أربعون عاماً من العمل … أبو زافين: مهنة تصليح الأحذية باقية فلا غنى للناس عنها

لم يرث أبو زافين مالاً ولا عقاراً، ولم ينتقل إليه من أبيه سوى الفن، كما أسماه، وبضع أدوات أمسك بها أول مرة عندما كان في الرابعة عشرة من عمره، لتصبح مع توالي السنوات أداة كسب عيشه ورفيقه على مدى أكثر من اربعين سنة.

تجاوز أبو زافين الخامسة والخمسين من العمر، وما زال في محله برفقة المسامير والمواد اللاصقة وآلة الدرز، يؤمن دخله اليومي من خلال إصلاح الأحذية لتبقى في الخدمة أطول مدة ممكنة.

في محله بجرمانا تحدث عن ماضيه قائلاً “عندما جاء جدي من تركيا إبان إحدى موجات هجرة الأرمن، عمل في هذه المهنة ثم نقلها الى والدي الذي اشترى محلاً في نوى بحوران وعمل به، ولأن عدد أفراد أسرتي كبير ووالدي معيلهم الوحيد تركت المدرسة عندما كنت في الصف الثامن ليقوم والدي بتعليمي المهنة، ومنذ ذلك اليوم وأنا أعمل بها”.

تنقل أبو زافين بين درعا ومنطقة العباسيين بدمشق، إلى أن استقر به المقام منذ عشر سنوات في جرمانا التي عرف فيها بأنه يجمع في عمله بين جودة العمل والسعر المعقول، وحول هذه النقطة يقول”زبائني من مختلف السويات والفئات الاجتماعية ومن الجنسين، لكنني لا أفعل مثل بعض زملائي من مصلحي الأحذية الذين ينظرون إلى الزبون ثم يقدرون وضعه الاجتماعي ثم يحددون السعر، فتكلفة الاصلاح واحدة موحدة، وتعتمد على الوقت والجهد والمواد التي يحتاجها إصلاح الحذاء، وهي تتراوح بين 25 ليرة الى 100 ليرة، ويدر علي عملي مابين 500 إلى 600 ليرة يومياً .. والحال ماشي والحمدلله”.

يمضي أبو زافين 12 ساعة يومياً في محله، وليس لديه يوم عطلة فيقول”اعتدت على هذا المكان، آتي إلى العمل في الساعة العاشرة صباحاً، وأغادره في العاشرة مساءاً، وأحيانا استريح في منزلي المجاور،لا أحب يوم العطلة وغالبا أبقى في محلي حتى في يوم الجمعة”.

ويبدو أن النجاح في هذه المهنة يحتاج مثل كل المهن الى موصفات خاصة يشرحها أبو زافين “لا ينجح في هذه المهنة كل من يريد لأان يعمل فيها، فهي تحتاج الى الصبر، والتعامل مع الأحذية ومشاكلها بفن، فبامكان أي شخص أن يصلح حذاءاً لكن تبقى الحرفية ومدى إتقان العمل هو الأهم،  ولا يوجد  مشكلة في الحذاء لا يمكن اصلاحها، و الخدمة التي يقدمها مصلح الأحذية يحتاجها جميع الناس على اختلاف مستوياتهم الاجتماعية”.

وتتنوع الأدوات التي يستخدمها أبو زافين رغم بساطتها، فيضع على ركبتيه قطعة مستطيلة من الخشب تكسوها طبقة سميكة من المادة اللاصقة “الشعلة” التي تراكمت مع مرور الأيام عندما يصلح ويلصق الأحذية فوق تلك الخشبة، والى جانبه خزانة زجاجية تحتوي على عبوات المادة اللاصقة ومسامير من مختلف الأحجام ومواد إخرى، إضافة إلى كمية كبيرة من كعوب الأحذية المتنوعة، وهي المادة الأكثر استهلاكاً في مهنة إصلاح الأحذية.

لكن أكثر ما يلفت النظر في محله هو العديد من اقفاص العصافير، وحوض لاسماك الزينة، يفسر أبو زافين اقتناؤه لها بقوله “أقضي نهاري بكامله هنا، وصوتها يؤنسني، وفي مهنتي الحركة محدودة، فأعوض ذلك الخمول عندما أقوم بالتحرك عند العناية بالعصافير وإطعامها وتبديل الماء للأسماك”.

اثنان من أشقاء أبو زافين ورثا هذه المهنة عن أبيهم أيضاً، لكن عادة توريث المهن التي كانت متبعة قديما يبدو أنها بطلت هذه الأيام، فأبو زافين يؤكد أن أحداً من أولاده لن يمارس هذه المهنة فيقول “لم أعلمهم وهم لم يطلبوا مني ذلك، الزمن تغير، لكن هذا لا يعني زوال هذه المهنة أو انقراضها، فمادام هناك مصانع تنتج الأحذية، وما دام الناس يلبسونها، فمهنتنا باقية”.

سيريانيوز

Leave a Reply

Your email address will not be published.