قيامة المسيح.. انتصار للحق والمحبة … أسقف الإسكندرية للأرمن الكاثوليك المطران كريكور أوغسطينوس كوسا

kusa

اليوم، نفرح ونبتهج ومع المؤمنين في العالم كله نرنم قائلين: «المسيح قام من بين الأموات ووطئ الموت بالموت ووهب الحياة للذين في القبور، له المجد أبد الدهور».

قيامة المسيح بعد آلامه وموته، أصبحت أساس إيماننا وسبب فرحنا، هي في إيماننا الجوهر والمحور بحيث إن المسيحية لا يبقي لها أي معني إذا لم تتم قيامة المسيح من بين الأموات، إن عقيدتنا لا تبني علي تعاليم المسيح وأقواله وحدها فقط، بل تبني علي شخصه بالذات وعلي مبادراته وأعماله.

المسيح مات وقام من أجل خطايانا

إننا ندعوكم في هذا اليوم الأغر، وأنتم تتأملون بعظمة سر القيامة، أن تضعوا نصب عيونكم حدث القيامة كما أكده الرسولان بطرس وبولس عامودا الكنيسة ومعلماها الاولان، فبطرس هامة الرسل ورئيس مصاف الاثني عشر الذين تبعوا يسوع ينادي في عظته الأولي أمام الشعب بعد أن امتلأ من الروح القدس في أورشليم، ويقول: «أيها الرجال اسمعوا هذا الكلام: إن يسوع الناصري، ذاك الرجل الذي أيده الله لديكم بما أجري عن يده بينكم من المعجزات والأعاجيب والآيات، كما أنتم تعلمون، ذاك الرجل الذي أسلم بقضاء الله وعلمه السابق فقتلتموه إذ علقتموه علي خشبة بأيدي الكافرين، فقد أقامه الله وأنقذه من أهوال الموت… ونحن باجمعنا شهود علي ذلك…. (أعمال الرسل 22:2ـ 36).
أما بولس رسول الأمم واللاهوتي الأول في الكنيسة ربط حقائق المسيحية بعضها ببعض، وربط قيامه الموتي بقيامة المسيح مؤكدا بقوله: «إن المسيح قد قام من بين الأموات وصار بكر الراقدين. وكما أن الموت كان بإنسان واحد، كذلك بإنسان واحد تكون قيامة الأموات… واذا لم يكن المسيح قد قام فتبشيرنا باطل وايمانكم أيضا باطل، ولا تزالون بخطاياكم». (قورنتس الأولي 12:15 ـ 21).

إن الموت والقيامة في تعليم القديس بولس لا يعنيان موت الأجساد بل وقيامتها أيضا بعد موتها، ويشير أيضا إلي موت الإنسان عن أعمال الرحمة والخير بفعل الخطيئة. لذلك يشير بولس إلي أنه بآدم يموت جميع الناس وكذلك بالمسيح فإنهم مدعوون الي الحياة والقيامة.

ومنذ أن قسم التاريخ إلي ما قبل المسيح وما بعده، بدأنا ننظر إلي الإنسانية الجديدة نظرة رحمة ونتشوق إلي تحررها مما يكبلها من قيود لتصل يوما علي هدي من المسيح وبقوة التغيير المنبثقة من قيامته المجيدة الي وضع آخر لها «ملؤه النعمة والحق» (يوحنا 1: 14).

وعندما يتحقق هذا التغيير يكون ملكوت الله قد اكتمل فيما بيننا. وقد أعطانا المسيح بفضل هذا الإيمان أن نمزج معه كل آلام الناس وعذاباتهم وأوجاعهم وشقائهم بآلامه وموته.

فلذلك فإن عيد القيامة يطل علينا في كل عام حاملا معه آمالا وآفاقا مجددة في النفوس، ومانحا عزما علي الاستمرار في الجهاد الروحي حتي النهاية.

إن اختبار تلميذي عماوس (لوقا 24: 13ـ 35)، بعد لقائهما بالمسيح القائم بين الأموات أمثولة لنا في تعزيز هذه الثقة بقدرة الله علي تغيير ما في داخلنا. لقد كان هذان التلميذان يعودان خائبين في اليوم الثالث بعد الصلب الي قريتهما، واذا بالمسيح يظهر لهما في الطريق ويرافقهما حتي وصولهما إلي البيت بعد أن مال النهار. وما إن عرفا يسوع عند كسر خبز الحياة حتي رجعا علي الفور إلي أورشليم مذهولين وقد انقلب حزنهما الي فرح ويأسهما إلي انتصار وحياتهما إلي رسالة في سبيل بشارة الإنجيل.

أما النعم التي ننتظرها من عظمة سر القيامة فهي التجدد أولا في نفوسنا بالمحبة والرحمة والشفقة والخير، ومن ثم المصالحة والسلام في حياتنا الجماعية والفردية علي كل المستويات، انطلاقا من المجتمع ووصولا إلي» الوطن ومن ثم الي العالم بأجمعه. ولا نستطيع أن نتحجج فيما يخص تغيير حالنا من الداخل نحو الأفضل لأن مثل هذا العمل يتطلب تجاوبا مع الآخرين. فنحن في هذا التجدد أحرار من أي قيد خارجي والمسيح يدعو كل واحد منا أن يكون بذاته حجرا حيا للبناء في ملكوت الله.

لقد كانت قيامة المسيح من بين الأموات انتصارا شخصيا له، والمطلوب أن يتحول إلي انتصار لكل واحد منا فنربط قوي الخير والرحمة والسلام والمصالحة فينا بقوة المسيح.

القرار إذا قرارنا، وانتصار المحبة في حياتنا يتطلب منا قناعة لتغيير الإنسان القديم الممزق، لنفسح المجال لبزوغ إنسان جديد فينا علي شبه المسيح ومثاله. فإذا أقدمنا علي اتخاذ هذا القرار الحاسم، فإن كل ما فينا من مواهب ونعم ستبرز عندئذ إلي حيز الوجود. فيتعاظم الصدق في الكون وتغلب الاستقامة وتسمو بنا القيم لنصبح أهلا بأن ندعي بحق تلاميذ المسيح المنتصر علي الشر والخطيئة. وفي هذا المجال يلهمنا عيد القيامة إلي السير في أثر المصالحة التي تغير وجه العالم، وفي أثر السلام الذي يؤمن لنا أجمل وأفضل مذاق للحياة.

فالقيامة هي المصالحة بين الأرض والسماء، لأن يسوع علي صليبه دفع دمه الذكي ثمنا لتحقيقها. والقيامة أيضا هي المصالحة بين الأرض وسكانها وشعوبها وقبائلها وسائر مجتمعاتها، لتصبح واحدة موحدة، ويصبح الناس فيها إخوة متضامنين ومتحدين.

والقيامة تدعو الي بتر العداوة والبغض في النفوس وانتزاعها من أصولها فلا يبقي منها أثر في الضمائر والعقول والقلوب.
سلامي أعطيكم، سلامي أمنحكم

من المصالحة ننتقل الي السلام، السلام الداخلي والسلام الخارجي. ونحن نريد أن يحل السلام في بلادنا وفي قلوب الجميع دون استثناء، فيقبل بعضنا البعض قبولا تاما وحقيقيا. وننبذ من حياتنا كل عنف وحقد وبغض وعداوة. ونمد ايادينا لعمل الخير وبناء المجتمع والوطن. وإذا حصل بيننا جدال وسوء تفاهم، ولنقتنع جيدا بأن الحوار وحده يقودنا إلي الحلول الناجحة والبناء. المسيح يأمرنا بالمحبة «حبوا بعضكم بعضا»، وليس علي المؤمنين سوي الامتثال لأمره القدوس والانصياع له انصياعا تاما لا جدال فيه،

في هذه الظروف العصيبة التي يمر به العالم شرقا وغربا، وبلادنا العزيزة وشرقنا الحبيب خاصة فإننا نريد لمواطنينا الأعزاء أن يتضامنوا معا في المجالات الحيوية كافة، ليعبروا بحر العواصف ويصلوا بوطنهم الي شاطئ السلام والأمان.
فوحدة صفوفنا اليوم هي شرط جوهري لمضاعفة وزن حقوقنا ومصالحنا العامة في حلبة الصراع الدولي من أجل المستقبل. وجميع ثرواتنا ومقدراتنا كلها مطلب أساسي من أجل حل الأزمة الاقتصادية والمعيشية خاصة التي بدأت تشد الخناق علي الغالبية العظمي من الطبقة الفقيرة والمحتاجة.

إن قيامة المسيح هي دائما أبدا قيامة للحق فلا نخشي ولا نخاف عليه من الضياع. وانتصار المسيح هو انتصار كامل للتضحية والمحبة الحقيقية.

فلتكن محبة المسيح القائم من بين الأموات في قلوبكم، والصلح والرحمة والرأفة والسلام يكون معكم، ويغدق عليكم فيضا من نعمه وبركاته.

المسيح قام… حقا قام

أسقف الإسكندرية للأرمن الكاثوليك

Leave a Reply

Your email address will not be published.