح من قبل الأتراك والأكراد والجركس. ورغم وعود السلطات العثمانية من حين إلى آخر لتنفيذ الاصلاحات المرغوبة في الولايات الأرمنية، فقد واصلت ارتكاب الأعمال الوحشية ضد الأرمن مع نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين[8].

مقتطف من كتاب “شهود عيان عن الإبادة الأرمنية في الإمبراطورية العثمانية (مجموعة وثائق) بمناسبة ذكرى مرور مئة سنة على الإبادة الأرمنية (1915-2015)”، إعداد وإشراف ودراسة: البروفيسور الدكتور آرشاك بولاديان، دمشق-2014، حيث ينفرد موقع “أزتاك العربي للشؤون الأرمنية” بنشر مقتطفات منه.

[1] Sonyel Salahi Ramsdam, The Ottoman Armenians, London, 1987, p. 11-12:

[2] محمد رفعت الإمام، الأرمن في مصر، ص31.

[3] محمد رفعت الإمام،  القضية الأرمنية في المصادر العربية، 1878-1923 www.ancme.net/studies.407

[4] س. جرافينهاج، م. فان ديربييكس هوفبويكاندل، انكلترا والأرمن (1839-1904)، القاهرة، 1983، ص 30-34.

[5] نفس المصدر، ص 35.

[6] نفس المصدر، ص36.

[7] نفس المصدر، ص 39.

[8] نيقولاي هوفهانيسيان، العلاقات التاريخية الأرمنية-العربية، القاهرة 2008، ص28.

Leave a Reply

Your email address will not be published.