نفي الآخر: جريمة القرن العشرين…تأليف الدكتور محمد رفعت الإمام

13115513_1322024024490906_502930758_n 

عرض : عطا درغام

اكتظت المدونات التاريخية بوقائع عديدة لأفعال جماعية ناجمة عن الحروب والصراعات العرقية والنزاعات الدينية. ولكن، مع بزوغ دول القوميات الحديثة، طرأت عوامل جديدة ميّزت الظاهرة الإبادية في القرن العشرين عما سبقته؛ إذ تمت تحت ظروف من القدرات النافذة الممتدة للنخب القومية المتطرفة الحاكمة بما تملكه من وسائل فريدة للأداء الإبادي : الدوافع الأيديولوجية ، الكفاءة البيروقراطية، القدرة التكنولوجية، التخطيط البرمجة، التوقيت، التنظيم، …إلخ. ولذا فإن توافر هذه الأبعاد السياسية والتكنولوجية جعلت الظاهرة الإبادية في القرن العشرين متمايزة كمياً وكيفيأ عن مثيلاتها التاريخية.

وفي هذا السياق، وعن الهيئة العامة لقصور الثقافة يأتي كتاب نفي الآخر: جريمة القرن العشرين للدكتور محمد رفعت الإمام وقسّمت الدراسة إلي ثلاثة فصول رئيسية وطعم الكاتب الدراسة بملحقين مهمين: أولهما نصوص “اتفاقية الأمم المتحدة (1948) لمنع إبادة الجنس والعقاب عليها” باللغات الإنجليزية والفرنسية والعربية، وثانيهما المواد الخاصة بإبادة الجنس في “نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية (1998).

إبادة الجنس: ثغرات في المفهوم ومعضلات التطبيق

يأتي الفصل الأول بعنوان :” إبادة الجنس: ثغرات في المفهوم ومعضلات التطبيق”، وتناول نشأة وتطور مفهوم الإبادة حتي إقراره في المادة الثانية من اتفاقية الأمم المتحدة لمنع إبادة الجنس والعقاب عليها في 9 ديسمبر 1948 ومدي انطباق هذا المفهوم علي الحالات الإبادية التي شهدها القرن العشرون.

ويطرح الفصل عدة تساؤلات مركزة علي إشكالية مفاهيمية محددة مفادها: هل مفهوم الأمم المتحدة الرسمي القانوني العقابي عن جريمة “إبادة الجنس” الذي أقرته عام 1948 يتناسب مع التجارب الإبادية الجماعية في القرن العشرين أم أنه تحت ضغوط سياسية صيغ لينطبق علي حالات بعينها ولا ينطبق علي حالات أخري. وهل مفهوم الأمم المتحدة هو الأنسب في حقل الدراسات الإبادية، أم لا بد من مفاهيم بديلة أو علي الأقل مكملة. وهل نجحت المفاهيم الأخيرة في معالجة النقص والقصور الواردين في مفهوم الأمم المتحدة، أم أنها هي الأخري قد أصيبت بالخلل والقصور؟.

وتحاول الدراسة استجلاء نقاط القوة والضعف في مفهوم الأمم المتحدة عن جريمة “إبادة الجنس” وإلي أي مدي نجحت محاولات صياغة مفاهيم أخري، وبيان إيجابيات وسلبيات تطبيق مفهوم الأمم المتحدة علي التجارب الإبادية في القرن العشرين.

تعرّض مصطلح “إبادة” لانتقادات بسبب استخدامه المتكرر والفضفاض في التداول العام؛ إذ أن الاستخدام الحالي لكلمة “إبادة” أفقد معناها الجوهري بأنها جريمة تميّزها النية المتعمدة وراء اقترافها عن الجرائم الأخري ضد الإنسانية، وبذا سقط اصطلاح”إبادة” ضحية التضخم اللفظي وفقد تدريجيا خصوصيته وغدا استخدامه مشاعاً.

ورغم توالي مفاهيم بديلة أو مكملة لمفهوم جريمة”إبادة الجنس” الذي أقرته الأمم المتحدة ، فإن العيوب قد شابتها هي الأخري؛ إذ ثمة اختلافات مهمة وحتي تناقضات بينها فضلاً عن الفوارق المعقّدة التي رسمتها بعض التعريفات بين مفاهيم” الإبادة البيولوجية”و” الإبادة الثقافية”.

ولذا ، سعي فريق من الباحثين إلي طرح فكرة فهم مصطلح”إبادة الجنس” بشكل أدق عن طريق نماذج وأنماط إبادية متنوعة . وفي المقابل ، طرح فريق آخر تجنب المصطلح تماما والاعتماد علي مصطلحات أكثر تحديداً وخصوصية لتوصيف أحداث ذوات سمة إبادية لا سيما عندما يكون إثبات نية الإبادة الكلية محللاً للنزاع. ومن هذه المصطلحات: “الإبادة السكانية” و”القتل الجماعي الذي ترعاه الدولة” و”الإبادة الإثنية” و”التطهير العرقي” و”الإبادة البيئية” و” الإبادة اللغوية “….إلخ.

عدّ الباحثون مصطلح” التطهير العرقي” الأنسب لإبادة الجنس، وخاصة اليهود، لكن ظل محل نزاع بين المشتغلين في هذا الحقل ؛ إذ إن المفهم المختار يؤثّر علي الناتج المعرفي- التحليلي. كذا، استخدامه في توصيف حالات لا تتفق مع مضمونه علي سبيل المثال، يعتقد المستوطنون اليهود- مغتصبو الأراضي الفلسطيني- بأنهم ضحايا التطهير العرقي عندما تقرر حكومتهم إجلاءهم باسم حفظ السلام.

وجدير بالذكر أن كثيرا من الفظاعات والمذابح التي شهدها القرن العشرون ضد الإنسانية لا تندرج تحت مفهوم ” إبادة الجنس” كما حددته الأمم المتحدة عام 1948 ،إذ بسبب نقاط ضعف هذا المفهوم لم يتم الاعتراف بأن عمليات إفناء السكان الأصليين علي أيدي الاستعماريين المستوطنين تصنف”إبادة جنس”.

ولم تقتصر الظاهرة علي العالم الجديد( أمريكا واستراليا)، بل امتدت أيضا إلي قارة أفريقيا السمراء بالعالم القديم التي تمثل أنموذجا مثاليا للفظاعات التي اقترفها الاستعماريون ولا تصنف “إبادة جنس” بموجب معيار الأمم المتحدة.

وأوردت الدراسة العديد من الحالات الإبادية التي اعترف بها القانون الدولي والمجتمع  وهل ينطبق عليها المفهوم الاصطلاحي التقني الرسمي ذو الخصوصية القانونية العقابية. ومن هذه الحالات : النموذجين الكمبودي والرواندي، فإنه علي الرغم من توافر أركان جريمة ” إبادة الجنس” فيهما كما حددتها اتفاقية الإبادة لعام 1948، واعتمادهما إبادات رسمية من قبل الأمم المتحدة ، فإن ثمة سلبيات ومآخذ مفاهيمية قد طرحت نفسها عند التحقيق في ملفيهما.

ومما هو جدير بالذكر أن النموذج الهولوكوستي النازي الذي صيغ مفهوم “إبادة الجنس” علي أساسه ، لم يفلت هو الآخر من الثغرات المنهجية .

كشفت الدراسة عن ثغرات وسلبيات عند تطبيق مفهوم الأمم المتحدة لجريمة “إبادة الجنس”، يجب مراعاتها عند تطبيق  هذا المفهوم علي العديد من الفظاعات الإنسانية  لا سيما مسألة ” القصد الجنائي” ولزومية توافر النية في التدمير سواء كانت كلية أو جزئية . وتجب مراعاة ألا يتساوي “قتل أعضاء جماعة بشرية” وإلحاق الضرر بهم جسديا أو معنويا ب” الإساءة إلي ظروف حياة جماعة” و” فرض التدابير التي تمنع التكاثر” و”نقل الأطفال قسرا من جماعة إلى أخرى”.

وعلى المستوي السياسي: تُعد جريمة “إبادة الجنس” نظرياً من أبرز اهتمامات الأمم المتحدة، بل ومن أهم دواعي تأسيسها، فقد وصفت في ديباجة الاتفاقية بان “إبادة الجنس” كارثة بغيضة سببت خسارات كبيرة للإنسانية عبر التاريخ.

وثمة سؤال يطرح نفسه، هل تستطيع الأمم المتحدة صياغة مفهوم جديد لجريمة ” إبادة الجنس” يتناسب مع المعطيات العالمية الراهنة ويتحاشي الاعتبارات والحساسيات والتوازنات الدولية؟.

أوضحت الدراسة خضوع الأمم المتحدة لرغبات الدول الأعضاء ومصالحهم ، فقد تفادي المفهوم اعتبار تطهيرات ستالين داخلة في نطاق “إبادة الجنس” إرضاءً للاتحاد السوفيتي . وكذا ،إغفال الإبادة التاريخية تحسباً للولايات المتحدة( الهنود الحمر) وتركيا ( الأرمن).

وفي هذا السياق، هناك سؤال يظل مطروحا بقوة: إلي أي مدي تستطيع الأمم المتحدة صياغة مفهوم أمثل لجريمة “إبادة الجنس” غير مسّيس في ظروف رعونتها وفي ظل الهيمنة الأحادية للولايات المتحدة التي لا تعيرها أدني احترام وقد أبادت الآلاف ، وربما الملايين تحت عباءة شعار الحرب ضد الإرهاب الدولي الذي تتبناه منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 ؟ .

إبادة النوع: حداثة المفهوم والتباسات التطبيق

وتناول الفصل الثاني: “إبادة النوع: حداثة المفهوم والتباسات التطبيق” دراسة نمط إبادي حديث جداً مستولد من الإبادة الأم ، ألا وهو إبادة النوع التي تستهدف قطاعا بشريا بذاته،

طرحت الدراسة عدة تساؤلات: هل من الممكن “نوعنة” الانتهاكات والصراعات والإبادات البشرية..وهل تسير هذه “النوعنة” الانتقائية علي قواعد عامة ثابتة ..أم أن لكل حالة خصوصيتها..وهل تهدف هذه النوعنة مجمل الجنس البشري..أم أنها تحدد قطاعا ذكرياً أو أنثوياً..أم أنها أكثر تحديدا تستهدف شريحة ذكرية أو أنثوية داخل هذا القطاع..وهل ثمة جدوي عملية من الإدراك النوعي لإيجاد إنذار مبكر واقتراح استراتيجيات مستقبلية لتفادي جرائم “إبادة الجنس” ؟.

يعُد مصطلح ” الإبادة النوعية” حديث الميلاد ،إذ صاغته الباحثة ماري أن وارين منذ ما يزيد علي ثلاثة عقود في كتابها المثير للجدل ” الإبادة النوعية: توريطات الانتقاء الجنسي” الصادر عام 1985.وانحصرت تطبيقات مفهوم “إبادة النوع لديها في الإبادة ضد الأنثى فقط رغم أنه مصطلح عام قد يكون فيه الضحايا إناثاً أو ذكوراً فقط ، مما حدا بفريق من الباحثين الإباديين إلي استخدام مصطلح” الإبادة الذكرية” عند تعاطي هذه الظاهرة مقابل صياغات وارين المتنوعة لدي الظاهرة مثل الإبادة الأنثوية والإبادة النسائية.

ويشير مصطلح “إبادة النوع ” إلي حقيقة أن ” متغير النوع” ذو عواقب وخيمة لا تقل ضراوة عن العواقب الناجمة عن الانحيازات العنصرية والدينية والطبقية . وفي هذا الإطار،كان الذكور غير المحاربين أكثر الأهداف المتكررة للقتل واسع النطاق ومذابح الجنس وكل الصراعات والفظاعات وحتى المعاملات السيئة. ولا ريب أن القتل الذكري واسع النطاق- لا سيما لمن هم قادرون علي حمل السلاح- يضرب بجذوره في عمق تاريخ الصراع الإنساني.

كشفت أدبيات الصراع الحديثة والمعاصرة النقاب عن حقيقة جد خطيرة مؤداها اختلال الميزان الديموجرافي الذكري الأنثوي الذي يميل بشدة لانحدار تمثيل الذكور البالغين.

وتُعد التطهيرات الستالينية الشهيرة بـ”الرعب العظيم” أنموذجا دراسياً مثالياً علي الضحايا الذكور البالغين غير المحاربين، وتعكس البيانات الإحصائية السوفيتية عام 1959 هلاك ملايين الذكور البالغين في المراحل العمرية المختلفة، وتبين مدي فداحة الخسائر الناتجة عن التطهيرات الستالينية.

وكشفت مختلف الصراعات المعاصرة عن أن القتل الجماعي أو علي الأقل واسع النطاق ،الانتقائي النوعي الذكري – خاصة من هم قادرون علي القتال- يُعد ملمحاً ثابتاً في كل الصراعات.

وتوجد إستراتيجيات اقترفتها القوات المسلحة ضد شعوبها استهدفت الذكور تحديداً مثل بيرو(1990) وسري لانكا( 1991) والبوسنة والهرسك ( 1992). ولكن تُعد الحالة الكوسوڤية هي الأبرز في إطار الصراع النوعي.

شكل أغلبية الذكور غير المحاربين من هم في سن القتال (15-55) العمود الفقري الذي استهدفه الخصوم بانتظام في الجماعات البشرية المضادة ؛ إذ تمثل هذه الجماعات التهديد الأخطر للقوات الغازية، وفي الحقيقة يُعد استهداف ” الذكور غير المحاربين” تكتيكاً إباديا فاعلاً.

ويُلاحظ أن الحرب الحديثة بشموليتها وجرائميتها وسّعت دائرة ” النوعنة الذكرية” بتخطيها حدود المعدل العمري ؛ إذ إن الذكور كبار السن- علي عكس النساء كبيرات السن – يتميزون باحتمالية اللحاق بالحرب، وينطبق ذات المنطق علي الأطفال.

ولم تقتصر الهيمنة الذكرية علي ضحايا الجماعات المستهدفة فقط، بل امتدت أيضا لتشمل الجموع الذكرية لأداء التجنيد الإجباري في ذات الجماعة، ومما يؤكد هذه الظاهرة المعاصرة التجنيد الإجباري للأثيوبيين الذين جمعتهم بالإكراه وألقت بهم في أتون القتال الدائر ضد إرتريا فكانوا يقعون ضحايا للألغام أو بإطلاق النار عليهم من قادتهم لرفضهم تنفيذ الأوامر . وفي هذا السياق ، يندرج القتل الجماعي وواسع النطاق لأسري الحروب في إطار الإبادة النوعية ضد الذكور غير المحاربين ، ولا يقتصر هذا المصطلح علي رجال كانوا يؤدون الخدمة العسكرية ، بل كانت الإستراتيجية النازية في المناطق المحتلة تتعامل مع كل الذكور السوفييت “15-65” سنة معاملة أسري الحروب.وقد أصبحت هذه الإستراتيجية مفتاحا سحرياً للقتل الجماعي عن طريق الإعدام والتجويع والإلقاء في العراء.

وثمة سؤال يطرح نفسه هنا : هل ظاهرة الضحوية النوعية الذكرية مقصورة فقط علي الحالات الصراعية والحربية ؟ أم أن ثمة حالات أخري استهدفت الذكور في انتهاك إبادي جماعي؟.

وجدير بالذكر أن مجموعات العمل الإجبارية وظاهرة الثأر تندرجان ضمن الإطار النوعي.فقد قدرت بعض الدراسات أن عدد الأفارقة ضحايا العمل الإجباري إبان الفترة الاستعمارية الأوربية بلغ عشرة ملايين، وفي ألبانيا تؤدي الخصومات العائلية إلي هلاك  حوالي ألف ذكر سنويا وتحكم علي عشرات الآلاف الآخرين بالعزل والخوف الدائمين.

ولم يفلت العنصر الأنثوي من الإبادة النوعية ؛ إذ إن التكتيك الذي استهدفت به للإناث في مذابح الجنس ذو أبعاد نوعية ؛ إذ شكلت إبادات الجنس الجماعية في القرن العشرين- مثل الحالتين الأرمنية والهولوكستية- إبادة نوعية ضد الإناث شأنهن في ذلك شأن الذكور. وفي هذا الإطار، اُستهدفت المرأة إما للاغتصاب ثم القتل وإما للاغتصاب حتي الموت، وبكل تأكيد يجب تصنيف هذه الظاهرة الانتقائية النوعية الأنثوية بين أشد حالات القتل إيلاما في تاريخ الإنسانية.

تتسع دائرة مصطلح ” الإبادة النوعية” ليشمل الإناث اللائي يتعرضن لأنماط إبادية ناجمة عن موروثات وأيديولوجيات وممارسات لا علاقة لها بالصراعات السياسية.

قضايا إبادية: إشكالية التأصيل وجدلية القانون والقوة

وبين إبادتي الجنس والنوع ، أثار الفصل الثالث: ” قضايا إبادية: إشكالية التأصيل وجدلية القانون والقوة” عددا من المسائل الوثيقة عضوياً بالإبادة من قبيل الإبادة المقارنة، والإبادة التاريخية، منع الإبادة، العدالة الجنائية والإبادة، القوة العظمي والإبادة. وفي هذا الفصل يقارن المؤلف بين (الطورانية التركية في النموذج العثماني) و(الاشتراكية الوطنية) في النموذج الألماني.

يرى الهولوكوستيون أن أمكر أشكال إنكار الهولوكوست هي (المقارنات غير الأخلاقية ) الرامية ضمنياً إلى إنكار فرادتها .ولم يرفض اليهود تأطير الهولوكوست في سياق الفظاعات النازية فحسب،بل انتقدوا بضراوة وضعها في إطار الجرائم ضد الإنسانية وجرائم القتل الجماعى التي وصمت القرن العشرين. دع عنك أن الهولوكستين إذا عقدوا أية مقارنات-على مضض-لا يهدفون من ورائها إلا (الإبقاء)على الهولوكوست متفرداً أكثرمن الإدماج في الظاهرة الأوسع للقرن العشرين من الإبادات الجماعية عامة والإثنية منها خاصة .وصارت إستراتيجية المقارنة دوما في طريق واحد لا رجعة منه:تأكيد فرادة الهولوكست وثمة (تابو) لدى الهولوكستين مؤداه أن دراسة الإبادات الاجتماعية اللاهولوكوكستية لن تسهم بشيء تجاه فهم أغوار التجربة اليهودية على أيدي النازية. ولكن في المقابل ،فإن دراسة التجربة الهولوكوستية ذات (المدى الكامل) من القضايا الفلسفية والمنهجية،سوف تلقى أضواء على الإبادات الجماعية الأخرى.

ومهما كانت التشبث بفرادة الهولوكوست فإن أبعاد “حل هتلر النهائي” أضحت معروفة في كثير من الأوساط الأكاديمية والإعلامية وهو ما يحتّم إعادة تقييم الهولوكوست النازية باعتبارها موضوعاً قابلًا للنقاش بل وقابلا للتأطير والمقارنة هنا يعقد فريق من الباحثين-غير اليهود والأمريكيين غالبا مقارنات بين إبادة الهنود الحمر في الأمريكتين والهولوكوست (اليهودي) أو بين الأخيرة وممارسات العنف الدموية والتطهيرات الصربية في كوسوفو.

بيد أن الحالة الأرمنية في الدولة العثمانية تُعد أنموذجا مثاليا في منظور المقارنين مع الهولوكست أثناء الحرب العالمية الثانية ،و تكمن أهمية هذا التوقيت في منع أية  مبادرات خارجية فعالة لإنقاذ الجماعات المستهدفة. أما علي مستوي التخطيط كانت عملية تدمير الجماعات المستهدفة مهمة بيروقراطيه مخططه اضطلع بها جهاز حزب الإتحاد والترقي “الاتحاديون” في النموذج الأرمني، وتكفل بها جهاز الحزب النازي في النموذج الهولوكوستي و علي مستوي آليات التنفيذ ثمة شبكه بيروقراطيه مؤدلجة جيده ومنظمة عاليه الكفاءة لإحراز الأهداف المنوط بها في وقت محدد و سريع مع الضخامة في القضاء على المستهدفين. تمثلت هذه الشبكة في”التشكيلات المخصوصة” لدي الاتحاديين بقوات الحرس الخاصة و فرق القتال المتحركة ووحدات قمة الموت لدي النازيين .

و ثمة أبعاد أيديولوجيه مشتركه اعتلت بسياسة القتل الإبادي الجماعي علي قمة الأولويات النافذة في الأجندتين الاتحادية والنازية .ففي مرحلة ما قبل اقتراف الإبادة تعرض المجتمعان أو بالأحرى النظامان العثماني والألماني لأزمات مجتمعيه و سياسيه و اقتصاديه حادة، تمخضت عن أزمة “هوية شاملة” بين  الأتراك والألمان إذ تعرض كلا النظامين لتفكك إمبراطوريتها العظمي، وتراجع نفوذهما الإقليمي سلسلة من الهزائم العسكرية علي جبهات القتال دمرت البنية البشرية، و جرحت الطموحات القومية وأهانت الكرامة القومية لدي الشعبين وقد ثارت هذه الأزمات في خط متواز مع الاستغراق في استدعاء تاريخ عظيم، أحلام حول إعادة  إحياء الماضي، الانفجار النهائي لهذه الأحلام، عدم القدرة علي امتصاص وإدماج هذا الزخم من التناقضات.

وهنا تمثلت دعامة النجاة الرئيسية في إعادة أيديولوجيه رسمية نخبوية قوامها “الطورانية التركية” في النموذج العثماني و”الاشتراكيه القومية” في النموذج الألماني ،وكلاهما ارتكز علي التفوق الإثني ممزوجاً بجرعات ثقيلة من الاستبدادية و العنصرية.

و هكذا ُشغلت هذه الأيديولوجيات فراغ الهوية و برّرت في العقل الجامعي سياسات النخبة الإبادية و في كلمة اختزلت حلول أزمة الهوية عن الناظمين الاتحادي و النازي نظرياً في تبني أيديولوجيه رسمية وعلمية في ارتكاب إبادة جماعية.

ومهما كانت وجاهة أوجه الشبه بين النموذجين الإباديين الأرمني و الهولوكوستي، فثمة أوجه تباين جد فارقه بينهما . فمن منظور الكفاءة التكنولوجية تفوق النازيون علي نظائرهم الاتحاديين في إنجاز أهدافهم الإبادية ورغم استخدام جزء من الخط الحديدي برلين – بغداد لنقل بعض الأرمن من الأناضول إلي منفاهم في ولاية حلب العربية، إلا أن الاتحاديين كانوا بصفة عامه بدائيين في التخطيط و التنظيم.

ورغم ذلك نجحوا في تنفيذ الجزء الأكبر من أهدافهم الإبادية ضد الإثنية الأرمنية. في المقابل وظف النازيون قمة المنجزات التكنولوجية 1(طرق المواصلات و غرف الغاز .. إلخ)  في تنفيذ برنامجهم الهولوكوستي.

وعلى مستوي الضحايا انحصر ضحايا الاتحاديين فقط في الدائرة الإثنية الأرمنية بينما شمل ضحايا الهولوكوست النازي: يهود وسوفيت وغجر أوروبيين وشواذ ومعاقين ..إلخ، وإن كانت أكثرها من اليهود البولنديين تحديدا . ويرتبط  بهذا الفارق ملاحظة جد مهمة مفادها أن الأرمن الذين اقتلعهم الاتحاديون من الفضاء الأناضولي كانوا السكان الأصليين في وطنهم  الأم علي عكس اليهود الذين كانوا مشتتين عبر أنحاء العالم ،وبينما شكل اليهود في الكيان الآري شيئا ” من دون البشر” ذا تهدي اقتصادي  شكل الأرمن العقبة الإثنية والدينية و القومية والسياسية والاقتصادية و الثقافية و الاجتماعية في وجه الحلم الطوراني الرامي إلي تأسيس دولة تركية نقية. ورغم الفوارق بين التجربتين الأرمنية الهولوكوستية إلي أن الأولي ذات  أسبقية تاريخية علي الأخيرة، و من ثم عدم فرادتها في القرن العشرين .

والجدير بالذكر أن وجود نظام دولي فعّال للمساءلة الجنائية عن الانتهاكات ضد الإنسانية يُعد من أقوي الضمانات التي تكفل احترام هذه الحقوق وعدم النيل منها والافتئات عليها، وذلك جنباً إلى جنب التشريعات والقوانين الوطنية ذات الصلة كقوانين العقوبات.وعلي الرغم من الطبيعة العقابية لاتفاقية “إبادة الجنس” فإنها ظلت ميتة عمليأ علي ما يربو من نصف قرن حتى تأسست محكمتا يوغوسلافيا ورواندا المؤقتتان، ونجح كثير من المسئولين في منع ممارسات إبادية منظمة في الإفلات من العقاب.

وتطرح الدراسة تساؤلاً في غاية الأهمية: إلي أي مدي أثّرت أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 علي الموقف الأمريكي السلبي ” التقليدي” إزاء إبادة الجنس بعدما تجاوزت “الآخر” إلى “الأنا” ؟ جدير بالذكر أن واشنطن علي مدار القرن الماضي بأكمله لم تحرز قدراً ضئيلاً من التقدم في ردود أفعالها إزاء تعمد إهلاك جماعات عرقية أو قومية أو دينية. ويرجع ذلك إلي محاولات الذاكرة الأمريكية الحثيثة إسقاط الإبادة الهندية من وعيها. كما أن تدخل الإدارة الأمريكية لصالح أية شعوب معرضة للإبادة يضعها في مأزق أخلاقي مع التيار الهولوكوستي الكاسح والفعّال في المنظومة الأمريكية . إذ أن ذلك يعني ضمنيا ضرب فرادة وضحوية وحصرية الهولوكوست. زد أيضا، إن المصالح الحيوية والإستراتيجية الأمريكية تتعرض لخطر مصدره الإبادة. ولهذا كله ،لم تعرها الإدارة الأمريكية الانتباه الأخلاقي الذي تستوجبه.

Leave a Reply

Your email address will not be published.