كريكور زهراب ووارتكس

Krikor Zohrab

لا أحد يجهل من هو زهراب مبعوث الأرمن عن اسطنبول. فقد طار صيته واشتهر اسمه منذ أن افتتح المجلس، فكان يخطب عن علم وترو ويدحض اعتراضات المعترضين على خطبه بحجج قوية ودلائل منطقية. كانت أقواله في المجلس هي القول الفصل أكثر الأوقات. قد كان عالماً بكل شيء وخصوصاً في علم الحقوق اذ تخرج من مدارس عالية وتعاطى المحاماة سنين عديدة. وقد أعطاه ربه اللسان وحسن البيان وكان جريئاً لا يثنيه عن عزمه شيء ولايرده عن مطالبه القومية أمر. و لما رأى الاتحاديون أنهم ضعيفون في العلم لا يفقهون من السياسة شيئاً، ولا يفهمون ما هي إدارة البلاد، لا يدركون معنى الحرية والإدارة الدستورية، أقروا العودة إلى ما كان عليه أجدادهم التاتار من خراب البلاد واهلاك العباد بدون ذنب ولا سبب اذ هم قديرون على ذلك.

أرسلوا زهراب ورفيقه وارتكس من الاستانة وأمروا باتلافهما في الطريق. وأعلنوا أن عصابة اشقياء قتلتهم، قتلوهما حتى لا يقال أن رجال الأرمن أقدر وأعلم وأكيس من رجال الأتراك. فلماذا لم تقتل تلك العصابات غير الأرمن؟ أيظنون أن السحاب يغطي عين الشمس؟

إن زهراب ووارتكس قد قتلا ضحيتي جرأتهما واقدامهما. قتلا حسداً لعلمهما وحبهما للأرمن وأمتهما. قد قتلا لثباتهما على مسلكهما، قد قتلا بيد ذلك الجاني أحمد السرري أحد فدائي الاتحاديين وهو الذي قتل زكي بك وحادثته مشهورة في الانقلاب العثماني وقد خلصه الاتحاديون من القصاص ومن الحبس أيضاً. وقد قص أحد الأكراد أن وارتكس كان من أجرأ وأشجع خلق الله وكان هو رئيس العصابات الأرمنية في زمن عبد الحميد وقد أصابته قنبلة برجله من مدفع عثماني عندما كان الجنود الاتراك بطاردون العصابات الأرمنية وقد سجن وارتكس في سجن ارضروم أوفي سجن »معدن« من أعمال ديار بكر وكلفه السلطان عبد الحميد بواسطة مأموريه أن يعدل عن خطته ويعلن أنه مخطئ في رأيه فيعفو عنه ويعطيه أي وظيفة أرادها فلم يقبل هذه التكاليف ورد   قائلاً: »أني لا أبيع وجداني بوظيفة وأقول أن حكومة عبد الحميد عادلة كوني أرى ظلمها بأم عيني وألمسه بيدي«.

وقيل أن الاتحاديين أمروا بقتل جميع مبعوثي الأرمن وقد قتل أكثرهم وشاع أيضاً أن ديران كليكيان ذلك الكاتب الشهير الذي كان موالياً لجمعية الاتحاد والترقي اتلف جزاء علمه واقتداره وسعة اطلاعه وموالاته لهم، فيا لها من مكافأة له على خدمته للاتحاديين.

وعند المساء وصلنا لقره جورن فنمنا هناك إلى الصباح. وعند طلوع الشمس سرنا نحو سيورك ولما وصلنا لمنتصف الطريق رأينا منظراً مريعاً فإن جثث القتلى كانت على حافتي الطريق بكثرة فتارة كنا نرى امرأة ممدة على الأرض وشعرها الطويل يغطي نصف جسدها، وآونة كنا نرى نساء ملقاة على وجوههن فوق الأرض والدماء قد يبست وسودت بشرتهن الرقيقة، وتارة كنا نرى جثث الرجال وقد جفت من حرارة الشمس فغدت تحاكي الفحم سواداً وكلما قربنا من سيورك كانت الجثث تتزايد وتكثر وكانت جثث الأطفال أكثر بكثير من جثث الرجال. ولما وصلنا إلى سيورك ونزلنا في العجلات رأينا خادماً من خدام الخان حاملاً طفلاً صغيراً شعره أشقر كأنه الذهب رماه خلف الخان. فسألناه عنه فقيل لنا أنه يوجد ثلاث من نساء الأرمن مرضى في الخان وقد تخلفن عن رفيقاتهن وكانت احداهن حاملة فوضعت هذا الطفل ولم تقدر ان   ترضعه لأنها مريضة فمات ورمته كما ترمى الفأرة.

*مقطتف من كتاب “المذابح في أرمينيا” للمؤلف فائز الغصين، (حلب، 1991) (4).

ورد في كتاب “شهود عيان عن الإبادة الأرمنية في الإمبراطورية العثمانية (مجموعة وثائق) بمناسبة ذكرى مرور مئة سنة على الإبادة الأرمنية (1915-2015)”، إعداد وإشراف ودراسة: البروفيسور الدكتور آرشاك بولاديان، دمشق-2014، حيث ينفرد موقع “أزتاك العربي للشؤون الأرمنية” بنشر مقتطفات منه.

Leave a Reply

Your email address will not be published.