الصراع بين الملك آشود الأول وأحمد الشيباني

Ashot_Medz

لم يكن ساجيو آذربيجان الوحيدين في تعزيز مخططات تآمرية ضد المملكة الأرمنية. رغم استيطان هؤلاء في منطقة أغجنيك إلا أنهم لم يكفّوا عن إدعاءاتهم حول المقاطعات الأرمنية. وبما أنه لم تكن لهم حظوظ في تنصيبهم حكاماً على أرمينيا وجّهوا جلّ اهتمامهم إلى ضم المقاطعات الجنوبية لأرمينيا عندما كان أحمد بن عيسى الشيخ أمير القبيلة في العقد الأخير من القرن 9 م. وكان إنهاء وجود إمارة أرزن خطوته الأولى لأن أمراءها العرب إندمجوا مع عائلات الأمراء الأرمن إلى درجة أنهم كانوا يعيشون مثلهم تماماً. وكما ذكرنا سابقاً تزوج  موسى بن زرارة من شقيقة بقْرات بقراتوني بينما لم يقترن ابنه أبو المغرة من أميرة من عائلة الأردزرزنين فحسب، بل إعتنق المسيحية سراً.

إعتقله أحمد بن موسى وجرده من جميع أملاكه واختفت بذلك عائلة الزراريين الحاكمة في منطقة أرزن. توطدت مكانة أحمد أيضاً بسبب الحرب التي شنّها أفشين ضد سمبات الأول. وعندما احتل أمير آذربيجان دبيل أسرع أحمد لإنهاء وجود المقاطعات المجاورة فباشر في شن حرب ضد دافيد بقرادوني أمير، دارون، واحتل صاصون (جبل سيم). علاوة على ذلك، وبعد وفاة دافيد، تقلّد ابن شقيقه Gurgen الحكم من بعده إلا أن أحمد قتل الأمير الجديد واستولى على منطقة تارون كاملة سنة 895م.

بما أن دارون كانت قسماً من مملكة أرمينيا وتدخل ضمن أملاك البقراتونيين لذلك كان هذا التصرف من قبل أحمد الشيباني لا يعني سوى الحرب.

في الوقت ذاته كان كاكيك أبو مروان أردزروني ولي أمر آشوت وكاكيك وكوركين، أولاد الأمير ديرينيك المقتول، فاعتقلهم غدراً وزجهم في السجن. خُدع آشوت أكبرهم سناً من تطمينات أفشين ووعوده بأنه سيُتوَّج ملكاً في وقت قريب. غضب سمبات الأول إثر هذه المؤامرات وأمر كاكيك أبو مروان وكوركين في أنجيواجيك باقتسام مناطق باسفرجان فيما بينهما.

هذا هو سبب اعتقال كاكيك أبو مروان للإخوة الأردزرونيين الثلاثة فنتج عنه استياء شديد بين نبلاء باسفرجان. وبعد حرب غير ناجحة آثر هؤلاء الأمراء الثلاث على الذهاب إلى أغجنيك والدخول في خدمة الشيبانيين عوضاً عن تحمّل ممارسات كاكيك.

جهز الملك سمبات الأول بعد ذلك جيشاً كبيراً ضد أحمد الشيباني قوامه 60,000 رجلاً، 100,000 حسب المؤرخ أردزروني، وتوجه نحو باسفرجان وسلّم قيادة الجيش حتى أغجنيك إلى كاكيك أبو مروان. إلا أن هذا الأخير ارتدّ عن موقفه. وبدلاً من دعم حامية الملك سمبات وقف إلى جانب أحمد بن عيسى الذي كان قد قدم الملجأ للأمراء الثائرين في باسفرجان.

عبر الجيش الأرمني بعد ذلك الساحل الشمالي لبحيرة Van ودنا من تارون وعسكر قرب قرية توغج. مرّ الجيش الملكي بقيادة كاكيك من خلال دروب وعرة قبل وصوله إلى هذه المنطقة ووصل إلى المكان المنشود في حال إعياء تام. لم يكن بوسع هذه القوات المرهقة محاربة جيش الشيبانيين وخاصة أن كاكيك كان قد ثبّط من عزيمة الجنود لذلك بالكاد تمكن سمبات من الفرار للوصول إلى باكريواند.

يمكننا العثور على تفصيلات وافرة حول هذه الأحداث لدى المؤرخ الأرمني دراسخاناكيردتسي الذي يؤكد على أن كاكيك أبو مروان قُتل بعد ذلك على طريق عودته من قبل كاكيك بن ديرينيك الذي كان قد فرّ من السجن. وهكذا أصبحت الهوة بين البقراتونيين والأردزرونيين عميقة إلى درجة بدأت تشكل تهديداً حقيقياً لوحدة المملكة الأرمنية.

وطّد انتصار أحمد الشيباني من موقع أفشين الساجي الذي أعاد الكرة بالهجوم على أرمينيا لكن من الجهة الشرقية في هذه المرة. وعلى طريقه إلى بردعة، التي كانت من أملاكه، دخل أفشين إلى Utik واتجه من هناك نحو كوكارك لشن هجوم مفاجئ على قلب مقاطعات البقراتونيين وتحديداً شيراك وأرشارونيك وVanand لأن عاصمة سمبات الأول Shirakavan كانت تقع في منطقة شيراك. وكانت العاقبة أسر أفشين لملكة أرمينيا والأميرات الأرمنيات في قلعة قارس والوصول إلى دبيل محملاً بالغنائم الكبيرة.

لسنا نعلم بيد مَنْ ظلت دبيل بعد انسحاب أفشين من أرمينيا. من المحتمل أنها دخلت تحت هيمنة العرب ثانية. بقيت دبيل بشكل عام قاعدة عسكرية بيد الساجيين طوال هذه الفترة رغم حروب أفشين وسمبات المتواصلة. وعندما انسحب أفشين من أرمينيا سنة 900م عين ابنه ديوداد حاكماً على دبيل لكنه تبوأ هذا المنصب مدة سنة واحدة فقط ومع ذلك أقام علاقات محددة مع سمبات الأول في هذه الفترة القصيرة .

توفي أفشين في عام 901م بعد مرور أقل من سنة واحدة. وعند وصول نبأ وفاة والده هرب  ديوداد إلى آذربيجان ليلاً لأن عمه يوسف كان قد استولى على الحكم فيها.

اجتاح أفشين مقاطعة باسفرجان أثناء حملته الأخيرة لأن أمراء هذه المنطقة آشوت وكاكيك وكوركين كانوا قد رفضوا دعمه. لذلك احتل مدينتي Van وOstan التابعتين لعائلة الأردزرونيين وعين حاكمين عليهما يدعى أحدهما شافي وهو مرتدّ يوناني. ومن الشيق أن نذكر أيضاً أن مرتداً يونانياً آخر، تسميه المصادر العربية الواصف، عُيّن على بردعة ومع ذلك ثار هذا ضد أفشين واتجه نحو منطقة ما بين النهرين.

استدعى أفشين ممثليه من باسفرجان لتجهيز حملة ضد هذا الثائر إلا أنه وعدد كبير من أتباعه توفوا بسبب وباء معدٍ انتشر بسرعة في جيشه.

سحق ثورة القيسيين

لم تبقَ قبيلة القيسيين بعيدة عن الأحداث المعقدة في هذه الفترة. خلف عبد الحميد والده أبو الورد في حقبة حكم آشوت الأول.

يظهر أن هذا الأخير ظل في الحكم فترة قصيرة وخلفه ابنه البِكر أبو سوادة في منازكرت. بناء على تأكيدات المؤرخ البيزنطي قسطنطين قُسمت أملاك القيسيين بين أولاد عبد الحميد الثلاثة بعد وفاته وحصل الابن البكر على مدينة منازكرت ونال الآخران: أبو الأسود وأبو سليم مدناً أخرى.

بناء على هذا المؤرخ أيضاً دفع جميع هؤلاء جزية للملك الأرمني سمبات الأول لأن مقاطعاتهم كانت تقع تحت سيادته. وعندما مرّ سمبات عبر أراضيهم بجيش كبير لملاقاة أحمد الشيباني لم يُظهر القيسيون أية مقاومة. إلا أنهم بعد إنكساره ومهاجمة أفشين على البلاد رفضوا دفع الجزية أو تقديم عون عسكري للملك الأرمني.

فاضطر سمبات الأول إلى جمع جيش كبير لسحق ثورة الإخوة القيسيين. وبناء على أقوال المؤرخ توماس أردزروني انضمت إلى الجيش الملكي الأرمني قوات من باسفرجان وموك  وأنجيواجيك وحتى من مملكتي إيبيريا وأغبانيا. ونعتقد أن جمع مثل هذا الجيش الكبير لمحاربة أمير محلي مبالغ فيه من قبل هذا المؤرخ الأرمني الذي يذكر أيضاً جماعتين في هذا الجيش المغير. وتتشكل الأولى منهما من قوات قيسية أما الثانية فقد كانت عبارة عن كتائب مسلمة وصلت بأعداد كبيرة لمحاربة بيزنطة. يقول المؤرخ: “جمع القيسيون أصحاب منطقة أباهونيك جيشاً مؤلفاً من قواتهم الخاصة إلى جانب جنود فرس كانوا يحاربون البيزنطيين”.

جاء هذا الجيش الفارسي، الذي أرعب تقدمه السريع العالم الإسلامي في القرن 9 م، لمحاربة البيزنطيين. وصل هؤلاء المتطوعون إلى المناطق الحدودية في سوريا الشمالية وآمد وأغجنيك والمقاطعات العربية في أرمينيا وحافظوا على أباهونيك كقاعدة متقدمة للعمليات العسكرية ثم هاجموا المنطقة الاستراتيجية الأخيرة وتحديداً مدينة قاليقلا. فلجأ القيسيون إلى الملك الأرمني في بادئ الأمر يطلبون السلام لكنهم غيروا تكتيكهم فجأة وهاجموا الجيش الأرمني المُرهق. بناء على تأكيدات المؤرخ الأرمني توماس أردزروني كان الملك الأرمني يستعد للفرار عندما استمرت قوات آشوت أردزروني وأمير موك في المقاومة وأفلحت لوحدها في طرد العدو باتجاه منازكرت. وقام سكان هذه المنطقة يطلبون توسّط آشوت أردزروني لدى الملك كي يوافق على السلام. وكانت النتيجة عقد هدنة بالشروط التالية:

(1) على القيسيين دفع الجزية المعتادة للملك الأرمني.

(2) عليهم تقديم الرهائن.

(3) عليهم إعادة قلعة Erikaw في هاغاج التي استولوا عليها من أمير بيركري.

من المعلوم أن الأمراء العرب Uthmanids وقفوا إلى جانب الملك الأرمني في صراعه ضد القيسيين الذين كانوا يخططون للاستيلاء على أملاكهم أيضاً. وكما سنرى لاحقاً ضم القيسيون أملاك هؤلاء التي كان الأمراء الأردزرونيون يهتمون بها أيضاً. ويشير المؤرخ الأرمني أن بيركري كانت تدخل في مقاطعة باسفرجان سابقاً ويؤكد أيضاً على أن جميع هذه الأحداث جرت في عام 351هـ=902م.

وهكذا تمكن سمبات الأول بالحفاظ على وحدة المملكة ثانية بسبب إنكسار القيسيين. وبعد وفاة أحمد الشيباني، وهو أحد أولاد شقيقة كوركين البقراتوني المقتول، أصبح كريكوريكوس أميراً على تارون.

بقيت مدينة دبيل وحدها في حال غامضة وليست لدينا معلومات حول مصيرها بعد هرب ديوداد . ولحماية نفسه من غارات آذربيجان لجأ سمبات الأول إلى الخليفة المتوكل وأفلح في الحصول على حق فصل أرمينيا عن آذربيجان وتقديم الجزية له مباشرة.

كان حاكم أذربيجان الجديد المدعو يوسف بن الساج 901-919م يلاحق مسألة محاربة سمبات الأول بنشاط أكبر من شقيقه. وكان الساجيون قد قرروا تجزئة المملكة الأرمنية منذ البداية لإخضاعها نهائياً للخلافة. لذلك لم يعمل يوسف بقرار الخليفة المتوكل فهاجم أرمينيا واضطر سمبات مرة أخرى على دفع الجزية للخلافة.

أزّمت ثورة يوسف ضد الخليفة المتوكل ومساعدة سمبات العسكرية للخليفة العلاقات بين البقراتونيين والساجيين كثيراً. وعند هذه الأحداث بالذات وقف كاكيك أردزروني إلى جانب يوسف فوجد سمبات بقراتوني هذه العلاقات الحميمة بين الأردزرونيين، الذين بدأ نجمهم يعلو، والساجيين مريباً. وكعقاب لهم اقتطع سمبات منطقة نخجوان منهم وقدمها للأمراء السيونيين.

لم يصبح كاكيك أردزروني النشيط القدير سبباً في تمزيق المملكة الأرمنية مقابل تاج ملكي قدمه يوسف فحسب، بل فتح المجال واسعاً للصراعات الداخلية أدت إلى نتائج كارثية للمملكة البقراتونية التي لم تسترد بعدئذ وحدتها أبداً كما في حقبة آشوت الأول. وبعد أن أصبح كاكيك ملكاً مستقلاً سنة 908م، وبسبب الحروب الطاحنة التي دامت 5 سنوات ضد قوات الساجيين والأردزرونيين المشتركة، إنكسر سمبات الأول في النهاية وقُتل. وهكذا بدأت حقبة جديدة في حياة أرمينيا امتازت بالضعف والتجزؤ.

*ينفرد موقع “أزتاك العربي للشؤون الأرمنية” بنشر كتاب “الإمارات العربية في أرمينيا البقرادونية” للمؤلف المستشرق الدكتور البروفيسور آرام تير-غيفونديان، (الطبعة الثانية المنقحة)، ترجمه عن الإنكليزية: الدكتور ألكسندر كشيشيان، عضو اتحاد الكتاب العرب، رئيس تحرير “كتاب العاديات السنوي للآثار”، صدر الكتاب عن مؤسسة المهندس فاروجان سلاطيان، حلب 2013، وسيتم نشر فصول الكتاب تباعاً (11).

 

Leave a Reply

Your email address will not be published.