حكاية الأرمن مع الأتراك وعلاقات متميزة مع العرب

logo1
على أرض مصر وفلسطين وسوريا ولبنان والعراق، مازالت هناك جاليات أرمينية كبيرة تعيش منذ مئات السنين ويحمل معظمهم الآن جنسيات الدول العربية التي هاجر إليها أجدادهم على مدار القرون الماضية, وهم يتكلمون العربية ويمارسون عادات وتقاليد أصحاب البلاد الأصليين وإن كان مازال يربطهم بأرمينيا الملامح الأوروبية الجميلة وحبهم للثقافة والفنون وولعهم بالرقص والغناء, مع محافظتهم على أداء الشعائر الدينية المسيحية في كنيستي الأرمن الكاثوليك الذين يتبعون الفاتيكان والأرمن الأرثوذوكس التابعين لكنيسة الإسكندرية.

وأرمينيا دولة قوقازية تقع في منطقة أوراسيا شمال غرب قارة آسيا وشرق أوروبا, تحدها تركيا من الغرب وجورجيا من الشمال وإيران وأذربيجان من الجنوب, وكانت أرمينية تابعة للدولة العثمانية حتى اجتاحتها الجيوش الروسية وتحولت لإحدى الجمهوريات السوفيتية حتى حصلت على استقلالها عام 1992م وهناك نزاع قديم مازال مستمراً بين أرمينيا وأذربيجان على إقليم ناجورنو كاراباخ ذي الأغلبية الأرمينية والأقلية المسلمة ذات الأصول التركية وتسبب في مناوشات عسكرية بين البلدين في التسعينيات, وتجددت مؤخراً بدعم من روسيا لأرمينيا وتركيا لأذربيجان.
وبمناسبة تبني “البوندستاغ” البرلمان الألماني لقرار غير ملزم بالاعتراف بتعرض الأرمن لإبادة جماعية على يد الدولة العثمانية عام 1915م. نستعرض علاقة الأرمن بالدولة العثمانية والعالم العربي والتي بدأت منذ القرن الحادي عشر الميلادي, عندما كانت أرمينيا إحدى الولايات التابعة للدولة العثمانية واعترف العثمانيون بالأرمن كملة منفصلة كاملة الحقوق, حتى جاء القرن التاسع عشر وضعفت الدولة العثمانية ولقبت بـ “رجل أوروبا المريض” مما أغرى الأرمن للاستقلال والانفصال شأنهم شأن العرب واليونان والرومانيين والصرب والبلغار.

يُتهم عبد الحميد الثاني آخر سلطان عثماني بالمسؤولية عن مذابح الأرمن وغيرهم من الملل والطوائف المسيحية؛ الذين اتهموا بالتآمر ضد الدولة العثمانية بتحالفهم مع روسيا القيصرية في الحرب العالمية الأولى 1915م , وتسهيل ومعاونة القوات الروسية في زحفها داخل الأراضي التركية, وارتكاب مجازر ضد الأتراك والمسلمين الذين انحازوا للدولة العثمانية في محاولاتها التصدي لهجوم القوات الروسية على عاصمة الخلافة العثمانية.
ويزعمون أن عبد الحميد الثاني أعطى أوامره للأتراك وحلفائهم من العشائر الكردية بإبادة مئات القرى الأرمينية في شرق تركيا في محاولة لتغيير ديمغرافية المنطقة كما أمر الخليفة العثماني بجمع المئات من القيادات السياسية والشخصيات الأرمينية ذات الحيثية وسيقوا إلى اسطنبول ومن ثم تم إعدامهم في ساحات المدينة, بعدها أجبرت العوائل الأرمينية على ترك أراضيها وممتلكاتها والانضمام إلى القوافل المُهجرة خارج حدود تركيا, وسط ظروف إنسانية في منتهى السوء أدت لهلاك معظم النازحين واستطاع الناجون عبور صحاري بادية الشام حتى وصلوا إلى مدينة حلب, ويقدر بعض المؤرخين أعداد ضحايا هذا التهجير القسري بـ 300ألف قتيل.

هاجر معظم الأرمن إلى سوريا ولبنان والعراق ومصر, وبعضهم اتجه إلى أوروبا والولايات المتحدة, وعندما هزمت تركيا في الحرب العالمية الأولى وسقطت الدولة العثمانية؛ احتل الإنجليز اسطنبول في عام 1919م وأثاروا المسألة الأرمينية وقبضوا على عدد من القادة الأتراك لمحاكمتهم غير أن معظم المتهمين هرب أو اختفى فحكم عليه بالإعدام غيابيا ولم يتم تنفيذ حكم الإعدام إلاّ في حاكم مدينة “يوزجت” الذي اتهم بإبادة مئات الأرمن في بلدته, ولا يزال الأرمن في الوطن والشتات يحيون تلك الذكرى في 24 إبريل من كل عام رغم إنكار الدولة التركية لهذه الاتهامات؛ حيث ترى أن مأساة الحرب والتهجير شملت الجميع ولم تفرق بين أرمن و أتراك ويكفي أن تركيا فقدت معظم أراضيها ومواردها الاقتصادية وتسببت الحرب في قتل وتشريد آلاف المدنيين, كما أن المسؤولية تقع على جميع القوى المتحاربة (روسيا وألمانيا والنمسا وانجلترا) واعتمدت الحكومات التركية المتعاقبة سياسة الإنكار منذ إعلان الجمهورية وسقوط الخلافة على يد مصطفى كمال أتاتورك حتى رجب طيب أردوغان.

وعلاقة الأرمن بالدولة المصرية بدأت في عصر محمد علي , حيث استعان بهم في الوظائف الحكومية لإجادتهم اللغات الأجنبية وعلوم الصيرفة وفنون الأتيكيت والبروتوكول الأوروبية, وفي عصر اسماعيل باشا تولى الأرمني نوبار باشا في عام 1876م منصب أول رئيس وزراء في تاريخ مصر الحديثة وبلغ تعداد الأرمن في مصر في ذلك الوقت 12ألفا , وعقب مذابح الأرمن 1915م زاد العدد لأكثر من 17ألفاً يعيش معظمهم حياة ميسورة في مدينتي القاهرة والإسكندرية.

عقب ثورة 23 يوليو 1952م وانتهاء الملكية تزايد التوجه الاشتراكي وصدرت حزمة من القوانين الاشتراكية, تم بموجبها تأميم كثير من المؤسسات الخاصة المملوكة للأرمن الذين كانوا يفضلون العمل بالقطاع الخاص مما هدد أرزاق عدد كبير منهم وقرر كثير منهم الهجرة إلى الغرب مما أدى لتناقص أعداد الأرمن في مصر لآلاف قليلة يسكنون بالقرب من كنائسهم ومدارسهم ونواديهم وأسواقهم حيث يمتهنون تجارة المجوهرات وقطع غيار السيارات, كما امتهن بعضهم الطب والصيدلية ومارسوها من خلال فتح العيادات الخاصة والصيدليات في أماكن مميزة بوسط القاهرة والإسكندرية.

معظم الأرمن المقيمين في مصر حاليا مولودون في مصر (الجيل الثالث) ويحملون الجنسية المصرية, وأرمينيا بالنسبة لهم ليست سوى تراث فلكلوري وممارسات ثقافية يسلمها كل جيل للجيل الذي يليه, وتعتبر الكنيسة الأرمينية في مصر الحافظ والضامن لممتلكات الأرمن من ضيع وعقارات وأراضٍ زراعية تم وقفها للعمل الخيري ورعاية الجالية الأرمينية تحت إشراف الكنيسة منذ أكثر من مائة عام ويتم من ريعها الصرف على المدارس والمستشفيات ودور رعاية الأيتام ودور المسنين.

وفي فلسطين يعتبر الأرمن “أولاد بلد” فهم مندمجون إلى حد التماهي التام مع باقي الفلسطينيين الذي استوطنوا هذا المكان منذ قرون عديدة, ويفخر الأرمن الفلسطينيون أن جذورهم في المنطقة تعود إلى القرن الخامس الميلادي ؛ عندما كانت فلسطين وأرمينيا تابعتين لأمبراطورية واحدة تسمى “أوراتو”, أما الهجرة الأرمينية الكبرى إلى فلسطين فحدثت عام 1915م عقب المذابح ومحاولات التهجير القسري التي تعرض لها الأرمن, ووصل عدد الأرمن في فلسطين قبل نكسة 1967م 17ألف نسمة, أصبحوا الآن ألفي نسمة فقط بسبب نزيف الهجرة الفلسطيني إلى أميركا وأوروبا هرباً من ممارسات الاحتلال الصهيوني.

محمد عبد الصادق

الوطن العمانية

Leave a Reply

Your email address will not be published.