المصادر المستخدمة في كتاب “الإمارات العربية في أرمينيا البقرادونية” للمؤلف المستشرق الدكتور البروفيسور آرام تير-غيفونديان (2)

arabic-emirates-in-pakradounian-armenia

المقدمة

تعدّ مسألة دراسة تاريخ الإمارات العربية في أرمينيا البقرادونية وثيقة الصلة بحقيقة الفتح العربي لأرمينيا من جهة، وتاريخ مملكة البقرادونيين من جهة أخرى. لذلك من الحيوي استخدام المصادر التي تمُتُّ بصلة مباشرة إلى هذا البحث كالدراسات التاريخية والأدبية الأرمنية والعربية والبيزنطية وسواها والنقوش الأرمنية والعربية ونتائج التنقيبات الأثرية في مدينتي دبيل وآني الأرمنيتين وغيرهما من المدن.

تعود المصادر باللغة الأرمنية إلى مؤرخين أرمن عاشوا في القرنين 6-7م. إن أقدم مصدر تاريخي له صلة بموضوعنا هو كتاب “تاريخ القرن السابع” للمؤرخ الأرمني Sebeos. ورغم عدم وجود أي شك حول تاريخ إنشاء هذا الكتاب، إلا أن باب البحث حول هوية المؤلف ظل مُشرَّعاً للمناقشات المستفيضة. واستناداً إلى الباحث التاريخي الأرمني K.Badkanian فإن الفصل 1 و2 من هذا الكتاب ليس من تأليف المؤرخ المذكور. علاوة على ذلك يؤكد آخرون أن المؤرخ لم يؤلف الكتاب أصلاً.

بالأرمنيةSebeos [The History of the Bishop Sebeos] Yerevan-1939, S.Malkhasiants

يُعَدُّ Ghevond أهم مؤرخ أرمني كتب حول الاحتلال العربي لأرمينيا. واستناداً إلى N.Akinian كان هذا المؤرخ في القسطنطينية وعلى علم بـ “رسائل” الخليفة عمر بن عبد العزيز والإمبراطور ليو الثالث الإزاوري اللذين جاء ذكرهما في كتابه المعنون “التاريخ”. (ترجم د. ألكسندر كشيشيان هذا الكتاب ونشره. يحوي الكتاب أول حوار إسلامي ـ مسيحي في التاريخ بين الخليفة الأموي والإمبراطور قبل حوالي 1300 عاماً ـ المترجم).

لم تصلنا حتى دراسة واحدة من القرن 9. لقد حصلنا على مخطوط كتاب تاريخي أثناء الحرب العالمية الأولى من “متحف ليم” ينسبه بعض الباحثين إلى شابوه بقرادوني. إلا أن مؤرخي أرمينيا والمهاجر الأرمنية رفضوا هذه الفرضية.

يعَدُّ كتاب “تاريخ الأردزرونيين” للمؤرخ الأرمني توماس أردزروني أهم مصدر حول الحقبة الأخيرة للفتوحات العربية. ويتطابق فحوى هذا الكتاب في مجمله مع معلومات مؤرخين عرب معاصرين له. اهتم المؤرخ بالعلاقات بين أرمينيا والمناطق المجاورة لها من المحتمل بسبب العلاقات الحميمة بين مقاطعة بسفرجان في أرمينيا والعالم الإسلامي. قام M Brosset وNorayr Püzantatsi بتحليل هذا المخطوط وأكد الثاني على أن مؤلف هذا الكتاب التاريخي شخصيتان هما توماس أردزروني بالذات وشخص آخر مجهول الهوية من العائلة ذاتها .

من معاصري توماس أردزروني، الذي كان يمثّل الحزب المعارض، نذكر الكاثوليكوس هوفهانّيس دراسخاناكيردتسي الملقّب “المؤرخ” 898-929م الذي بدوره كتب حول السياسات المعاصرة. وبينما كان توماس من الموالين والمدافعين عن أسرة الأردزرونيين، كان الكاثوليكوس يقف إلى جانب الملوك البقرادونيين.

وصلتنا أيضاً مواد تاريخية عديدة من النصف الثاني للقرن 10م حول المروانيين والإمارات العربية الأخرى دوّنها المؤرخ الأرمني المعاصر Stepanos Daronetsi المعروف بـ Asoghik. وقد نشر الباحث الأرمني س.مالخاسيان كتاب هذا المؤرخ عام 1885 .

يُعَدُّ المصنّف المعروف “تاريخ أغبانيا” مصدراً مهماً ليس لبلاد أغبانيا فحسب، بل لتاريخ مقاطعات أرمينيا الشرقية أيضاً. وقد أكد الباحثان الأرمنيان الكبيران هراتشيا أجاريان وهاكوب مانانديان في نهاية القرن 19 من خلال أبحاثهما على وجود أكثر من مؤلِّف لهذا الكتاب. وكان Movses Kaghankadvetsi أحدهم الذي جمع وصنّف العمل بين دفتي كتاب واحد في القرن 10م بينما تابع عمله هذا Movses Daskhurantsi الذي عاش في نهاية القرن 10م.

إلا أن N.Akinian أكد في المدة الأخيرة أن هذين المؤرخين من القرن 10م هما شخص واحد والاسم الصحيح لمؤلف الكتاب يجب أن يكون Movses Daskhurantsi.

لدينا بحث مهم آخر حول الاحتلال البيزنطي والفتوحات السلجوقية لمؤلفه الأرمنيAristakes Lastiverdtsi الذي هو في الحقيقة تتمة لبحث أصوغيك.

يعدّ كتاب المؤرخ الأرمني Matteos Urhayetsi (متى الرهوي، المترجم) أيضاً مصدراً جديراً بالذكر لأنه يؤرخ لفترة حكم البقرادونيين الأخيرة في آني. ومع ذلك علينا التعامل مع الأحداث والتواريخ، التي جاءت في هذا الكتاب، بحذر شديد .

يحوز كتاب “التاريخ العالمي” لمؤرخه الأرمني فاردان أهمية استثنائية لبحثنا بين أعمال مؤرخي القرن 13م لأنه تم تحليله باستفاضة بسبب القيمة الكبيرة لمحتواه.

(1) [Collected History of Vardan Vartabed] Venice—1862.  بالأرمنية

(2) M.Brosset [Analyse Critique de la Vseobshaya Istoria] St.Petersburg—1862.

ويمكننا إيجاد مصادر في كتاب فاردان حول مؤرخين أرمن وأجانب وروايات شفهية أرمنية وأجنبية. وعلى الرغم من وجود بعض الغموض في بعض المعلومات بسبب كونها مصادر شفهية, إلا أن معظمها تتطابق مع الحقائق التاريخية .

من المؤرخين الأرمن الذين عاشوا بين القرنين 7-13م وأسهموا في تبيان المسائل التي نقوم بدراستها نذكر Samuel Anetsi و Stepanos Kantsaketsi وStepanos  Orbelian وغيرهم.

إلى جانب المصادر التاريخية يمكننا التأكيد على أن “القانون الأساسي الأرمني” هو من المصادر الحيوية جداً لدراسة هذه الحقبة. ويؤكد المؤرخ الأرمني مخيتار كوش Mkhitar Kosh في مقدمة هذا الدستور أنه قام باشتراع هذا القانون المستقل كي لا يضطر الشعب الأرمني للجوء إلى الشرع الإسلامي . Mekhitar Kosh [The Armenian Lawcode] Vagharshapat—1880.

ورغم ظهور هذا القانون في القرن 12م من الحيوي جداً توضيح بعض الظواهر التي جرت في حقبة البقرادونيين.

كان التاريخ البيزنطي إلى جانب الأدب الأرمني موضوع اهتمام مبكّر من قبل اختصاصيين في الآداب الأرمنية Armenologists. ونرى مثلاً أن المؤرخ الأرمني م. جاميجيان استخدم المصادر البيزنطية التي تعود بقدمها إلى القرن 12م في مؤلفه المشهور “تاريخ أرمينيا”. M.Tchamitchian [History of Armenia] 3V,Venice—1784.

تتبوأ أبحاث المؤرخ البيزنطي Constantine Porphyrogenitus 913–959م الثلاثة وهي De Ceremoniis وDe  administrando Imperi وDe Thematibus مكانة استثنائية في بحثنا. ويحتل George Kedrenos بين المؤرخين البيزنطيين الآخرين أهمية حيوية لدراسة فترتي نهاية القرن 10م وبداية القرن11م. ودراسته هي عبارة عن مجموعة وثائق تحوي أبحاث Skilitzes، مؤرخ من النصف الثاني للقرن11م، مع مجموعة أخرى من الوثائق.

تحتل المصادر السريانية بدورها على مكانة مميزة خاصة في دراسة التاريخ والآداب الأرمنية.

N.Pigulevskaya [Syriac Sources on the History of the Peoples of U.S.S.R.] Moscow/Leningrad – 1941.

ومن المؤرخين السريان الذين عاشوا في الحقبة التي نحن بصدد دراستها ديونيسيوس تل محري وميخائيل السرياني وميخائيل السوري (بطريرك أنطاكيا) . ويبدأ هذا الأخير كتابه حول التاريخ من آدم وصولاً حتى عام 1196م . تُرجم الكتاب إلى الأرمنية سنة 1248م من الأصل السرياني من قبل الكاهن الأرمني Isokh والمؤرخ Vardan بطلب من الكاثوليكوس قسطنطين الأول وبعد فترة إلى اللغة العربية أيضاً. اختفت النسختان السريانية والعربية وظلت النسخة الأرمنية. تمّ العثور على النسخة السريانية الأصلية في القرن 19 وأعاد J.B.Cabot طباعتها مع ترجمة فرنسية لها.

من الكتاب السوريين علينا الإشارة إلى أبو الفرج بار هيبراوس الذي يُعتبر من المؤرخين العرب لأنه كتب باللغة العربية.

تحتل المصادر الجيورجية حول التاريخ الأرمني مكانة استثنائية بفضل الترجمة الكاملة التي قام بها الباحث الأرمني ل. مليكسيت بيك.

L.Melkiset Bek [Georgian Sources Concerning Armenia and Armenians] 3V, Yerevan 1934—1955.  بالأرمنية                 

لكن الأهم بين المصادر الجيورجية تلك التي تدعى Kartlis Shavreba “المجموعة الجيورجية” التي نشرها M.  Brosset مع ترجمتها الفرنسية.

استُخدمت أبحاث المؤرخين الأرمن والبيزنطيين فقط كمصادر أساسية لدراسة تاريخ البقرادونيين حتى النصف الثاني من القرن 19. ولكن، ومع مرور الزمن، ظهرت مصادر جديدة لتلقي ضوءاً ساطعاً إضافياً على تاريخ أرمينيا بين القرنين 9-11م وتحديداً مؤلفات المؤرخين والجغرافيين العرب إلى جانب معلومات مستخلصة من نقود معدنية ونتائج التنقيبات الأثرية.

تتبوأ مؤلفات المؤرخين والجغرافيين العرب مكانة متقدمة في دراسة تاريخ الإمارات العربية في أرمينيا. بدأ التاريخ العربي ينشأ في الحقيقة ويتطور بسبب كفاح الرسول محمد وخلفائه العسكرية وحملاتهم. ومن العوامل الرئيسية، التي أثّرت على نشوء التأريج العربي، الإرث البهلوي الذي ترك بصماته العميقة عليه. ونعلم أن مجموعة القصص الملحمية الإيرانية Khudaynama في “كتاب الحكام”، التي كانت المصدر الرئيسي لشاهنامة الفردوسي، ترجمها الإيراني الزرادشتي ابن المقفّع إلى اللغة العربية في القرن 8 م.

كتب الواقدي، الذي كان على اتصال وثيق ببلاط هارون الرشيد والمأمون في بداية القرن9 م، تاريخاً مفصلاً حول حملات الرسول العسكرية إلاّ أن القسم الأعظم من العمل فقد. ذكر الواقدي أيضاً عن الحملات العربية الأولى على Aghjnik وToruberan وأرمينيا العليا أثناء سرده عن فتح سوريا وبلاد ما بين النهرين. وبعد فترة، من المحتمل في حقبة حملات الفرنجة، نُسبَت سلسلة كاملة من المؤلفات إليه منها ” فتح سوريا” و”فتح ما بين النهرين” وسواهما ونُشرت بعدئذ مرات عديدة. وتُعرف جميع أعمال الواقدي لدى المؤرخين المعاصرين  بـ Pseudo Wakidi.

كتاب “فتوح البلدان” لأحمد بن يحيى البلاذري، مؤرخ عاش في القرن 9 م، هو أهم مصدر حول الفتوحات العربية في أرمينيا. كانت له صلات وثيقة ببلاط الخلفاء ويُعتقد أنه من أصل فارسي. ويسرد البلاذري في كتابه الرائع تاريخ الفتح العربي بدءاً من حملات الرسول محمد وخصص فصلاً كاملاً حول فتح أرمينيا وإيبيريا وأغبانيا. جمع في الوقت ذاته معلومات شيقة حول أحداث أرمينيا الغربية بين القرن 8 م والنصف الأول من القرن 9 م. حقق M.J.De Goeje أول طبعة علمية لكتابه في هولندا سنة 1866 وظهرت طبعة أخرى في الشرق بعد ذلك.

تُرجم الكتاب بعد ذلك إلى اللغات الأوروبية وقام الباحث الأرمني ب.خالاتيانتس بدوره بترجمة بعض مقاطعه إلى الأرمنية. ألّف البلاذري معجماً بيبليوغرافياً يُعرف بـ “أنساب الأشراف”.

من المؤرخين المرموقين الآخرين في هذا القرن نذكر أحمد بن أبي يعقوب المعروف باليعقوبي الذي كان جده وديع حاكماً على أرمينيا سنة 775م . أمضى هذا المؤرخ العربي مرحلة شبابه في أرمينيا وخدم بعدئذ في بلاط الحكام الظاهريين في خراسان. ومن المحتمل أنه كتب بحثه هناك الذي يبدأ من تاريخ ولادة الرسول محمد وينتهي في عام 874م . وتحوز معلوماته حول فترة الاحتلال العربي لأرمينيا على أهمية كبيرة وخاصة حول فترة الجحّافيين. وهناك معلومات قيمة أخرى جاءت أيضاً في مؤلفه الجغرافي “كتاب البلدان .

ترجم هـ. أتاميان وب.خالاتيانتس إلى الأرمنية المقاطع التي تتحدث حول أرمينيا والتي استخدمها J.Markwart كأساس لأبحاثه فيما بعد.

استمر تطور الأدب العربي خلال فترة القرن 10م وأنجب التاريخ العربي شخصية مرموقة احتلت لاحقاً مكانة رائدة في التاريخ الإسلامي عامة وهو أبو جعفر محمد بن جرير الطبري الذي ولد على الأرجح في طبرستان (إيران) سنة  839م. قام المؤرخ برحلات عديدة إلى إيران ومنطقة ما بين النهرين وسوريا ومصر حيث درس حياة المسلمين وعاداتهم. وكانت المصادر الشفهية تحوز على أهمية كبيرة لديه. توفي الطبري عام 923م. ويُعدّ “تاريخ الرسل والملوك” من أشهر كتبه. ومع أن أبحاثه كانت تشكل مجلدات عديدة ضخمة، إلا أن معظمها ضاع مع الأسف ولم يصلنا إلا النذر اليسير منها. جهّز Th.Nöldeke مؤلفه الشهير حول الحقبة الساسانية في إيران استناداً على معلومات الطبري القيمة.

ينتهي تاريخ الطبري في عام 915م. ولأن مصادره الكبيرة جداً مرتبة بالترتيب الكرونولوجي لذلك يعتبرها الباحثون سلسلة حوليات. قام الفرغاني بمجهودات كبيرة لاحقاً لإتمام هذا الكتاب الضخم الذي ضاعت إضافاته أيضاً بينما بقيت بعض أقسام تتمة الهمذاني فقط. وبعد ذلك قام الوزير الساماني البلعمي بترجمة كتاب الطبري عام 963 م إلى الفارسية. وألّف الطبري أيضاً كتاباً سماه “تفسير القرآن” الذي لعب دوراً مهماً في الأدب العربي.      

*ينفرد موقع “أزتاك العربي للشؤون الأرمنية” بنشر كتاب “الإمارات العربية في أرمينيا البقرادونية” للمؤلف المستشرق الدكتور البروفيسور آرام تير-غيفونديان، (الطبعة الثانية المنقحة)، ترجمه عن الإنكليزية: الدكتور ألكسندر كشيشيان، عضو اتحاد الكتاب العرب، رئيس تحرير “كتاب العاديات السنوي للآثار”، صدر الكتاب عن مؤسسة المهندس فاروجان سلاطيان، حلب 2013، وسيتم نشر فصول الكتاب تباعاً.

Leave a Reply

Your email address will not be published.