مدينة دبيل بين عامي 929-941 م

arabic-emirates-in-pakradounian-armenia

خلف الأمير الأرمني عبّاس 928-953م شقيقه الملك آشود الثاني في الحكم. تسارعت في فترة هذا الملك أيضاً وتيرة تفسّخ المملكة الأرمنية وعمّت الفوضى في آذربيجان حيث تتالى على الحكم بعض الأمراء من أصل فارسي بعد اختفاء الساجيين عن الساحة السياسية. وكان آخر حاكم ساجي يدعى أبو المسافر فتح خلف مفلح اليوسفي وهو أحد مرؤوسي الساجيين.

وجدت أرمينيا نفسها في هذه الفترة في وضعية غير مواتية بسبب حرمانها من مناطقها العديدة. ومع ذلك كانت البلاد تعيش حياة إقتصادية مزدهرة ولم تسبب لها الخلافة أية مضايقات رغم عدم دفع المملكة الأرمنية الجزية للعباسيين. إلى جانب ذلك ساهم زوال الحكم الساجي في أرمينيا على التخلص من تهديدهم الخطير المستمر. استُنزِفت أرمينيا بسبب حروبها ضد الساجيين التي دامت 30 سنة إلى درجة عدم محاولة الملك الأرمني عباس على إعادة احتلال مدينة دبيل. وهكذا ظلت المدينة في حال غامضة مدة 12 سنة 929-941م.

حصلنا على قطعة نقدية تحمل تاريخ 319هـ=931م عليها اسم يوسف بن ديوداد تمُتُّ بصلة إلى هذه الحقبة وذكر عليها أيضاً أنها “ضُربت بأرمينيا” أي في دبيل لا مدينة بردعة. ووجود هذه القطعة دليل كاف على استمرار نشاط دار ضرب النقود في دبيل في هذه الفترة التي كانت بيد عناصر لها علاقات محددة مع آذربيجان لأنها استمرت بضرب النقود بقوالب قديمة تحمل اسم الساجيين الزائلين.

كانت مملكة باسفرجان في هذه الفترة تحت حكم الملك كاكيك أردزروني 908-943م. وعلى الرغم من دوره السلبي في الحرب التي شنّت ضد مملكة البقراتونيين أصبحت باسفرجان بعد وفاة سمبات الأول دريئة لهجمات الأعداء من جهة آذربيجان وغيرها من المناطق. لقد برهنت المقاومة، التي أظهرها كاكيك أردزروني ضد هجمات يوسف العديدة، أنها كانت عوناً كبيراً للملك آشوت الأول. سادت أجواء مماثلة أيضاً أثناء حكم الأمير الأرمني عباس الأول. ويذكر ابن الأثير أن مفلح الساج حارب القائد البيزنطي دوموستوك ودحره عام 317هـ=929-930م ولاحقه حتى داخل الأراضي البيزنطية. ونعلم أن هذا الاجتياح لا يمكن حدوثه إلا بعد عبور هذا القائد الساجي مقاطعة الأمراء القيسيين على طريقه إلى باسفرجان الشمالية. وهناك إشارة أخرى أيضاً عند هذا المؤرخ العربي حول هذه المسألة وهو يؤكد أن ابن الديراني (كاكيك أردزروني بن ديرينيك) وأمراء آخرين قاموا في عام 319هـ=931م بحثّ الجيش البيزنطي على محاربة القيسيين. هاجمت القوات البيزنطية خلاط ومدن أخرى وقتلت العديدين منهم فتدخل مفلح إثر ذلك بسرعة وهاجم باسفرجان ونفذ مجزرة كبيرة ضد السكان الأرمن. أكد ابن الأثير على ذلك قائلاً : “وقتل منهم مئة ألف شخصاً”.

هوجمت أرمينيا بعد ذلك من جهة آذربيجان في نهاية عام 930م بقيادة قائد عربي لم يذكر المؤرخون اسمه بل أكدوا فقط أنه “كان جندياً محنكاً ورجلاً عربياً ضليعاً في أمور الحرب والشؤون العسكرية”.

وصل هذا القائد العربي إلى كوغتن عبر نخجوان وتقدم إلى شارور واحتل العاصمة دبيل وبعث رسلاً إلى عباس بقراتوني لدفع الجزية بالمقدار الذي كان يدفعه سابقاً. اتّحدت قوات كاكيك وعباس أمام هذا التهديد لكن عباساً سارع بالهجوم وانكسر حسب أقوال المؤرخ الأرمني توماس أردزروني. إلا أن وصول جيش كاكيك إلى ساحة المعركة غيّر من مخرجها. وكانت قوات الأردزرونيين قد عسكرت على تل Gino الواقع على الجهة المقابلة من Khor Virap. ولتحريك همم الجنود صلى الكاثوليكوس Yeghishé على قمة التل. بعد ذلك عبر الجيش العربي النهر إلا أن الجيش الأرمني قتل 8,000 رجلاً منهم بهجوم فجائي قوي وعبر النهر وحاصر مدينة دبيل. وعندما هدّد كاكيك بحرق المدينة تقدم إليه أعيانها يطلبون الصلح مصطحبين معهم الجزية والرهائن. فاكتفى كاكيك بذلك وقفل راجعاً إلى قلعة داريواك بعد أن سبقه إليها أسرى عديدون.

رغم عدم ذكر هذا المؤرخ الأرمني اسم القائد العربي إلا أننا نشير إلى وجود قادة عرب معاصرين لهذه الأحداث كمفلح والأشقري بن ماردي وديسم بن إبراهيم الكردي لذلك يمكن أن يكون أحدهم القائد الذي جاء ذكره أعلاه. حكم مفلح بين عامي 323-326 هـ=934-938م وكان ديسم لا يزال في السلطة سنة 326هـ عندما بدأ الصراع بينه وبين الأشقري.

تغلب الأشقري في الوهلة الأولى على ديسم لكنه إنكسر في أردبيل بعد مواجهة مقاومة قوية وهرب إلى موغان حيث جمع جيشاً جديداً وتغلّب على ديسم ثانية. وعندما قام هذا الأخير بهجوم معاكس حثّ الأشقري رجاله على اجتياح أرمينيا. يقدم ابن مسكويه وصفاً لهذه المغامرة العسكرية داخل باسفرجان مؤكداً على أنها جرت عام 937-938م. هاجم جورجين (أي أدوم بن كوركين) نسيبه الأمير الأرمني ابن الديراني (كاكيك بن ديرينيك أردزرزني). حثّ أدوم الأشقري على إيقاف الاجتياح. وبعد فشله في أخذ ردّ مرضٍ حاصره الأمير الأرمني في ممر جبلي ضيق وقتل 5,000 رجلاً بما فيهم الأشقري حسب تأكيد المؤرخ العربي ابن مسكويه.

كان نصر الأمراء الأردزرونيين سبباً في توطيد مركز ديسم في آذربيجان الذي كان يعتبر أمراء باسفرجان حلفاء له لذلك استغل هذه الأحداث فاحتل مدينة دبيل. تأكدنا من هذه الحقيقة من خلال قطعة نقدية وجدناها في متحف الإرميتاج في بتروغراد تعود بقدمها إلى عام 330هـ=941م. أُهدي هذا الدرهم الفضي مع 50 قطعة نقدية أخرى إلى هذا المتحف سنة 1938 تعود إلى مجموعة خاصة تم تأكيد أهميتها الاستثنائية بعد تحليل عميق مفصّل من قبل خبير النقود الإسلامية A.Bykov. جاء وصف لهذه القطعة النقدية، التي تحمل اسم ديسم بن إبراهيم، في مقال بقلم هذا الخبير الذي يؤكد على أنها “ضُربت بأرمينيا” سنة 330 للهجرة.

يشير بيكوف أن تعبير “ضرب بأرمينيا” يعني أن القطعة النقدية ضربت في دبيل لأن كلمة أرمينيا في ذلك الوقت لم تكن تعني سوى أرمينيا الأصلية لا ولاية أرمينيا التي كانت قد توقفت عن الوجود. أما تاريخ القطعة 330 هـ=941-942م فهو السنة الأخيرة على ما يبدو من حكم ديسم لأن آذربيجان ودبيل دخلتا بعد ذلك تحت حكم السلاّريين مباشرة.

*ينفرد موقع “أزتاك العربي للشؤون الأرمنية” بنشر كتاب “الإمارات العربية في أرمينيا البقرادونية” للمؤلف المستشرق الدكتور البروفيسور آرام تير-غيفونديان، (الطبعة الثانية المنقحة)، ترجمه عن الإنكليزية: الدكتور ألكسندر كشيشيان، عضو اتحاد الكتاب العرب، رئيس تحرير “كتاب العاديات السنوي للآثار”، صدر الكتاب عن مؤسسة المهندس فاروجان سلاطيان، حلب 2013، وسيتم نشر فصول الكتاب تباعاً (13).

 

Leave a Reply

Your email address will not be published.