كتاب (تاريخ الأرمن في مصر الإسلامية في مائة عام هجرية) من سنة 466-566هـ/ 1073-1171م للدكتورة سهام مصطفى أبو زيد

تاريخ الارمن في مصر الاسلاميةعرض: عطا درغام

يُعد الأرمن من أهم الشعوب الذين عكف الدارسون علي الاهتمام بهم وتتبع أصولهم والتطور الذي عاشته بلادهم عبر عصورها ؛إذ تميز طابع أرمينيا بالكر والفر نتيجة للصراع عليها بين الدول الكبرى.

ومن هنا، بدأت الهجرات الأرمنية من أرمينيا نتيجة للجور والظلم الذي قاسوا منه أيام التبعية للبيزنطيين، إلي جانب بعض التعديات التي لاقوها من قبل الخلافة الإسلامية في العصر العباسي؛ لذلك انتشر الأرمن في أصقاع كثيرة من العالم ، وخدموا في وظائف شتى، وتميزوا في هذه الأصقاع وتركوا بصماتهم، وكونوا لأنفسهم جاليات لها وزنها في هذه المناطق.

وقد أغرى الأرمن الباحثين على الاهتمام بهم وتتبع أصولهم والتطور الذي عاشته بلادهم عبر عصورها، لكن هجرات الأرمن ومداها والمناطق التي تركزوا فيها وتاريخهم في هذه المناطق لم تحظ باهتمام الباحثين والدارسين سواء كانوا عرباً أم أجانب.

وتأتي دراسة الدكتورة سهام مصطفى أبو زيد بعنوان ( تاريخ الأرمن في مصر الإسلامية في مائة عام – من سنة 466-566هـ/ 1073-1171 م) لتسد فراغا في واحدة من هذه الهجرات، وهي هجرتهم إلى مصر وزمنها.

وتُعد هذه الدراسة: (الأرمن في مصر الإسلامية) دراسة علمية جادة، تتبع تاريخ هذه الهجرة، وتُلقي الضوء علي زمنها. كما تُقدم براهين جديدة مستقاة من المصادر المعاصرة تثبت أن هذه الهجرة كانت مبكرة عن الفترة التي تعارف عليها معظم الباحثين والدارسين والتي حددوها بزمن قدوم بدر الدين الجمالي إلى مصر في 466هـ/ 1073 م.

قسمت الكاتبة الدراسة إلي مقدمة وخمسة فصول وخاتمة.

عالج الفصل الأول: الأرمن وموطنهم الأصلي، فتشير الكاتبة إلى تعدد أسماء الأرمن وأرمينيا، فيذكرها ياقوت الحموي باسم “أرمينا”، و”هايستان” نسبة إلي القائد الأسطوري “هايك”. كما نجد أسماء أخري كالكرچ والچورچيون وكارستان؛ حتى تعرّب اسم “أرمينية ” وصار يُكتب بتاء مربوطة في آخره ويشكل بفتح أو كسر أوله، ثم سكون الراء وكسر الميم وياء ساكنة وكسر النون وياء خفيفة مفتوحة، وصارت النسبة إليها “أرمني” و”أرمنية” بدلا من أرميني وأرمينية والجمع أرمن بفتح الميم والجمع أرمن.

وجدير بالذكر أن حياة الأرمن اتسمت بعدم الاستقرار؛ إذ عاشوا قبل الإسلام في صراعات ومعارك مستمرة وتمزق وضياع في الخارج ؛ فتصبح من نصيب الجيوش الغالبة المنتصرة من الفرس أو الروم. والداخل ، الصراع بين الأمراء الأرمن مع بعضهم البعض وبين رجال الدين الأرمن ، ثم بين هؤلاء وأولئك وبين فئات الشعب الفقيرة.

وفي تلك الفترة نتج عن ذلك ، أن قام الأرمن بكثير من الثورات سياسيا علي الحكم الأجنبي، ودينيا لاضطهاد البيزنطيين (الخلقدونيون) للأرمن (اليعاقية) بسبب الاختلاف في المذهب.

لذا،مهد ذلك للفتح الإسلامي الذي وجدوا فيه حريةً دينية وأماناً على أنفسهم وأولادهم وعقائدهم الدينية، وملاذاً يلجأون إليه وحكمة يلوذون بها، ومبادئ يعملون علي الحفاظ عليها.

وجاء الفصل الثاني بعنوان: الأرمن في ظل الحكم الإسلامي، حيث تذكر  الباحثة أن أرمينية بمقتضي فتحها أصبحت إحدى ولايات الدولة الإسلامية منذ أن فتحها القائد العربي مسلمة بن حبيب سنة 25 ه .

وثمة حقيقة جديرة بالذكر مؤداها، أن عدداً كبيرا من الأرمن خاصة الحكام والأشراف منهم لم يندمجوا في الدولة الإسلامية ، ولم يرضوا بطاعة المسلمين، وذلك علي الرغم من التحرر من سيطرة وظلم البيزنطيين وتمتعهم في بعض فترات الحكم الإسلامي بالعدل والتسامح والحرية الدينية.

وبالتالي ،فقد نقضوا هذه الطاعة مراراً، محاولين الاحتفاظ بشخصيتهم وبشخصية بلادهم المميزة لهم عن طريق التمسك بلغتهم القومية الخاصة وكنيستهم الوطنية المستقلة.

ورغم تناقض الموقف الأرمني، فقد منحهم المسلمون استقلالا محدودا ، وذلك لإدراك المسلمين للموقع الاستراتيجي لأرمينية، فلعبوا دورا بارزاً لأمن الدولة الإسلامية وحماية حدودها. فالأرمن كانوا حاجزاً بين الدولة الإسلامية وبين شعوب إقليم ما وراء القوقاز الذين زحفوا بإيعاز من الإمبراطورية البيزنطية بهدف إضعاف القوة الإسلامية.

وتتبع الفصل الثالث هجرات الأرمن خارج أرمينية، فترصد الدكتورة سهام الأسباب والأهداف التي دفعت الأرمن إلي الهجرة خارج أرمينية ، فنجد أن الكثير من الأرمن تركوا بلادهم واتجهوا إلي بلاد أخري اتخذوها أوطاناً لهم .

سياسياً: تحريض الإمبراطورية البيزنطية وتشجيعها لأشراف الأرمن بالمال والعتاد والجيوش لتخليصهم من السيادة العربية وإرجاعهم إلي سيادتها، وقد حققت بعض النجاح؛ إذ هاجر إليها مجموعات كاملة من الأرمن علي رأسها الأشراف، لكن المهاجرين الجدد لم يجدوا هناك الأمان.ومن جهة أخري اشتعال الحروب بين نبلاء الأرمن والقوات الإسلامية . زد علي ذلك ، اشتعال الحروب بين نبلاء الأرمن والقوات الإسلامية ، ونتيجة لهذه الحروب كان بعض الأرمن يخرجون من أرمينية مع المسلمين كأسري حرب أو غنائم في العصور الإسلامية

دينياً : اضطر بعض الأرمن إلي الخروج من بلادهم فراراً بدينهم من اضطهاد البيزنطيين لاختلاف المذهب الديني والكراهية والتحدي. وانعكس ذلك علي كتابات مؤرخي كل فريق منهم .

ويدرس الفصل الرابع حالة الأرمن في مصر: حيث تُعد هجرة الأرمن إلي مصر من أهم الهجرات نظراً للمكانة التي وصلوا إليها داخل البلاد، والأثر الذي تركوه علي الحياة المصرية. ويكاد يتفق معظم المؤرخين علي أن بداية مجيء الأرمن إلي مصر مع قدوم بدر الدين الجمالي، لكن انفرد أبو صالح الأرمني بذكر بعض النصوص التي تشير إلي وجودهم قبل مجيء بدر الجمالي وأن أوضاعهم كانت مستقرة .

وفي هذا السياق، كانت مصر في هذه الفترة التاريخية تحت الحكم الفاطمي ،الذي فتح ذراعيه لكثير من الشعوب والقوي. وكان الأرمن أحد هذه الشعوب الكبيرة التي وفدت علي مصر وكونت لنفسها مكاناً ، ولعبت دوراً كبيرا في الحياة المصرية سياسياً وإدارياً وعسكرياً واجتماعياً وثقافياً .

لذا ،أصبح الأرمن في العصر الفاطمي قوة لا يُستهان بها ، وقد كان للخلفاء اليد الطولي في تمكين القوة الأرمنية في الأراضي المصرية حيث منحوهم سلطات واسعة مكنتهم من البلاد والعباد.

اختلط الأرمن بالمصريين، وأصبحت لهم صلات بهم وتتطور الأمر بينهما إلي ائتلاف واختلاف. وعندما اعتلي الأرمن مناصب الدولة الكبري وتسلطوا علي أجهزتها السياسية والإدارية والعسكرية اتسمت حياتهم وسلوكياتهم بالاختلاف والتناقض مع المسلمين في مصر.

فمنهم من تفهم معني السلطة وأحسن إلي المصريين ، ومنهم من أساء فهمها  وحمّل أهل البلاد  مالا يطيقون و أذاقواهم أقسي أنواع العذاب والاغتراب داخل وطنهم .

ويناقش الفصل الخامس دور الأرمن في مجالات السياسة الداخلية (مجالات الحكم والإدارة- المجالات العسكرية والحربية – المجالات العلمية والعمرانية).

فقد اعتلي الأرمن أعلي المناصب في الدولة المصرية في العهد الفاطمي؛ إذ مُنحوا العديد من السلطات التشريعية والتنفيذية المشمولة بالنفاذ في مختلف مجالات الدولة، وكانت هذه السلطات مابين المطلقة وشبه المطلقة والمقيدة.

وجدير بالذكر أن سياستهم لم تكن في التعبير عن والوظائف الممنوحة لهم من منطلق كونهم ممثلين لسياسة الخلفاء الفاطميين أو توليهم بعض المناصب، بقدر ما كانت من منطلق الطموح الشخصي للوصول إلى كرسي الحكم، حتي لو أدي الأمر إلي مخالفة رأي الخليفة وقوانين الخلافة الفاطمية في بعض الأحيان.

ثمة عوامل أهّلت الأرمن في التطبيق والتنفيذ، منها عظم شخصياتهم واتصافهم بالشدة والرهبة والسطوة والعزم والحزم، والقدرة علي السيطرة علي الأمور في الدولة. أضف إلي ذلك، تمكنهم من الخلفاء وهيبتهم في نفوس الناس ، وارتباطهم بعجلة الحوادث الجارية في أنحاء البلاد وشهرة البعض منهم بالعدل والسماحة.

يبرز اسمين كبيرين في الدولة الفاطمية تمثلا في بدر الجمالي وابنه الأفضل اللذين بلغا من ذيوع الصيت والتفوق السياسي العسكري ما جعل اسميهما يرتفع فوق اسم الخليفة ، وجميع الأحداث السياسية والعسكرية في هذه الفترة ارتبطت بهما.

نجح سبعة من الأرمن في تولي أهم منصب سياسي وهو الوزارة وهم: بدر الجمالي، الأفضل بن بدر الجمالي، وأبو علي أحمد بن الأفضل، وأبو الفتح يانسي الأرمني، وبهرام الأرمني، وطلائع بن رزيك، ورزيك بن طلائع.

عني الأرمن في مصر بالحياة العلمية والأدبية عناية فائقة وتعهدوها بالرعاية  حتي سارت قُدما نحو النمو والازدهار ،وكان اهتمامهم بجميع ميادين العلم والأدب عاملاً أساسيا ًومؤثراً فعالاً من عوامل ومؤثرات قيام النهضة العلمية الرائعة في مصر في العصر الفاطمي. وقد  نبغ منهم بعض الأرمن في بعض مجالات العلم والأدب.

لم يقتصر اهتمام الأرمن بالعلم والأدب فقط، بل اهتموا بالمجالات العمرانية، وذلك بنشر العمران وإقامة المنشآت. وتنوعت هذه المباني والمنشآت بتنوع الأغراض والأهداف التي نبعت منها تلك الاهتمامات .

تمثلت هذه المباني والمنشآت في بناء الحارات والمساكن والحمامات العامة والبساتين، والترب والمدافن، إلي جانب المنشآت الحربية والحصون لحماية مصر من الخطر الخارجي والمعتدين عليها.

وأنهت الباحثة دراستها بخاتمة حوت جميع النتائج التي انتهت إليها الدراسة ، فتري أن نفوذ الأرمن وتعدادهم في مصر تأثر إلي حد كبير بقوة الشخصية الأرمنية، ومدي ما تتمتع به من نفوذ وسلطان والطموح وحب البقاء في السلطة. كما تأثر بطبيعة سياسة الأرمن تجاه الخلفاء الفاطميين من ناحية، وتجاه عامة الشعب من ناحية أخرى.

وقد تعرض الأرمن في مصر لتجارب عديدة أدت إلى غروب سلطانهم ونفوذهم في مجالات السياسة الداخلية بوجه عام، وإن كانوا احتفظوا ببعض النفوذ في المجالات الحربية والعسكرية.

وفي هذا السياق، تعرض النفوذ الأرمني في مجال الحكم والإدارة إلى التصفية مرتين، الأولى: في عهد الوزير رضوان ابن الولخشي الذي خلف بهرام الأرمني، وتقع المسؤولية على الأرمن لأنهم أساءوا إلى الإسلام والمسلمين وإلى الدولة وحكامها في مصر.

والثانية: في فترة وزارة صلاح الدين الأيوبي للخليفة العاضد بالله، وقضي تماما على نفوذ الأرمن في مجال الإدارة والحكم ليحل محلهم الأكراد.

وعلى الرغم من ذلك، فقد احتفظ الأرمن بحقوقهم في مصر، كحق العبادة وإقامة شعائر دينهم في الكنائس والأديرة، فقد كانت مكفولة لهم إلا في بعض الفترات. وحتي الفترات التي أغلقت فيها كنيسة الأرمن الرئيسية نجدهم عُوضوا بكنيسة غيرها وتوفر لهم المكان والبناء المناسب لإقامة شعائرهم وصلواتهم.

Leave a Reply

Your email address will not be published.