صراع سمبات الأول على دبيل

13115463_1324942844199024_1099141911_n

بدأ حكم سمبات الأول 890-913م خليفة آشود الأول في حقبة هذه الانشقاقات. تصادم سمبات الأول مع عمه عباس بسبب الصراع على الحكم إلا أن الخليفة العباسي تدخل أخيراً وأكد على حق سمبات على اعتلاء العرش وأرسل له التاج والألبسة الملكية مع حاكم آذربيجان الجديد المدعو أفشين بن أبو الساج الذي أصبح مؤسس إمارة جديدة في آذربيجان فيما بعد.

كان سكان آذربيجان المحليين يتألفون من عناصر إيرانية اعتنقت الإسلام بعد حركات مختلفة ضد الدولة العربية (عصيان بابك المسلح مثلاً). أُلحِقت آذربيجان أثناء الحكم العربي إلى أرمينيا وتشكلت منهما وحدة إدارية تعود بفكرتها وقدمها إلى العهد الساساني. ظهرت وحدة خاصة مشابهة بين أرمينيا وآذربيجان في حقبة حكم سمبات الأول.

جرت بعض التغييرات في عهد آشوت الأول لأن الأمراء الأرمن أخذوا مهمة جمع الجزية على عاتقهم بينما أصبحت مهمة الحكام العرب، الذين كانوا يأتون إلى بردعة أو دبيل من وقت إلى آخر، تحويل هذه المبالغ إلى الخليفة فقط. توقف الخلفاء العباسيون في عهدي آشوت الأول وسمبات الأول عن تعيين حكام على أرمينيا لأنهم كانوا يخططون في وضع المملكة الأرمنية تحت إشرافهم غير المباشر. ولإنجاح ذلك وضعوا مهمة تحويل الجزية على عاتق حاكم آذربيجان الساجي أفشين الذي سُمّي بالتالي “حاكم آذربيجان وأرمينيا”.

كان لهذا المخطط العباسي البارع اختلاطات جديدة على الوضع بسبب حق أفشين الساجي بالتدخل في الشؤون الأرمنية الداخلية رغم أنه كان المسؤول العربي الذي حمل شخصياً التاج الملكي المرسل من قبل الخليفة العباسي إلى سمبات الأول. لذلك لم يبقَ أمام سمبات بقراتوني سوى التصرف كحاكم مستقل فحصّن حدود مملكته، التي حسب المؤرخ الأرمني كانت تصل غرباً حتى مدينة قاليقلا (كارين) والبحر الأسود “سواحل البحر الكبير” شمالاً وأبواب الآلان وشامخور شرقاً.

علاوة على ذلك عقد سمبات الأول تحالفاً مع الإمبراطور البيزنطي ليو الرابع 886-912م وهو تصرف قدم لأفشين ذريعة للتدخل في شؤون أرمينيا الداخلية.

ولَّد تهديد أفشين الأمل في قلوب الأمراء العرب في أرمينيا للتخلص من هيمنة الملك الأرمني. ومن المحتمل جداً كانت لحاكم آذربيجان بعض الاتصالات الخاصة معهم. وبالكاد كان الملك سمبات الأول قد وصل إلى دبيل عندما وجد بوابات المدينة مغلقة أمامه. وكان الشقيقان محمد وأمية حاكمي مدينة دبيل آنذاك يسميهما المؤرخ الأرمني السالف الذكر “الحاكمان والقائدان الرئيسيان لأرمينيا”.

كان هذان الأميران العربيان، اللذان نجهل أصلهما القبلي، يحكمان دبيل في السنوات الأولى لحكم سمبات الأول في فترة الصراعات التي نشبت بينه وبين عمه عباس في مسألة الخلافة على الحكم. ترك آشوت الأول العاصمة القديمة دبيل إلى أهواء القدر بعد هجرها وشاد عاصمة جديدة له في باكاران. استغل الشقيقان هذه الفرصة رغم أنهما كانا تابعين للملك الأرمني.

يؤكد الكاثوليكوس هوفهانّيس أنهما لم يقوما بواجباتهما تجاه الملك ولم يدفعا الضريبة كاملة. لذلك اجتاح الملك المدينة فهرب الحاكمان الثائران لكنه قُبض عليهما أثناء فرارهما وجيء بهما أمام سمبات الأول الذي كبّلهما بالسلاسل وبعد تعذيبهما واسترداد الذهب والفضة التي كانت بحوزتهما أرسلهما إلى الإمبراطور البيزنطي ليو الرابع.

لا شك أن مسألة احتلال دبيل كانت لها دلالات هامة وكبيرة للحفاظ على وحدة المملكة الأرمنية من وجهة النظر الجغرافية في المقام الأول لأن وادي نهر آراكس والعاصمة دبيل كانا يحتلان موقعاً وسطاً بين المناطق المحيطة بهما. خلا ذلك لم تكن المدينة المركز الإداري لأرمينيا لحقبة طويلة فحسب، بل تكمن أهميتها أنها كانت مدينة تجارية–إقتصادية نشيطة أيضاً. لذلك ليس محض صدفة أنه شرع سمبات الأول على إزالة الحركات الإنفصالية في المناطق العديدة لمملكته بعد احتلالها مباشرة.

أصيبت دبيل في عام 893-894م بزلزال مخيف سبب مآسٍ كبيرة للسكان. يصف المؤرخان الأرمنيان أردزروني ودراسخاناكيردتسي هذه الكارثة الطبيعية بشكل دقيق. تطرق المؤرخ العربي ابن الأثير بدوره إلى هذه الهزّة الأرضية التي استمرت من 14 كانون الأول عام 893م وحتى 12 كانون الثاني عام 894م=شوال عام 280هـ على الشكل التالي: “أظلم قمر شوال وظل سكان دبيل في ظلام دامس. استمر الوضع هكذا حتى المساء عندما هبت ريح سوداء فاهتزت المدينة التي دٌمِّرت بالكامل تقريباً ولم يبقَ فيها سوى 1,000 مسكناً غير مهدم. تكرر الزلزال بعد ذلك 5 مرات. ويقدر عدد الجثث المنتشلة من تحت الأنقاض 150,000 جثة”.

كان لهذه المأساة تأثير عميق على قدر المدينة. انهدم إثر هذا الزلزال مقر الكاثوليكوسية وكاتدرائيته الرئيسية التي حوّل المسلمون انقاضها إلى جامع بعد فترة.

يقدر المؤرخ الأرمني عدد الضحايا 70,000 فقط  ومع ذلك هو رقم كبير جداً.

ابتليت دبيل بهجمات أفشين أيضاً بعد الزلزال مباشرة. غيّرت هذه الأحداث مستقبل المدينة جذرياً. وبعد أن كانت منطقة Ostan  من أملاك البقراتونيين لحوالي نصف قرن إنتقلت إلى ساجيين آذربيجان. ولم يكن مسغرباً أن يستغل أفشين حادثة إرسال سمبات الأول حاكمي مدينة دبيل العربيين مكبّلين بالسلاسل إلى عدو الخلافة. ويجب علينا التأكيد هنا بالتالي على أن ثورة الشقيقين كانت مدبّرة على الأغلب من قبل أفشين بشكل مباشر.

هاجم أفشين المملكة الأرمنية سنة 894م واحتل نخجوان. لم يرغب سمبات الأول بالمقاومة انطلاقاً من مدينة دبيل لذلك جهّز معسكره على سفح جبل أراكادز مما أدى إلى دخول أفشين مدينة دبيل بدون مقاومة. فشل الكاثوليكوس هوفهانّيس في منع نشوب المعركة الفاصلة. ورغم جميع هذه النجاحات انهزم الجيش الآذربيجاني قرب قرية دوغس فاضطر أفشين على التقهقر.

أكره الزلزال والهجوم اللاحق لأفشين الكاثوليكوسَ المذكور على الهجرة من دبيل والانتقال إلى المدينة الجديدة Vagharshabat بعد فك أسره بتدخل من الأمراء الأرمن وملك أغبانيا.

رغم هذه التغييرات بقيت المملكة الأرمنية موحدة. وكان سمبات الأول محاطاً بالعديد من الأعداء الذين دحرهم جميعاً بنجاح تام.

استغلت بيزنطة هذه الأحوال المواتية فهاجمت مدينة قاليقلا (كارين) عام 895م. وكانت هذه المدينة قاعدة عسكرية أمامية للقوات العربية المحاربة ضد بيزنطة لذلك يعتبرها الجغرافيون العرب في القرنين 9 ـ 10 م “حصن الإسلام المنيع”. وكان هذا الاجتياح مجرد غزوة لأن الجيش البيزنطي تقهقر غرباً إلى منطقته بعد تسليم المدينة.

*ينفرد موقع “أزتاك العربي للشؤون الأرمنية” بنشر كتاب “الإمارات العربية في أرمينيا البقرادونية” للمؤلف المستشرق الدكتور البروفيسور آرام تير-غيفونديان، (الطبعة الثانية المنقحة)، ترجمه عن الإنكليزية: الدكتور ألكسندر كشيشيان، عضو اتحاد الكتاب العرب، رئيس تحرير “كتاب العاديات السنوي للآثار”، صدر الكتاب عن مؤسسة المهندس فاروجان سلاطيان، حلب 2013، وسيتم نشر فصول الكتاب تباعاً (10).

 

Leave a Reply

Your email address will not be published.