شهادات غربية عن الإبادة الأرمنية … أرشاك بولاديان يكشف التآمر الدولي على قضية الأرمن ويسجل كفاح شعبه

poladian book 

الدكتور السفير أرشاك بولاديان باحث من الطراز الرفيع في متابعة الأرمن وحياتهم ومآسيهم وإبادتهم، وصولاً إلى الدولة الأرمنية التي أسهم في خدمتها وتقديمها من موقعه الدبلوماسي. وقد سبق أن أصدر دراسات عن الأرمن، فتناول علاقات الأرمن العربية، وتناول كتابات عربية في شهود عيان عن الإبادة الأرمنية في الإمبراطورية العثمانية، وفي ذلك الكتاب نحى الدكتور أرشاك الآراء الأرمنية جانباً، واكتفى بشهادات أقلام عربية كانت حاضرة على تلك المجازر المهولة.. واليوم يقدم كتاباً جديداً يعمد فيه السفير بولاديان إلى تسجيل شهادات محايدة أيضاً وغير أرمنية، فاختار النبش في الوثائق والأوراق لتقديم شهادات غربية تفصل حقيقة ما جرى من إبادة للأرمن على أيدي الأتراك في أثناء هيمنة الدولة العثمانية.. وامتد في حديثه إلى مئوية الإبادة الأرمنية والاحتفاء بها في أرمينيا وخارجها سياسياً ودبلوماسياً..

العداء والمصالح

لا توجد صداقات أو عداوات دائمة وإنما توجد مصالح دائمة، ونستون تشرشل، هذه البداية أو الكلمة الأولى التي اختارها الكاتب ليبدأ كتابه، مبيناً أن الدبلوماسية تقتضي عدم وجود صداقات دائمة أو عداوات دائمة في عالم الدول، وإنما يوجد مصالح دائمة، وليظهر كذلك أن هذه المصالح تقتضي تجاوز العداء إلى المصالح، أو الصداقة إلى المصالح، ولكن هذا لا يمنع من الوقوف عند مجريات التاريخ، والعبر المستخلصة مما جرى للتجاوز إلى المصالح الدائمة، وهذا ما سعت إليه أرمينيا من خلال عقد مصالحات واتفاقات مع وريثة الدولة العثمانية، تركيا، ولكن هذه المصالح لا تلغي تذكر الإبادة الأرمنية والاحتفاء بها، وفي الوقت نفسه يحمل تركيا وهي وريثة الدولة العثمانية مسؤولياتها تجاه ما جرى قبل مئة عام في مطلع القرن العشرين بحق الشعب الأرمني، وحسماً للجدل الذي يمكن أن يثار حول الاعتراف وتحمّل المسؤوليات الموضوعة على عواتق الدولة الوريثة للدولة العثمانية، أخذت الاحتفالية التي أنجزها الأرمن في أرمينيا وخارجها، وخاصة في سورية كما أراد المؤلف نفسه، وهو سفير دولة أرمينيا، أخذت منحى التوثيق لكل ما جرى في رحلة الإبادة المؤلمة، فكان كتابه عن الشهادات العربية لشهود عيان اعتباريين، وهنا عن الشهادات الغربية لشهود عيان أيضاً، وهؤلاء الغربيون يختلفون عن العرب، فهم سياسيون ودبلوماسيون ومؤرخون، وكانوا ضمن الدائرة الضيقة التي عرفت عن قرب حقيقة ما جرى.

محاولات وتوثيق

لتوضيح حقيقة ما جرى لا بد من الوقوف عند ما جرى، وهذا ما أوضحه الدكتور نبيل طعمة في تقديمه للكتاب «شهادات غربية عن الإبادة الأرمنية في ظل الإمبراطورية العثمانية، لا يشكل كتاباً عادياً، أو مهماً فقط، إنما يجسد وثيقة الوثائق التي انتزعها شعب مؤمن مكافح من معاقل الغرب الذي حاول لحين التعمية عليها لكن الإصرار الكبير على شرح القضية الأرمنية والنضال المهم الذي يقوم به، قادته على اختلاف محاورها، ما أدى للوصول إلى هذه النتائج المهمة، والتي تدعوه للاستمرار في الدفاع عن قضيته، والنضال لأجلها» وفي هذه المقدمة إشارات واضحة إلى أن الغرب لم يكن متعاطفاً مع قضية الأرمن، بل إنه حاول أن يتعامى عنها، أو أنه شارك بطريقة أو أخرى في تنفيذ الإبادة بحق الأرمن!

وهذا التقديم يسوّغ التمهيد اللائق الذي كتبه أرشاك بولاديان للشهادات، إذ فصّل وشرّح في الجو العام الذي أحاط بالإبادة، ولذا جاء الفصل الأول يحمل عنواناً لا لبس فيه (القضية الأرمنية ضحية المصالح والسياسات الدولية) وهذا يعني أنه ما كان للعثمانيين أن ينجزوا مشروعهم التطهيري ضد الشعب الأرمني لولا حزمة المصالح التي كانت تربط الدولة آنذاك شرقاً وغرباً.

«إن العلاقات الدولية الصعبة وتشابك مشاكل الدول العظمى أدت إلى توقف التدخل الدولي في القضية الأرمنية وتركها لرحمة السلطان، ونصح بهذا الصدد المستشار الألماني بسمارك السلطان عبد الحميد الثاني في خريف عام 1883 م بعدم الإسراع في تنفيذ الإصلاحات في الولايات الأرمنية حرصاً على هيبته..».

لم تكن مواقف الغرب مقتصرة على التغاضي، بل كانت كما في نصيحة بسمارك تحول دون إنصاف الشعب الأرمني في السلطنة العثمانية، وهذا الفصل من الأهمية بمكان لقراءة ردود فعل المجتمع الدولي حيال ما جرى، وكيف يمكن للمصالح بين الدول أن تتحكم في مصائر دول وشعوب، ويدفعنا نحن اليوم، ونحن نعيش حرباً ضروساً على سورية والعالم العربي أن نفهم بعض الحقائق التي تحكم مصالح الدول والمحاور الكبرى والفاعلة، والتي يمكن أن تغض النظر عن تدمير دول وشعوب كرمى لمصالح، لعل هذا الجو يظهر لنا ضرورة التمسك بمجتمعنا ووطننا وشعبنا، ويحول دون أن نستمر في أن نكون وقوداً للمصالح الدولية بما في ذلك المصالح التي حكمت بتغييرات كبيرة أزاحت السلطان العثماني، وجاءت بحزب الاتحاد والترقي، ولكن ضمن منظومة جديدة لا تختلف عن السابقة، ولكنها تؤدي المصالح بطريقة أخرى!

من المصالح الوثيقة

ضمن هذه الرؤية للمصالح الدولية دارت مجموعة من الشخصيات، لم تفعل شيئاً في حينها، لكنها سجلت هذه الشهادات، وكل ما فعله هؤلاء المؤثرون هو التبرع وجمع الأموال والحملات.. ولكنهم على الأرمن لم يتصرفوا شيئاً يناسب ما كتبوه وشهدوا به، فاختار الكاتب بعد استقصاء: هنري مورغنتا ووكتابه «قتل أمة»، والفيكونت جيمس برايس، وآرنولد توينبي، وهربرت آدامز جيبونز، وفريويوف نانس.

ولعل أهم هذه الوثائق ما سجله مورغنتا وفي كتابه «قتل أمة» والشهادة لسياسي ودبلوماسي وسفير يتحدث من قلب تركيا حين كان سفيراً لأميركا في تركيا، وقد أحسن المؤلف بتدوين سيرة حياة صاحب الشهادة، التي لم تنشر في حينها، ولم تكن فاعلة، ويشير المؤلف إلى أن الكتاب طبع عام 1947 في نيويورك.
ومما يذكره المؤلف في شهادته «تصرف الأرمن بتمالك نفسي ملحوظ، ورغم أن الجو كان مملوءاً به حس المتاعب في خريف وشتاء عام 1914- 1915 م كانت السياسة التركية لسنوات عديدة هي تحريض المسيحيين على ارتكاب أعمال عدائية علنية، لتكون عندهم الأعذار للقيام بالمجازر، وجد رجال الدين والزعماء السياسيون الأرمن بوادر كثيرة تشير إلى أن الأتراك عادوا إلى سياستهم القديمة، ولذلك ذهبوا إلى رعيتهم ينبهونهم، بأن يحافظوا على الهدوء، وأن يتحملوا كل الإهانات والاعتداءات بالصبر، حتى لا يعطوا الأتراك الحجة التي كانوا يفتشون عنها، حتى إذا أحرقوا بعض قرانا يقول هؤلاء الزعماء: لا تثأروا، لأن قتل بعض منا أفضل من تدمير أمة».

هكذا يكتب السفير الأميركي لدى تركيا عن تعامل الأرمن وقياداتهم تجاه ما يتعرض له الأرمن من اضطهاد ومحاولات استثارة، وما أورده يؤكد تواصله مع الآخرين تواصلاً دقيقاً.

والشهادات ذاتها تتكرر مع شخصيات تواصلت مع الأرمن، فهذا يجس برايس يؤسس لجمعية ذات ارتباط بالأرمن. ويكتب عن (معاملة الأرمن في الإمبراطورية العثمانية، وهو سفير أيضاً من بريطانيا). وآرنولد توينبي المؤرخ يقول «ارتكبت هذه الأعمال الوحشية بحق الأرمن على الرغم من أنهم لم يفعلوا أي شيء يدعو لذلك» ومن كتاباته عن هذه المرحلة فيما يخص المسألة الأرمنية: الفظائع الأرمنية، معاملة الأرمن في الإمبراطورية العثمانية 1915.

وأغلب هذه الكتب غير متوافرة بين أيدينا، وقد أحسن المؤلف الدكتور أرشاك بوضع ملخصات ومقتطفات منها تفي بالحاجة، وتقدم للقارئ هذه الحقائق المروعة من مؤرخين وساسة غربيين.

العمل الأرمني اليوم

ولم يشأ السفير أن يقصر كتابه على الشهادات الغربية، فهي على أهميتها تبقى في إطار الوثيقة التاريخية، ولن تكون فاعلة إلا بعمل اليوم لتتحول من مجرد وثيقة تاريخية قد يتجاوزها الزمن، إلى وثيقة تؤسس للمستقبل الأرمني، فجال على الاحتفالية بمئوية الإبادة الأرمنية في أرمينيا، واستعرض كلمة الرئيس الأرمني، وكلمات لأهم رؤساء الوفود، وخص المشاركة السورية من خلال وفد برلماني كبير، فذكر ما دار بين القيادة الأرمنية ورئيس مجلس الشعب السوري، وتقدير الشعب الأرمني لما قدمته سورية وقامت به من أجل الأرمن والاحتفالية.

واختتم بما جاء في كلام المؤلف من إيمان بعدالة القضية وحتمية الانتصار: “خلال مئة عام من الانتظار والشعب الأرمني يؤمن بعدالة قضيته والضمير العالمي، ويثق بمفاهيم العدالة والمساواة والحرية وحقوق الإنسان والشعوب في العيش وتقرير مصيره ومتابعة مسيرة النضال من أجل حياة كريمة والاعتراف الدولي بالإبادة الأرمنية”.

إسماعيل مروة

الوطن السورية

Leave a Reply

Your email address will not be published.