تأريخ الموضوع في كتاب “الإمارات العربية في أرمينيا البقرادونية” للمؤلف المستشرق الدكتور البروفيسور آرام تير-غيفونديان (4)

name

أضحت بعض المسائل المشتركة في التاريخ والأدب الأرمني والعربي موضوعات بحث منذ بدايات القرن19. خصص م. جاميجيان في القرن 18 فصلاً كاملاً حول حقبة الإحتلال العربي لأرمينيا في كتابه المؤلف من 3 مجلدات بعنوان:

M.Tchamitchian [History of Armenia] II, p.376–543, Venice—1785.

خصص المؤرخ صفحات عديدة حول نشوء المستوطنات العربية في أرمينيا والغزوات العربية والثورات الأرمنية التي قامت في عهد الحكام العرب.

في دراسة واسعة جداً تتألف من مجلدات عديدة خصصها لدراسة نقود الخلافة العربية الشرقية، التي نشرت في بطرسبورغ في بداية القرن 19، أجرى الخبير الشهير في علم النقود Ch..Frähn دراسة حول الحكام العرب الذين توالوا على حكم أرمينيا من خلال النقود العربية إلى جانب  دراسة نقود عربية أخرى.

ألف المستشرق بالآداب الأرمنية الألماني J.Petermann أول دراسة حول أرمينيا في الفترة العربية وأضاف لائحة مقتضبة حول الحكام العرب في أرمينيا استناداً إلى أبحاث جاميجيان وإنجيجيان وFrähn وبعض الوثائق الموجودة لدى بعض المؤرخين العرب والأرمن.

كانت هناك محاولات أخرى في القرن 19 من قبل مستشرقين في الآداب والعلوم الأرمنية للاستفادة من المصادر العربية. نشر الأب غيفوند أليشان, الذي قدم الألفاظ العربية لأسماء المواقع الجغرافية والأعلام في دراسته التاريخية ـ الجغرافية الشهيرة، كتاب الشيخ أبو سهل الأرمني (أبو صالح) الذي عاش في القرن 14 م:

Abusal [History of Churches and Monastries of Egypt] Ghevont Alishan ed.Venice- 1895.

بعد ذلك ظهرت ترجمة Asdvadzadur  Der  Hovhannesian لكتاب “تاريخ تيمورلنك” لمؤلفه العربي عربشاه من القرن 15 إلى اللغة الأرمنية. وهناك أمثلة أخرى من القرن 19 عندما استخدمت المصادر العربية في الدراسات الأرمنية. ومن هذا المنطلق نرى أن كتاب D’Ohsson [Les Peuples du Caucase]

له بعض الأهمية. إلا أن أهم الدراسات قاطبة هي تلك التي قام بها موردتمان الذي استند على مواد ووثائق عديدة تعود إلى المؤرخين العرب.

اهتمّ أحد الآباء المخيتاريين وهو غ.هوفنانيان بالعلاقات الأرمنية ـ العربية الأدبية. لكن الدراسة المهمة الأولى من وجهة نظري هي بحث م.غازاريان حول أرمينيا في فترة الاحتلال العربي.

يُعَدُّ هذا أول دراسة علمية يعكس تاريخ أرمينيا بين القرنين 7-9 م بعد بحث بيترمان المقتضب. بنى هذا المؤرخ الكبير دراسته الدقيقة مستنداً على معلومات المؤرخين الأرمن الواسعة مثل سيبيوس وغيفوند وتوماس أردزروني ودراسخاناكيردتسي والمؤرخين العرب كالبلاذري والطبري واليعقوبي وابن الأثير وسواهم كذلك على مؤلفات الجغرافيين كابن خرداذيبة وابن الفقيه وابن حوقل وياقوت.

ترتبط مسألة تأسيس الإمارات العربية بظاهرة احتلال العرب لأرمينيا. ذكر إنجيجيان في بحثه Antiquities  في النصف الأول من القرن 19 القبائل العربية التي استوطنت في أرمينيا وأشار إليهم بتعبير “الشعوب الغريبة عن أرمينيا” كالقيسيين والـ Uthmanids والزُراريين والحمدانيين . إلا أن مسألة الهجرات العربية أصبحت موضوع سلسلة أبحاث جدية في أوائل القرن 20 فقط بفضل دراسات هـ. طوبجيان وج. ماركوارت. كرّس طوبجيان دراسته

[Die inneren Züstande von Armenien unter Ashot I]  لتاريخ أرمينيا في القرن 9 م. درس الباحث مسألة الإمارات العربية إلى جانب حقائق أخرى وقدم دراسة مقتضبة على شكل ملخص.

يعتبر ماركوارت الباحث الأول الذي قدم تحليلاً مسهباً حول مسألة الإمارات العربية في أرمينيا . ففي أحد أبحاثه المخصصة لتاريخ البقراتونيين كتب بشكل مكثّف حول ظهور الجحّافيين في أرمينيا في النصف الأول من القرن 9 م. وكان M. Brosset قد كتب عنهم مستنداً على معلومات المؤرخ الأرمني توماس أردزروني. إلا أن قيمة عمل ماركوارت تكمن في مقدرته على إظهار معلومات مستخلصة من مصادر عربية (وخاصة من اليعقوبي) إلى جانب أعمال المؤرخين الأرمن.

بدأت الأبحاث الأدبية–التاريخية تتطور بإطراد في نهاية القرن 19 وبداية القرن 20. يجب أن نذكر أولاً أعمال الباحث الروسي الشهير نيكولاي مار القيمة حول المؤرخ الأرمني أكاتانكيغوس . درس Hübschmann في الفترة ذاتها الكلمات العربية التي استعارتها اللغة الأرمنية.

بسبب الأهمية الكبيرة للمعلومات التي ذكرها المؤرخون العرب كان من الحيوي ترجمتها إلى اللغة الأرمنية. وفي هذه الفترة أيضاً ظهرت ترجمات ب.خالاتيانتس لمختارات من أبحاث المؤرخين العرب في المجلة الأرمنية Handes Amsorya. نشرت هذه المختارات أيضاً على شكل كتيب باللغة الأرمنية بينما نشر Karaulov المعلومات، التي ذكرتها الأبحاث العربية حول القفقاس، بنصوصها الأصلية والترجمة إلى جانبها على شكل مقتطفات .

تحوز النقوش العربية في ميافرقين والمدن الأخرى، التي نشر فان برشيم بحثاً حولها، على أهمية معينة أيضاً لأنها تعكس ضوءاً ساطعاً على تاريخ المروانيين. وكان الكتاب  J.Laurant  [L’Armenie entre Byzance et Islam] Paris-1919. البحث الكبير الأول المخصص للفترة العربية في أرمينيا وإنه أشمل بكثير من دراسة غازاريان التي جاء ذكرها. ويحوز الفصل الأخير، الذي يخصّ الحكام الشيبانيين في أغجنيك إلى جانب أمراء آخرين، على اهتمامنا الخاص .

يتعمّق ماركوارت أكثر فأكثر في مسألة هذه الإمارات الأجنبية في فترة حكم البقراتونيين في بحث له تحت عنوان

J.Markwart [Südarmenien und die Tigrisquellen] Vienna-1930.

وإلى جانب هؤلاء تعتبر أبحاث هـ.مانانديان وهـ.زوريان حيوية أيضاً في دراسة تاريخ البقراتونيين والإمارات الموجودة على مساحة أرمينيا بشكل أعمق.

يعتبر تطور المدن وتوسعها في فترة البقراتونيين من المظاهر المميزة. نرى ذلك بشكل جلي في دراسة العلامة هاكوب مانانديان:  [Armanian Cities in the 10-11th Centuries] Yerevan-1940    بالأرمنية

ونرى هذا التطور في حياة المدن الأرمنية في كتاب: B.Arakelian [The Cities and Crafts of Armenia in IX-XIII Centuries] 2V, 1958, 1959      بالأرمنية، حيث تظهر الحياة الأرمنية بأدق تفصيلاتها في هذه الحقبة. شنّت هذه الإمارات العربية في أرمينيا في الفترة الأولى لإنشائها حروباً ضد الخلافة العربية من جهة وكانت في صراع دائم في الوقت ذاته مع عائلات الأمراء الأرمن من جهة أخرى. ركّز P.Zhuze اهتمامه على هذه الحروب الانفصالية عن مركز الخلافة مؤكداً على أنها كانت ظاهرة عامة مميزة لمنطقة القفقاس قاطبة. وتحوز دراسة ن.نالبنديان على أهمية كبيرة لدراسة أوضاع أرمينيا في الحقبة العربية.

نجد حقائق قيمة أيضاً حول الإمارات العربية في أرمينيا في دراسات مينورسكي وكانار:

(1)V.Minorsky [Studies in Caucasian History].

(2) V. Canard [Les Hamdanides et L’Armenie] Annales de l’Institut d’Etudes Orientals, VII, Alger-1948.

دراسة مينورسكي مكرسة لعائلة الشداديين الذين حكموا المدن الأرمنية دبيل وكنجاك وآني. يقدم الباحث كانار في كتابه تحليلاً حول نشاطات الحكام الحمدانيين في أغجنيك ومناطق أخرى استولوا عليها في وقت من الأوقات ووصلوا حتى أباهونيك ومقاطعات القيسيين. وبما أن الإمارات العربية في المناطق الجنوبية ـ الغربية من أرمينيا، منازكرت وما حولها، كانت على صلات قريبة مع بيزنطة، لم تخرج هذه الناحية أيضاً عن دائرة اهتمام الاختصاصيين في تاريخ بيزنطة مثل A.A.Vasiliev وE. Honigmann لذلك قاموا بدراستها بإسهاب.

رغم أهمية الأبحاث، التي جاء ذكرها لدراسة تاريخ الإمارات العربية في أرمينيا، ليست هناك دراسة واحدة تقدم معلومات مفصلة حولها لذلك تحتاج مسألة الإمارات العربية في حقبة البقراتونيين لدراسة أشمل. أما السبب الرئيسي في ذلك فهو أن الموضوع ليس شأناً أرمنياً خالصاً أو مسألة عربية صرفة ولا يرى المستشرقون في الآداب الأرمنية والمستعربون ضرورة الانكباب على دراستها.

أهمل الاختصاصيون في تاريخ الخلافة من أمثال G.Weil وM.Muir وJ.Wellhausen وC.Huart وA.Müller دراسة هذه الإمارات بسبب انفصالها سياسياً عن العرب والعالم الإسلامي بدءاً من منتصف القرن 9 م وربطت مصيرها بالهضبة الأرمنية بشكل أساسي. تمّ احتلال الإمارات الجنوبية ـ الغربية من أرمينيا (منازكرت وما حولها)، التي تشكلت منها مملكة البقراتونيين في فترة آشوت الأول وسمبات الأول، ودمجها بالإمبراطورية البيزنطية لاحقاً. أما مدينة دبيل فقد كانت تفاحة الصراع بين الملوك الأرمن وأمراء آذربيجان.

تعامل المستشرقون في الآداب الأرمنية مع هذا الموضوع بالطريقة ذاتها مركزين جهودهم بشكل أساسي على تاريخ البقراتونيين ومقاطعات المملكة الأرمنية كآرارات وكوكارك وسيونيك وأرتساخ (قره باغ-المترجم) وباسفرجان وموك وتارون وغيرها التي كانت تحت حكم الأمراء الأرمن.

كانت مجموعة المصادر العربية، التي نشرت في السنوات الأخيرة، عوناً كبيراً لنا أثناء تحضير هذا البحث. يجب أن أركّز في المقام الأول على بحثين رئيسيين هما مجموعة نصوص متعلقة بالحاكم الحمداني سيف الدولة (Canard-Recueil) ومقاطع مستخلصة من كتب مؤرخي التاريخ العربي كالفارقي وابن ظافر ومسكويه ومنجّم باشي وغيرهم (Minorsky- Studies). يقدم لنا المؤرخ الأول بعض المعلومات الجديدة نسبياً حول تاريخ الإمارات في أرمينيا الجنوبية ـ الغربية وعن القيسيين وغيرهم، بينما يطلعنا الثاني على معلوملت جديدة بالكامل حول أحداث القرنين 10-11م.

نهايةً، ليست غايتنا من هذه الدراسة إجلاء مسألة الإمارات العربية التي نشأت على أراضي أرمينيا الكبرى والتي تعدّ من أكثر الظواهر غموضاً في تاريخ أرمينيا البقرادونية فحسب، بل توضيح مسألة العلاقات مع القوى السياسية الأخرى على الساحة كالخلافة العربية والإمبراطورية البيزنطية أيضاً.

*ينفرد موقع “أزتاك العربي للشؤون الأرمنية” بنشر كتاب “الإمارات العربية في أرمينيا البقرادونية” للمؤلف المستشرق الدكتور البروفيسور آرام تير-غيفونديان، (الطبعة الثانية المنقحة)، ترجمه عن الإنكليزية: الدكتور ألكسندر كشيشيان، عضو اتحاد الكتاب العرب، رئيس تحرير “كتاب العاديات السنوي للآثار”، صدر الكتاب عن مؤسسة المهندس فاروجان سلاطيان، حلب 2013، وسيتم نشر فصول الكتاب تباعاً.

Leave a Reply

Your email address will not be published.