“منازل بلا أبواب”: هجرة أرمنية تتجدّد

349 

يعود المخرج السوري الشاب، آفو كابرلئيان (1986)، في فيلمه التسجيلي الأول “منازل بلا أبواب”، إلى حيّ الميدان الحلبي خلال فترتين زمنيتين مختلفتين من عمر الحرب السورية.

الفيلم الذي عُرض للمرة الأولى خلال تظاهرة “الفورم” في الدورة الأخيرة لفعاليات “مهرجان برلين السينمائي”، يشكّل وثيقة هامة كونه يقدّم التغيرات التي شهدها الحي ذو الأغلبية الأرمنية على مدى سنوات ثلاث منذ 2012 وحتى الانتهاء من تصوير الفيلم سنة 2015.

يبدأ “منازل بلا أبواب” بمشهد شهير من فيلم الـ ويسترن “التوبو” (1970) للمخرج التشيلي، أليخاندرو خودرفسكي: نرى رجلاً وطفلاً عارياً في الصحراء، يغرز الصغير صورة (بورتريه) لوالدته في الرمال، ثم يمضيان.

هنا، تأخذنا هذه الافتتاحية لقراءة الفيلم على أنّه بورتريه يرسمه المخرج لوالدته، خصوصاً بعد استحالة عودتها إلى حلب ولجوئها إلى لبنان (كما نرى في الفيلم). كما حاول المخرج توظيف مشاهد عديدة من أفلام عالمية تناولت قضية الأرمن، كفيلم الأرمني الفرنسي هنري فيرنوي “الأم” (1991) وفيلم “أفيتيك” (1992) لـ دون عسكريان.

تستقر كاميرا المخرج، معظم الوقت، على شرفة منزل عائلته الحلبي، التي تطلّ على شارع يشكّل مشهد الحياة فيه تكثيفاً بصرياً لما يحدث في عاصمة الشمال السوري، إذ الشرفة في حلب تمتلك خصوصية، فهي غرفة للمعيشة وللسهرات وللمؤونة وللنوم أحياناً، لذلك ليس غريباً أن نجد فيها قطع أثاث منزلي ومكسوة بالستائر وقطع الزينة.

هكذا، تبقى الكاميرا مع صاحبها تتلصّص على ما يحدث في الشارع، وعلى كيفية التفاعل معه داخل منزل العائلة. منذ البداية، يشتدّ صوت الرصاص فتلتقط الكاميرا خروج الناس إلى شرفات منازلها لتعرف ماذا يحدث، مشتركة بذلك مع بطل الفيلم، الذي يصور طويلاً والدته وهي تتأمل من الشرفة.

يبدأ فضاء الشارع بكل تفاصيله وعناصره بالتلاشي، فتبدأ فيه مظاهر الحياة بالخفوت تدريجياً مع اشتداد أصوات القذائف والاشتباكات. فيحل محل الزفة ومشهد لعب الأطفال نقاط التفتيش والسواتر الترابية وتتوافد أعداد كبيرة من النازحين من الأحياء المجاورة.

بعدها، ينجح المخرج في الدخول إلى أماكن إيواء النازحين، فيستطيع أن يعبّر بلغة بصرية مكثفة عن مأساتهم وبؤس أحوالهم اليومية في الحصول على الإعانة، والمشهد اللافت الذي تظهر فيه عائلة كل أفرادها يجلسون في باحة مدرسة من دون سقف يؤويها، لكن الجدار الضخم خلفهم مزين بشعارات البعث وبصور حافظ الأسد.

من على الشرفة، رصد كابرئيليان والدته وعائلات تقف على شرفاتها لتتّجه أنظارها نحو السماء وما فيها من طائرات، وتعود لتنظر خلسة إلى الأسفل، نحو الشارع. كأنه يقول بسبب الخراب في الشارع، انهارت معظم شرفات الحيّ نتيجة القذائف، وكان آخر ما وثّقته الكاميرا عن هذه العائلة ليس في حيّ الميدان الحلبي، بل في بيروت.

أحمد باشا

العربي

Leave a Reply

Your email address will not be published.