ولاية أرمينيا، التي كانت قاعدة عسكرية للقوات العربية … المنطقة الحدودية العربية-البيزنطية (الثغور)

map

اكتسبت ولاية أرمينيا، التي كانت في الحقيقة قاعدة عسكرية للقوات العربية، أهمية كبيرة كي يمضي العرب قدماً في توسيع رقعة دولتهم. وعلى الرغم من توقف الجيوش العربية قرب سلسلة جبال داوروس بعد احتلالها للمقاطعات الشرقية للإمبراطورية البيزنطية، لكن لم تكن هناك في الحقيقة حدود محددة بين هاتين القوتين العظميين لأن الثغور العربية، المؤلفة من مدن وقلاع محصنة، انتقلت من يد إلى أخرى مدة 3 قرون كاملة. امتدّت الثغور من سلسلة جبال داوروس حتى مدينة كارين الأرمنية (يسميها العرب قاليقلا) وكانت تحتوي، حسب المصادر العربية، على منطقتين أساسيتين: (1) الثغور الشامية. (2) ثغور الجزيرة.

كانت المنطقة الحدودية المحصّنة تدخل في الثانية. ومن وجهة نظر الخلافة العربية كان لهذه المناطق حكم ذاتي وإداري خاص تمّ تأكيده في حقبة العباسيين عندما سُمّيت “العواصم” وجعلت منبج وأنطاكيا مركزين لهما على الحدود السورية.

يروي المؤرخون العرب والبيزنطيون والأرمن القروسطيون بشكل مفصّل حول صراعات دموية طويلة انفجرت في هذه المنطقة الحدودية. وكانت القوات العربية تتقدم بشكل مستمر طوال القرن 7 م والنصف الأول من القرن 8 م. سار خالد بن الوليد يطلب مدن كيليكيا أيضاً بعد احتلال سوريا بينما أرسل عيّاض بن غنم حبيب بن مسلمة، الذي احتل أرمينيا لاحقاً عبر منطقة ما بين النهرين الشمالية، لإدارة المدن الفراتية في أرمينيا الكبرى.

قام معاوية بحملة على مدينة القسطنطينية أيضاً إلا أنه فشل في مسعاه. رغم تقهقر العرب في النصف الثاني من القرن 7 م بسبب ثورة عبد الله بن الزبير، إلا أنهم انطلقوا بزخم أكبر ثانية في بداية القرن 8 م وخاصة أن أرمينيا كانت قد احتُلَّت أخيراً من قبل الخليفة عبد الملك. في عهد الخليفة الوليد 705-715م عبَر شقيقه مَسلَمة بن عبد الملك سلسلة جبال داوروس ووصل حتى أبواب مدينة القسطنطينية إلا أن الإمبراطور البيزنطي الجديد ليوالثالث الإزاوري رد هذا الهجوم الخطر بقوة. استمرت هذه العائلة الإمبراطورية، التي أسسها ليو، في محاربة العرب لاحقاً ورد هجماتهم.

بسبب الأحوال الداخلية المضطربة للدولة العربية أصبح الظرف مناسباً أمام الإمبراطور Constantine V Copronymus  741-775م لاستغلال الوضع المشوّش الذي نتج عن سقوط الأمويين واحتلال قلاع ومدن عديدة كمرعش وملاطيا وقاليقلا في كيليكيا ومناطق متاخمة لها.

من الأهمية بمكان أن نذكر هنا أيضاً أن العرب كانوا توّاقين دائماً إلى تشييد قلاع ومدن محصّنة على المناطق الحدودية بينما كان البيزنطيون يهدمون تلك التحصينات ويتقهقرون لأن تطلعهم الرئيسي كان خلق منطقة حدودية حيادية مهدّمة لفصلهم وعزلهم عن خصمهم الخطير. وكان العرب يعيدون في كل مرة بناء تلك المنشآت الدفاعية وترميمها لاتخاذها قواعد انطلاق للهجوم المستمر على الإمبراطورية البيزنطية.

وصل العباسيون إلى ما وراء جبال داوروس. أمر الخليفة المنصور بإعادة بناء القلاع والمدن وترميمها التي دمرها الإمبراطور البيزنطي قسطنطين كوبرونيموس وأصبحت الغزوات الدورية في صيف كل عام مألوفة في عهد هارون الرشيد وابنه المأمون. وكان هجوم الخليفة المعتصم على عمورية عام 838م وتدميرها كاملة الانجاز العربي العسكري الكبير في آسيا الصغرى .

بدأت العائلة الإمبراطورية البيزنطية المقدونية (من أصل أرمني حكمت وراثياً طوال أعوام 876-1025م-المترجم) بالضغط المقابل على العرب وتمّ في فترة قرن واحد احتلال كيليكيا والمناطق المجاورة لها وضمها إلى بيزنطة.

كانت الحدود السورية المحصّنة تضم جميع مناطق كيليكيا تقريباً. وكانت طارسوس، الواقعة على نهر كيبرنوس التي كانت لها أسوار منيعة وحامية عربية كبيرة، أهم مدينة فيها. هناك ممر على الجهة المقابلة لهذه المدينة في سلسلة جبال داوروس يؤدي إلى كيليكيا حيث تبدأ الطريق الرئيسية الممتدة بين كيليكيا والقسطنطينية. وتقع أضنة على نهر سيحون Saros. وكان هناك عدد من القلاع العربية المهمة جداً كقلعة عين زربة Anazarpa والهارونية ومرعش Germanicea في وادي نهر جيحون Pyramos. ورغم وقوع القلعة الأخيرة في المنطقة الحدودية السورية إلا أن بعض المؤرخين كالبلاذري مثلاً يضعونها ضمن المنطقة العسكرية لبلاد ما بين النهرين.

كانت أرمينيا الثالثة Armenia III  السابقة تدخل، إلى جانب سميساط وبعض المناطق الفراتية الأخرى، في المنطقة العسكرية لشمال ما بين النهرين أي الجزيرة.

كانت ملاطيا Melitene، التي تقع على نهر كباكب وهو أحد فروع نهر الفرات، المدينة الرئيسية هنا. وإلى الشمال من نهر الفرات تقع تراندا Derende بينما إلى الجنوب من ملاطيا توجد قلعتان هما قلعة زيباترا Sozepetra وحصن منصور بناهما قائد عسكري عربي ينحدر من قبيلة قيس القوية. وكانت قلعتا Behesni وHadata تقعان إلى الجهة الغربية وهناك ممر جبلي على الجهة المقابلة لهذه القلعة الأخيرة.

 كانت المقاطعات الحدودية الغربية لأرمينيا الكبرى، ذات العلاقات الوثيقة مع المنطقة الشمالية لبلاد ما بين النهرين، مسرحاً للصراعات الحدودية الدموية بين القوتين العظميين. ونذكر من هذه المقاطعات Muzur وEkeghiac وDaranagh وسواها والمناطق التي تقع خاصة شمالي Deghik وArsanias Hanjit التي كانت قسماً من أرمينيا الرابعة سابقاً. وصلت الحملات العربية في هذه المقاطعات حتى قلعة كاماخا. واستناداً على أقوال البلاذري تناوب العرب والبيزنطيون في احتلال القلعة الأرمنية لأكثر من 10 مرات بين منتصف القرن 7 م  ومنتصف القرن 9 م.

لعبت بعض مدن ولاية أرمينيا المحصنة الأخرى مثل سميساط  Arsamosataوحصن زياد (خربوط Kharpert) إلى جانب قاليقلا Karin، التي كانت الخط الدفاعي الأخير في الشمال، دوراً عسكرياً هاماً ضد بيزنطة.

سببت الحروب الطاحنة المستمرة في منطقة الثغور العربية–البيزنطية خسائر فادحة للسكان المحليين من أرمن وسريان وغيرهم. لذلك نقل الخلفاء قبائل عربية وشعوب أخرى كالأتراك وقبائل Zutt الهندية إلى هذه المناطق. واستناداً إلى البلاذري، عندما تخلى العرب عن ملاطيا للبيزنطيين في فترة عصيان عبد الله بن الزبير في القرن 8 م، كانت المدينة مكتظة بالأرمن الذين احتفظوا بالمدينة مدة طويلة من الزمن.

ومن القوات العسكرية التي نقلتها الخلافة في المقام الأول قبيلة قيس العربية التي تمّ توطين أفرادها بأعداد كبيرة في منطقة الجزيرة فلعبوا دوراً حاسماً في الحروب ضد البيزنطيين لاحقاً.

كانت للحروب، التي استمرت مدة 300 سنة بين العرب وبيزنطة، عواقب حاسمة على مصير أرمينيا. وكانت هناك 3 مقاطعات عربية على طول الحدود البيزنطية: سوريا (قنّسرين تحديداً) وشمالي ما بين النهرين (الجزيرة) وأرمينيا التي كانت أهم موقع استراتيجي لصد هجمات الخزر على وجه الخصوص. لقد أكرهت مملكة الخزر القوية، التي كانت تهدد حتى إيران الساسانية، الخلافة العربية بين القرنين 7-8م على نقل قسم من قواتها إلى أغبانيا وشمالي منطقة باب الأبواب Derbend.

أجبرت أهمية أرمينيا العسكرية الاستثنائية الخلافة العربية على نشر كتائب عسكرية فيها في حروبها ضد بيزنطة والخزر. لذلك ليس محض صدفة توطين قبائل عربية في المقاطعات الواقعة قرب الحدود البيزنطية التي شكلت ما يسمى أرمينيا الرابعة Armenia IV.

*ينفرد موقع “أزتاك العربي للشؤون الأرمنية” بنشر كتاب “الإمارات العربية في أرمينيا البقرادونية” للمؤلف المستشرق الدكتور البروفيسور آرام تير-غيفونديان، (الطبعة الثانية المنقحة)، ترجمه عن الإنكليزية: الدكتور ألكسندر كشيشيان، عضو اتحاد الكتاب العرب، رئيس تحرير “كتاب العاديات السنوي للآثار”، صدر الكتاب عن مؤسسة المهندس فاروجان سلاطيان، حلب 2013، وسيتم نشر فصول الكتاب تباعاً (2).

Leave a Reply

Your email address will not be published.