سوق حلب المغطاة …صفحات من كتاب “تاريخ حلب “للأسقف أردافازت سورميان (21)

ardavazt-sourmeyan-book-cover

الفصل الحادي والعشرون

سوق حلب المغطاة

       هي إحدى مواقع حلب القديمة الأكثر إمتاعاً. وهذه السوق وحدها بين الأسواق التي زرتها في المدن الشرقية عدا سوق اسطنبول تمتاز بأنها تحتل موقعاً مركزياً في المدينة القديمة وهي واسعة جداً ومغطاة كاملة وتجسد مكانة حلب التجارية الكبيرة في الشرق الأوسط وشهرتها القديمة كإحدى أكبر المراكز التجارية في عالم الاستيراد والتصدير وكانت مستودع تلك السلع بخاناتها وقيصرياتها ومنها بالذات صُدرت مختلف أنواع البضائع والمنتجات الطبيعية والمهنية إلى أوروبا وآسيا وإفريقية واستوردت من تلك العوالم جميع السلع التي نجدها اليوم تعرض فيها وتباع للسكان. وكمركز تجاري واسع كانت حلب مدينة قوافل كبيرة وخاصة عندما أفلت أهمية المدن التجارية السورية التي كانت واحات طبيعية في البادية كالبتراء وجرش وتدمر ودورا أوروبوس وغيرها فعظمت أهمية حلب التجارية. وهذه الصحراء ذاتها هي التي خلقت “سفينة الصحراء” الجمل منذ الخليقة وكان هذا الحيوان الوسيلة الوحيدة تقريباً في نقل السلع التجارية حتى نهايات الحقبة القروسطية عندما كانت طرق القوافال عملية وآمنة. ومن جهة أخرى لم يكن ركوب البحر آمناً أو مناسباً بل كان التجار يلجؤون إليه عند الضرورة القصوى فقط لنقل البضائع من إيطاليا واليونان إلى إفريقية ومصر مثلاً وبالعكس بينما عن طريق القوافل البرية كانت سلع الهند وشبه الجزيرة العربية والحبشة والسودان تجلب إلى حلب وبابل. 

      كانت حلب مدينة تجارية من الدرجة الممتازة وكانت قوافل الجمال التي لا نهاية لها تنقل البضائع التي تحتاجها بابل ومصر منذ أزمنة موغلة في القدم وهي سلع تلبي الحاجات اليومية الحياتية إلى جانب بضائع أخرى للرفاه والبهرجة. وبعد قرون من هذه الفترة وصلت إلى حلب قوافل عديدة عبر الطرق ذاتها من كابادوكيا وإيران والهند والصين البعيدة محملة بالعطور ومساحيق الوجه وجميع أنواع التوابل والعاج وآنية السيراميك ونقلت من حلب بضائع صنعت محلياً وأخرى أوروبية معدنية وخاصة عدة الصيد وأسلحة ومنسوجات ملونة وزجاجيات ونبيذ ومصنوعات حريرية وغيرها. وكانت تجارة القوافل تنشط وتتوسع بسرعة بين الدول الشرقية والغربية عبر الوقت وتنتظم أكثر فأكثر وهذه القوافل هي التي نقلت التجار من كل ملة ودين وأدخلت الرخاء والبهجة إلى حلب فأضحت إحدى المراكز التجارية- الثقافية في الشرق الأوسط.  ومع ذلك لم تكن حلب مدينة قوافل بالمعنى العميق للكلمة قط كتدمر لأن تجارة القوافل لم تكن السبب في ظهورها ومع ذلك لا يمكننا سوى أن ننكر في الوقت ذاته بأن ثروات حلب وغناها الكبيرة وأهميتها التجارية نتجت عن هذه القوافل التجارية كونها مدينة ترانزيت.

       إذاً كانت سوق حلب المغطاة مركز جميع عمليات الاستيراد والتصدير وكانت مكشوفة في الفترة الأولى ثم تم تغطيتها ابتداء من القرن 16 م على الأرجح كي تبقى تلك البضائع التي تأتي بكميات هائلة بمأمن تجاه مختلف الأخطار. وإلى جانب ذلك غطيت الأسواق لأن فصل الصيف في حلب يكون حاراً جداً وشتاءها بارداً فضلاً عن الأمطار الغزيرة التي تهطل مدة ستة أشهر من بدايات الخريف وحتى بدايات فصل الصيف فتعيق التجار والمشترين وخاصة أن حلب كانت مدينة مأهولة بكثافة منذ القدم. وتقع السوق المغطاة في حي المدينة بين القنصلية الفرنسية وكاتدرائية الشيباني القديمة ومدرسة الفرنسيسكان للبنين وتمتد من باب أنطاكية وحتى القلعة. والسوق أو البازار هي عبارة عن سلسلة طويلة من الدكاكين لها تفرعات عديدة جداً وهي مغطاة بقناطر حجرية وفي بعض مواقعها بغطاء خشبي. وأزقة السوق الضيقة جداً مرصوفة بشكل جيد وتفتح عليها دكاكين صغيرة لا تتعدى مساحة معظمها عن 2-3 م2 وأعتثد بأن هذه الأزقة كانت أضيق في القرن 18 والدكاكين أصغر لأن الزلازل والانهيارات الأرضية والحرائق كانت مناسبات لتوسيع السوق وترتيبه كما هي الحال في سوق اسطنبول الكبير الأكثر جمالاً والأوسع موقعاً. وسوق حلب المغطاة كسوق اسطنبول تغلق أبوابها الأربعة الكبيرة بإحكام بالمزالج الحديدية عند المغرب منذ القديم. وحتى قبل قرن واحد من زماننا كان حراس السوق الليليين يحرسون المكان حتى الصباح وفي يدهم الواحدة فانوس وفي الأخرى هراوة و((كانت أبواب دور حلب قبل ذلك تغلق بمزالج خشبية فيها فتحة صغيرة لأدخال المفاتيح الخشبية التي يصل طولها إلى شبر واحد وتحتوي على1-9 مسماراً صغيراً وضعت بشكل يسهل دخولها في المزلاج لفتح أو إغلاق الباب كما يرغبون)).  وقد أبطل استخدام هذه المزالج الخشبية الشيقة في القرنين الماضيين وعوضها السكان بالمزالج الأوروبية. ومع ذلك لا تزال بعض البيوت العربية والبوابات الحديدية الخارجية الكبيرة لبعض الكنائس مثل كنيسة الأربعين شهيد للأرمن وكنائس المسيحيين الآخرين في حي الصليبة تستخدم هذه المزالج.

     يردف السفير البريطاني في حلب السير رسل قائلاً في عام 1744:((لشوارع حلب الرئيسية أيضاً بوابات وحراس دائمين مما يساعد على القبض على قطاع الطرق واللصوص بسرعة وخاصة أن بوسع الحارس الطلب إلى أي شخص وفي أي وقت شاء تأكيد هويته لذلك فإن عدد اللصوص في المدينة ليس كبيراً. ولا تحدث مشاجرات ونزاعات ليلية أبداً لأن السكان قنوعون ونظاميون ويأوون إلى بيوتهم باكراً خوفاً من اعتقالهم وسوقهم إلى القصر)).

Alex Russell (The Natural History of Aleppo) I, London-1794

      كانت السوق قبل قرنين مكاناً مظلماً وتسودها أوضاع صحية سيئة ومكتظة جداً بالناس ولا تدخلها الشمس والهواء النقي فكان التجار يلبسون الفروات السميكة للاحتماء من البرد القارس ويشعلون النار في بعض الأمكنة. ولكن ومنذ سنوات غير بعيدة انتظمت أحوالها كاملة وأضحت أكثر نظافة وفُتحت على الأقواس نوافذ إضاءة وتهوية. وسوق حلب المغطاة مقسمة إلى أسواق متخصصة استناداً على السلع التي تباع فيها مثل “سوق الصاغة” و”سوق المنسوجات” و”سوق الحبال” و”سوق التوابل” و”سوق الأحذية” وجميع أنواع الأغذية. وتفضل الطبقة الوسطى في حلب من مسيحيين ويهود وخاصة العرب المسلمين شراء ما يلزمهم من هذه السوق وحتى اللحوم والخضار لأنها أرخص ثمناً وأكثر نظافة على الرغم من صعوبة الدخول إليها في أية ساعة من اليوم وخاصة في ساعات الصباح بسبب حشد الناس الكبير في أزقتها الضيقة. 

      كانت جميع القنصليات ومستودعات السلع الأجنبية تتمركز داخل أو قرب السوق منذ القرن 16 م ويقطن فيها جميع الأوروبيين. ولكن في 20 سنة الأخيرة خرج قسم من القنصليات والتجار الإيطاليين الكبار والدير الفرنسيسكاني الجميل البيزنطي الطراز (أو الشيباني القديم) من هذه الأزقة الضيقة إلى أبنية حديثة رائعة في حي العزيزية الجديد وبقيت في السوق مع ذلك قنصليات عائلات أوروبية قديمة عديدة كماركوبولي وبوخه والأسود وغيرها وتحول بيوت بعض هؤلاء إلى متاحف حقيقية غنية كدار ماركوبولي لاحتوائها على آثار عديدة وقيمة جداً ومرتبة بذوق عال تشبه المتاحف الوطنية للدول الصغيرة. ويمكنني التأكيد بأن أجمل أيامي والأكثر فائدة التي أمضيتها في حلب طوال إقامتي فيها كانت الساعات التي تواجدت أثناءها في هذه السوق المغطاة بين هذه الآثار العديدة والمكتبات الغنية.

     السوق هامة أيضاً لأن جميع السلع المستخدمة والمصنعة في البلاد تعرض وتباع في هذا المكان بالذات. ومدينة حلب لا تحتوي على ضواحي مكتظة بالسكان الميسورين كمدينة بيروت ولا تحيطها قرى مزدهرة بل جميع بيوت قراها هي عبارة عن تجمعات منازل طينية مخروطية الشكل وسكانها من الفلاحين الذين يؤمنون بأنفسهم جميع احتياجاتهم من مأكل وملبس. أما البدو الذين يسكنون في المناطق الصحراوية وهم مقارنة بهؤلاء الفلاحين أكثر ذوقاً وطموحاً بشكل عام فإنهم يؤمنون جميع احتياجات عائلاتهم من سوق حلب المغطاة تقريباً.  فرئيس القبيلة أو ابنه بمناسبة الخطبة أو الزواج يشتري لخطيبته أو زوجته المستقبلية قمصان طويلة بأكمام واسعة والبدلة البيضاء الجميلة التي تلبس فوقه وزنار أبيض أو أحمر وهو مغزول بخيوط الصوف والذهب ويشتري لنفسه زناراً جلدياً لوضع طلقات الرصاص الذي يبقى على جسده حتى عندما يأوي إلى فراشه. وتؤمن هذه السوق المغطاة جميع أنواع احتياجات البدو رجالاً ونساء وجميع ما يبتغونه ليست متوفرة فحسب بل هناك أناس يساعدونهم في التسوق. والبدوي يؤمن من هذه السوق أيضاً جميع ما يلزم خيوله وجماله وبعض سلع الرفاه إلى جانب خيمه وأسلحته والأواني النحاسية لمطبخه. وهكذا لا تطعم وتلبس وتزين هذه السوق سكان حلب المحليين والأوروبيين ذوي الذوق العالي فحسب,بل أيضاً تهتم بالحجاج المتوجهين من طشقند وسمرقند إلى مكة المكرمة وتلبس وتسلح بدوي الصحراء.

انتهى الكتاب.

ينفرد “ملحق أزتاك العربي للشؤون الأرمنية” بنشر صفحات كتاب “تاريخ حلبللأسقف أردافازت سورميان.

* من كتاب تاريخ حلب” للأسقف أردافازت سورميان، مطران الأرمن الأسبق في حلب، (1925 – 1940)، ترجمه عن الأرمنية الدكتور ألكسندر كشيشيان، عضو اتحاد الكتاب العرب وجمعية العاديات، حلب، 2006.

Leave a Reply

Your email address will not be published.