إبادةُ الأرمن …بقلم م. علي الشيخ

13077387_1320040348022607_6198260_n 

في نيسان من كلّ عام يحتفل أحفاد القدّيس “ميسروب ماشدوتس” بذكرى (الفاجعة الكبرى). حيث يستذكر الأرمن، ومن ورائهم كلّ الأحرار في العالم هذا الحدث بمزيد من الألم والحزن والحسرة.

في 24 نيسان عام 1915 قامت حكومة الاتّحاد والتّرقيّ  -الوريث الشّرعيّ للسّلطنة العثمانيّة- ببدء الإبادة الجماعيّة النّموذجيّة للأرمن على أراضي أرمينيا الغربيّة وآسيا الوسطى، حيث تمّ القبض على صفوة رجال الأرمن، وتصفيتهم، وتهجير الشّعب الأرمنيّ بأكمله، ومصادرة أمواله و أملاكه.

كان إجراماً و قتلاً ممنهجاً بلا رحمة حتّى بالأطفال الرّضّع. اغتُصبت النّساء بوحشيّة أمام الآباء والأمّهات، و بُقرت بطونهنّ بحجّة البحث عن الذّهب المخبّأ، وما خفي كان أعظم.

كانت طرق قوافل المهجّرين عبر الجبال و الوديان والصّحارى مليئة بالجثث و الهياكل العظميّة. قوافل من الأبرياء ينهشهم الجوع والمرض و الخوف. تَخَطَّفَ الموت أغلبهم.

لقد ذكرت بعض المصادر أنّ عدد الأرمن على أرض السّلطنة العثمانيّة كان يربو على 2.5 مليون نسمة. قتل منهم حوالي 1.5 مليون شخص في هذه الكارثة، و الباقي من النّاجين لجأ إلى القوقاز والعراق وسوريا ولبنان ومصر.

أفرز مؤتمر “سالونيك” لحزب الاتّحاد والتّرقيّ عام 1910 قراراً بحظر الأحزاب السّياسيّة غير التّركيّة، والعزم على التّخلّص من القوميّات غير التّركيّة، فكانت الخطوة الأولى في اتّجاه المجزرة الكبرى. أجل هذا ما قامت به العنصريّة الطّورانيّة بشوفينيّة دنيئة، لأنّها أرادتها أرضاً لهم وحدهم، الأتراك فقط، دون غيرهم. هذا هو فكر و ديدن تلك القبائل الهمجيّة التي طرأت على هذه الجغرافيا من أواسط آسيا. اغتصبت و قتلت و هجّرت الشّعوبَ بوحشيّة غير مسبوقة، كما لو كانت لعنة “زيوس”، فحوّلتها إلى واقع من العبيد و القيان والجواري والشّهداء. فمذابح الآشوريّين و العرب واليونانيّين و الصّرب شاهدة على بربريّتهم. و مازال هؤلاء السّلاجقة حتّى اليوم جسماً غريباً في المنطقة يناصبون جميع من حولهم العداء. ولعلّ اغتيال الصّحفيّ (هرانك دينك) -أبرز الأرمن الأتراك- منذ بضع سنوات،  يثبت بما لا يرقى له الشّكّ أنّ آلة الإجرام السّلجوقيّة، لم ولن تتوقّف، و ذهنيّة الإرهاب و الوحشيّة، ما هي إلا عنوان لقوميّة حملت جيناتها تعاليم الشّيطان.

“بعد كلّ ما حدث، من يذكر اليوم الإبادة الأرمنيّة؟!”. هذا ما قاله هتلر لجنوده يحثّهم على القتال قبيل الهجوم على بولندا عام 1939. يدعوهم إلى الارتكاب و الإجرام بلا رحمة، ولا خوف، لأنّ الأتراك قد نجوا بفعلتهم فيما سبق على حدّ زعمه.

عذراً أيّها الزّعيم، لن ننسى مادام جبل (آرارات) شامخاً.. لن ننسى، فللتّاريخ وجدان يحاكم الأمم، يوصِّفُ، يفرز ويحاكم بلا شفقة أو مواربة.

مع بدء القرن الثّاني من عمر هذه المجزرة لا زالت هناك بلدان كثيرة لم تعترف بعد بهذه الجريمة الاستثنائيّة, لتبقى وصمة عار على جبين البشريّة. ولكنّ الحقّ آتٍ لا محالة، فالعدالة الإلهيّة، و حتميّة التّاريخ لن تُسقط هذا القدر، وستناضل الأجيال حتّى تتمّ معاقبة هؤلاء الشّياطين المجرمين، فترتاح أرواح الشّهداء، و يُرَدُّ الاعتبار الأخلاقيّ لأمّة تعرّضت لمحاولة إفناء منظّم و مدبّر. أرادوا صلبها، لكنّهم لم يدركوا أنّ هناك قيامة مجيدة بعد الصّلب.

Leave a Reply

Your email address will not be published.