الشعر الأرمني عبر العصور

259_2
د . حامد طاهر

مـن المستحيل أن ينتزع الانسان من وطنه. وإذا حدث فإن الوطن ينتقل إلى أعماقه، ويسكن فيه، ويظل مسيطرا على أفكاره ومشاعره. وعند اللحظة المناسبة، لا يلبث أن يظهر ويستعلن .. وهذا ما حدث عندما أقدم د. فاروجان كازانجيان الأرمني الأصل (دكتوراه فى الأدب الانجليزي) على اختيار وترجمة مجموعة من قصائد الشعراء الأرمن، فى كتاب ضخم (663 صفحة) بعنوان (مختارات من الشعر الأرمني عبر العصور)، قدم له الشاعر فاروق شوشه، وساعد على صياغته الشعرية ومراجعته اللغوية الشاعر محمد ابراهيم أبو سنه

أول ما يلفت النظر فى الكتاب أنه يبدأ بشعراء العصر الحديث، متدرجا للخلف إلى أقدم عصور الشعر الأرمني. وتلك ميزة نفتقدها فى معظم كتب المختارات ، إن لم يكن كلها، حيث جرت العادة بالخضوع للترتيب التاريخي، بدءا من أقدم العصور حتى أحدثها ، الأمر الذى قد يصرف القارئ عنها، نظرا لصعوبة البدايات، وغربة الموضوعات، وابتعاد العصر ..

أما مفاجأة الكتاب فهى قصائده : تلك التى تتنوع تنوعا كبيرا بين غنائيات عذبة صافية، ووطنيات مكسورة جريحة، ونظرات إنسانية عالية، وابتهالات دينية عميقة .. وعلى الرغم من قيام حجاب الترجمة، فإن اللغة التى قدمت فيها القصائد قد اقتربت بها كثيرا من لغة الشعر العربي بكل مقوماته، ماعدا الوزن العروضى بالطبع.

وكما تمثل القصائد مجموعة من التجارب الانسانية الصادقة، فإن معظمها يقدم تشكيلات شعرية متميزة، استخدم فيها الشعراء كل مهاراتهم من الرصد، والوصف، والتحليل، واستطاعوا أن يمزجوا عناصر الكون والطبيعة بأحوال النفس وحركة المشاعر. ولم تمنع بساطة المعاني والأساليب من النفاذ إلى الجوهر الفلسفى الذى كان يتم تطويعه بمنتهى العفوية لكى يخدم البناء الشعري، ويسهم فى قوة تأثيره .

لقد أراد د. كازانجيان أن يكون الكتاب سجلا للشعر الأرمني، قاصدا من وراء ذلك إلى أن يعرف قراء العربية الشعب الأرمنى ، الذى يعيش بيننا – جماعات وأفراد – فى جو ودى حميم . ولاشك أنه قد أحسن صنعا بهذا العمل الهام .

فقد كنا نعرف الأرمن سلوكا ومعاملة ، ولم نكن نعرف الكثير عنهم مشاعر وأحاسيس. وهذا الكتاب يضع أيدينا مباشرة على تلك الطاقة النفسية العالية التى يتمتع بها هذا الشعب، الذى عانى كثيرا، وتغرب كثيرا، ولكنه لم يقتلع للحظة واحدة من وطنه وترابه .

إن خير مدخل لمعرفة الشعوب هو قراءة أشعارها ، التى يها تغنى ، وفيها تبكى .. وفى تقديرى أن تلك المختارات – التى استمدها المترجم من خمسة وعشرين شاعرا أرمنياً – تمثل نقطة ضوء ساطعة فى سماء الحوار بين الشعوب، والتعارف بين الثقافات.

وإننى أدعو زملائي الشعراء إلى قراءة قصيدة الشاعر الأرمني باروير سيفاك (ت 1971) بعنوان (اقتراح للحاسبات ..) والتي يقول فيها:

حمم الأشعة الكونية
التى تتدفق إلى عيوننا
فتبرق مندهشة
حينما تبصر فجأة عيونا أخرى وتسحرها
هل هذا الإشعاع المتبادل
بين الأعين العاشقة
مفيد للقلوب
أم ضار بها  ؟
***
وقصيدته بعنوان (الشعراء) التى يقول فيها :
يبكون كالأنفاق المنتحبة تحت الأرض
وهم أحيانا يضحكون
لضحكاتهم رنين العملة الذهبية
التى تثرى العالم
أما هم فيظلون فقراء
لا يقدرون على العيش
بدون خبز ولا ماء
ولكن فى الوقت ذاته
لا يقدرون على العيش
بالخبز والماء وحدهما ..
***
أما قصيدته (الأعور) فيقول فيها :
إننى أنظر إلى الحياة بعين واحدة
أما عينى الاخرى فهى من زجاج
بعينى الواحدة تلك أرى الكثير
غير أننى أبصر أكثر بعينى العمياء
لأننى بعينى السليمة أرى
بينما بالعين العمياء دائما أحلم ..
***
وفي قصيدته (أغنية للموتى) يقول الشاعر يغيشيه تشارنتس ( ت 1937 ) :
إن كان النسيان قدر الموتى
فالمجد دائما أبدا
لهؤلاء الذى خلفوا فى الحياة وهج الذكريات ..
***
وفي قصيدة (الضوء) للشاعر تانييل فاروجان ( ت 1915 ) نقرأ :
الضوء مرمر المناجم السماوية
فى حضنه تصير الحكمة أغنية
يرشفها الشعراء فى الليل من كئوس النجوم
ليصدحوا بها للبشر فى النهار ..
***
أما قصيدة (جواب جديد) للشاعر ج. يرزنكاتسى ( ت 1330 ) فيأتي في مقطع منها :
إن روحى تواقة دوما للإنصات إلى كلام الحكماء
وجسدى معلق بالشهوات
لأنه ابن هذه الدنيا
وأنا حائر بين الطهر والشهوة
كشمعة تحترق بالنار ..
***
وهنا .. لابد أن أتوقف عند تلك المقتطفات السريعة من نماذج الشعر الأرمني الجميل، والذي يقدم فى هذه الصورة لأول مرة باللغة العربية. ومن خلاله نتعرف على عالم جديد بالنسبة لنا، لكنني على ثقة من أنه سريع الوصول إلى النفس، كما أنه يمثل إضافة حقيقية إلى ثقافة شعرائنا المعاصرين.

Leave a Reply

Your email address will not be published.