السبلان والقساطل القديمة في مدينة حلب…صفحات من كتاب “تاريخ حلب “للأسقف أردافازت سورميان (19)

السوق

الفصل الثامن عشر

السبلان والقساطل القديمة في مدينة حلب

       انطلاقا من عدد سكانها الكبير ومساحتها الواسعة كان لأحياء مدينة حلب الرئيسية سبلان وقساطل عامة عديدة أمنت لها الماء الصحي الغزير. وعندما بدأت مياه ينابيع حيلان تصل إلى المدينة عبر شبكة من الأقنية أمر السلطان غازي بناء على رواية ابن الشداد ببناء أحواض كبيرة بسبلان وقساطل في الأحياء. وقد شيد شهاب الدين طوغرل أول حوض مع سبيله داخل باب الأربعين تحت التكية التي قام بابتنائها قرب الخندق الروماني. وكان طول الحوض 20 ذراعاً وينتهي كل من طرفيه الشرقي والغربي بقبة وله قناتان رفيعان بقطر إصبع واحد. ثم مد الغازي القناة حتى باب النصر وهنا أيضاً شيد حوضاً بطول 20 شبراً ويحتوي على ثلاثة أنابيب. وكان ماء هذا القسطل يجري حتى حي بحسيتا حيث شيد سبيلين أيضاً  ويتجهان حتى حي المعقلية. بعد ذلك أمر الغازي بمد الفرع الرئيسي للقناة من باب الأربعين حتى الشارع الذي ينتهي قرب مدرسة العصرونية وجامع الحيات ومنها فرع يستمر في سيره نحو السويقة وفرع آخر نحو المدينة وما حولها. وهذا الفرع الأخير كان يتجه إلى حي البلاط وكان فيه سبيل على الجهة المقابلة لشارع الملك الظاهر وبداية شارع دار الديلم ثم يمتد نحو شارع البازيار. وكان فرع من هذه القناة يتجه إلى نهاية شارع بني الزهرة وسوق الطيور حيث يوجد قسطل آخر ثم إلى شارع شريل قسطل وجب أسد الله ومن هنا إلى باب الجنان وجامع القصر.

قسطل حرامي

      يصف ابن الشداد بعد ذلك القناة التي تتجه نحو سويقة اليهود ومنها إلى باب النصر حيث شيد الغازي حوضاً كبيراً وما يزيد عنها من الماء كان يجري نحو السويقة قرب المصبغة وهنا أيضاً شيد قسطلاً. وفي هذا المكان كان الغازي قد بدأ بتشييد جامع تنتهي القناة عنده. ثم قام السلطان بعدئذ بمد الفرع الرئيسي للقناة إلى الحوض الذي يقع قرب القلعة لتأمين الماء للأسواق  ومركز المدينة. ولكن مشروعه الأكثر أهمية وفائدة كان بناء صهريج كبير تحت الأرض حيث يمكن جمع المياه التي تصل إلى المدينة وتوزيعها بشكل عادل ومنظم عبر محطات توزيع عديدة.  وكانت المياه تصل إلى الجامع الكبير وما يجاورها عبر أنبوب ممتد من هذا الصهريج وأنبوب آخر إلى باب العراق وما حوله وأنبوب ثالث إلى القاضية وما يجاورها ومنها إلى أحياء عديدة أخرى. وقد ابتنى السلطان قسطلاً على القناة تتجه إلى الجامع الكبير وأمام القصر العدلي وسوق الصاغة وقناة إلى حمام العفش قرب حبس الدلبة ومد أنبوب من نهاية سوق الصاغة إلى سوق الندايين حتى الطرف الشرقي للجامع الكبير حيث القسطل يوزع المياه عن طريق ثلاثة فروع:الواحد منهم يغذي نافورة الجامع الكبير والثاني يجتاز باحة الجامع الكبير المركزية ويؤمن مياه الوضوء وحاجات المصلين الأخرى بينما الفرع الثالث كان يتجه إلى باب قنسرين ومحيطه.  ويستمر هذا الفرع الأخير ويصل إلى سوق العطارين العتيق ويتفرع قرب تقاطع الطرق إلى فرعين:الأول منهما يسير نحو سوق الحطب والثاني يصل إلى سوق العطارين. وكان هناك فرع من القناة يتجه من باب قنسرين إلى سوق الزجاجين ثم إلى حي أسد الدين ثم شمالي سوق الإسكافيين وسوق البزازين حيث كان يوجد سبيل ويصل إلى شارع المستشفى حيث القسطل فكان السكان يأخذون ما يلزمهم من الماء ليل- نهار من ثلاث حنفيات.

       أما القناة المتجهة إلى باب قنسرين فقد كانت تمتد إلى نهاية شارع ابن الأسود حيث شيد قسطل ثم إلى جامع ابن الإسكافي وفيه سبيل وصولاً قرب قسطل ومسجد صغير. وكان هذا القسطل يوزع مياهه بثلاثة فروع:الأول كان يتجه إلى جامع سيف الدين طارق الواقع في بداية شارع المسلخ وينتهي بقسطل. والفرع الثاني يسير نحو باب قنسرين بينما الفرع الثالث يصل حتى جامع الجرن الأصفر حيث شيد سبيل. وبناء على تأكيد ابن الشداد أيضاً تتفرع القناة من سبيل باب قنسرين إلى ثلاثة فروع ثانوية وتتجه إلى خارج المدينة حتى برج الغنم وتصب المياه في عدة قساطل موجودة في السوق المقابل للبرج. ويروي أيضاً بأن المياه كانت تصل إلى مدرسة سيف الدين الواقعة قرب جامع أسد الدين وكانت القناة تدخل إلى المدينة من خلال باب قنسرين. وقد امتدت هذه القناة حتى مدينة حلب بمساعي ابن الأسيسي عندما كان مسجوناً في المدينة. وبسبب قدمها وعدم الاهتمام بتنظيفها دورياً انسدت هذه القناة فقام الغازي بتوسيعها وتنظيفها وبدأت المياه تجري بانتظام وبغزارة ملبية حاجات جميع السبلان.

       يمتدح أبو المظفر محمد بن محمد الواسطي الملقب بابن الصُنير الغازي لمشاريعه المفيدة في مدينة حلب قائلاً:((بجره المياه إلى حلب حوّل أراضيها القاحلة إلى بساتين غنّاء وأعاد إحياء حقولها الموات كالمسيح الذي بعوان الله كان ينفث الحياة في عظام الموتى. أي شيء أعجب من جريان المياه عبر شبكة مياه مؤلفة من آلاف القنوات الفرعية التي سببت إراقة دماء غزيرة من أجل صونها أثناء المعارك الطاحنة)).

       بعد اقتباس المؤرخ ابن الخطيب معظم هذه المعلومات عن ابن الشداد يستطرد مؤكداً بأن الغازي خصص أوقافاً هامة لإصلاح وترميم هذه الشبكة وقد زال معظمها في أيامه. وأكد أيضاً بأن قناة مُدت في زمانه حتى الجهة الخارجية لباب المقام وقرب مدرسة الجميلية ولكن الأعمال توقفت بسبب اجتياحات تيمورلنك أو قبل مدة قصيرة من ذلك. وكانت المياه في عام 1429 تصل حتى مدفن إشقتيمور. ويضيف ابن الخطيب قائلاً:((مياه حلب مقارنة بمياه دمشق أخف وألذ ولكن أقل لذة من مياه الفرات كذلك يمتاز هواء وأرض حلب باعتدالهما وخصائصهما الصحية والدليل  عندما أصاب وباء الطاعون دمشق رغب الوليد بالإقامة في حلب. وعندما قال له أحدهم:يا أمير المؤمنين قال الله تعالى:ليس هناك طائل من رغبتك بالهروب من الموت الطبيعي أو الموت عن طريق العنف لأن القليلين منكم سينجون. فرد عليه الوليد:أرغب أن أكون ذلك الشخص)).  ويستمر ابن الخطيب قائلاً بأن العديد من الأمويين فضلوا السكن في حلب بسبب مناخها الصحي.

        بعد ذلك يكتب ابن الشحنة قائلاً:((هذه القناة عمل مفيد جداً وإنني على يقين بأنها تعود إلى النبي إبراهيم والمنفعة التي نجنيها دليل على ذلك إلى درجة أن سكان البر (مدينة بره جيك الحالية على نهر الفرات)الذين ترعرعوا فيها وألفوا مناخها وشربوا من مياه الفرات ومنهم الشيخ العالم شمس الدين السلامي رووا لي بأنهم يفضلون ماء حلب على ماء الفرات.  وهذه حقيقة مؤكدة بسبب طبيعة مياه حلب الصحية. وكان العديدون يشاطرونه في الرأي قبله كأبي فراس الحمداني في بيت من إحدى قصائده)).

        يقول ابن الخطيب أبي عبد الله محمد بن عبد الوحيد بن حرب الذي كان متواجداً على ضفتي الفرات وهو من البيرة أيضاً:((جلت العالم شرقاً وغرباً ومددت بصرى من طرف إلى آخر ولكنني لم أجد في أي مكان على وجه البسيطة أفضل من حلب وأعذب من مياه نبع نهر قويق)). كذلك وجد السكرتير العام لحكومة مصر القاضي نصر الدين الباريزي الحموي الأصل مياه حلب أخف من مياه نهر النيل. وقد سأل حافظ أبو الوفا معلم ابن الشحنة رأي الرحالة خليفة بن حاج أبي بكر الذي جاب معظم بلدان العالم حول ذلك فرد عليه بأن مياه حلب هي الأجود مقارنة بمياه الفرات والنيل.   J. Sauvaget (Les Perles Choisies d’Ibn ach-Chihna) I, Beyrouth-1933, p156

        معظم القساطل والسبلان القديمة في حلب تخربت وزالت نهائياً في أيامنا عدا بعض منها في الأحياء الشعبية التي لا تزال تسقي السكان كقسطل الحرامي وغيره. ومنذ عام 1918 حصلت الأحياء الجديدة وحتى الأحياء الشعبية الفقيرة البعيدة على مياه عين التل بجهود حاكم سوريا العام جمال باشا في السنوات الأولى للحرب العالمية الأولى عبر أنابيب حديدية يصل قطرها إلى 30 سم وتُدفع المياه بمضخات هوائية في منطقة الميدان في البرك الكبيرة المبنية على نقطة تقاطع شارع ألكسندر ميللران والرمضانية ثم شيدت البركة الكبيرة الواقعة على الجهة الشمالية من القلعة وقرب الثكنة الكبيرة وهو أكبر صهريج بين جميع صهاريج الشرق الأوسط الحديثة.

       نبع عين التل مغطى بالكامل ويحظر اقتراب المارة بقربه. وكما رأينا فإن مياه حلب من نهر قويق وينابيع حيلان التي توزع عبر أقنية تمتد إلى الأحياء والمنازل والسبلان والقساطل هي مياه صحية ولكن مياه حلب التي تصل من عين التل هي الأجود والأخف للجهاز الهضمي. وقد لوحظ مخبرياً بعد فحص عينة في 11 تشرين الأول عام 1926 أخذت من مياه عين التل التي كانت تجري مدة 12 ساعة يومياً أن درجة حرارتها تصل إلى 18 درجة ولا رائحة أو لون أو طعم لها وقدم الفحص المخبري الصورية التالية عن العينة:

درجة الحموضة معتدلة
درجة السيولة الكلية 18 وحدة
درجة السيولة الدائمة 10 وحدات
الشوائب الجافة في درجة حرارة 110 فاهرنهايت 280 ملغ
كمية الكلور بشكل Na Cl 2,75 ملغ
الكبريتات بشكل SO3 0. 21 ملغ
الكلس الكلي بشكل Oca 34 ملغ
مواد عضوية 0,5 ملغ
النشادر سلبي
النيترات بشكل نيترات البوتاسيوم 2 ملغ
النيتريت بشكل نيتريت البوتاسيوم سلبي
حمض الفحم الغازي 8,5 مل
الماغنيزيوم أثر

       ولم تظهر أية جراثيم في العينة  أثناء الفحص المجهري.

      يقول أحد مؤرخي منتصف القرن 19 حول حلب:((يقدم 200 قسطلاً وسبيلاً مياهاً جارية لمدينة حلب)).  وكما شاهدنا معظم هذه السبلان والقساطل تخربت وزالت ولم يبق منها سوى 10-14 قسطلاً تؤمن الناس بالماء.

     بسبب استثمار ينبوع عين التل واكتشاف ينابيع أخرى قربه وزيادة كمية المياه بفضل الامتياز الممنوح لشركة الكهرباء تغير وجه حلب كلياً في السنوات 15 الأخيرة لأن صورتها البائسة قبل 20 عاماً لا تزال ماثلة في مخيلتي فقد كانت معاناة السكان كبيرة بسبب نقص كمية المياه في فصل الصيف على وجه الخصوص وكان الناس من جهة والسقائين الأكراد من طرف آخر يتزاحمون ويتخاصمون ويتقاتلون بالضرب والسباب البذيئة لملئ صفائحهم أو أباريقهم النحاسية.  والآن ومنذ سنوات عديدة لا مشكلة مياه في حلب ويمكن لأفقر أسرة الحصول على حاجاتها من الماء لقاء 10-20 فرنكاً. وبفضل جهود وإشراف شركة المياه المنظمة والعلمية لا تصل مياه الشرب الجيدة إلى جميع المرافق العامة الحكومية والمؤسسات الدينية والتعليمية والخيرية والمستشفيات والحمامات والفنادق والجمعيات فحسب, بل تستفيد جميع الحدائق العامة والخاصة من هذه المياه المباركة.

ينفرد “ملحق أزتاك العربي للشؤون الأرمنية” بنشر صفحات كتاب “تاريخ حلبللأسقف أردافازت سورميان.

* من كتاب تاريخ حلب” للأسقف أردافازت سورميان، مطران الأرمن الأسبق في حلب، (1925 – 1940)، ترجمه عن الأرمنية الدكتور ألكسندر كشيشيان، عضو اتحاد الكتاب العرب وجمعية العاديات، حلب، 2006.

Leave a Reply

Your email address will not be published.