الحمدانيون والمقاطعات الجنوبية ـ الغربية لأرمينيا

الحمدانييون

كانت الحروب بين بيزنطة والخلافة العربية تدور بشكل رئيسي في مناطق الفرات وكيليكيا عندما كانت مملكة البقراتونيين موحدة في حقبتي آشوت الأول وسمبات الأول. إلا أن ساحة جديدة للحرب ظهرت بعد زوال مملكة سمبات. كانت قد جرت بعض الصدامات بين البيزنطيين والعرب حتى ذلك الوقت واستوطن العرب إثر ذلك في مدينة كارين– قاليقلا. لكن الأوضاع تبدّلت جذرياً بعد سقوط المملكة الأرمنية لأن جيوش الإمبراطوريتين وجدت لها ساحة حرب في مقاطعات أرمينيا الغربية.

أصاب التقدم السريع للقوات البيزنطية في جميع مقاطعات الخلافة بالذعر العميق لذلك رأى جميع حكامها أن الاتحاد هو السبيل الوحيد للنضال. وكانت النتيجة انتشار المتطوعين، إلى جانب القوات النظامية المسلمة، على امتداد الحدود بين البحر الأبيض المتوسط والمقاطعات الشمالية للفرات. علاوة على ذلك كان من الحيوي خلق إمارة محلية قوية كي تصبح منصّة انطلاق أمام تقدم البيزنطيين. وكان مقدّراً على الحمدانيين القيام بهذا الدور في القرن 10م. ظهرت هذه العائلة من قبيلة بني تغلب المسيحية التي كانت قد استوطنت في منطقة ما بين النهرين الشمالية والموصل على وجه التحديد.

كان حمدان بن حمدون مؤسس عائلة الحمدانيين الذي حارب الخليفة المعتضد وعين ابنه أبو الهيدجة حاكماً على الموصل التي أضحت من أملاكه الوراثية. وبدءاً من تلك الفترة، ورغم تعيين عدد من أفراد هذه العائلة في مناطق عديدة، كانت حقبة حكم ولدي أبو الهيدجة هي الأكثر ازدهاراً في تاريخ الحمدانيين. وأول الولدين، الذي حكم الموصل سنة 941م، هو الحسن الملقّب بنصير الدولة بينما اتّجه شقيقه علي الملقّب “سيف الدولة” غرباً نحو الحدود العربية ـ البيزنطية وحكم مدينة حلب ابتداء من عام 944م وأصبح بدوره مؤسس عائلة حمدانية جديدة. وهكذا أصبحت جميع مناطق ما بين النهرين وسوريا الشمالية من أملاك عائلة واحدة وكانت تحاذي حدود مملكة البقراتونيين الأرمنية. كانت حدود حمدانيي الموصل بدورها متاخمة للمناطق الجبلية لمقاطعة باسفرجان الجنوبية أي أنجيواجيك (الزوازان عند العرب) بينما حمدانيو حلب، الذين حكموا منطقة أغجنيك (ديار بكر) كاملة، كانوا على تماس مع بقراتونيي تارون والمناطق الجنوبية ـ الغربية من بحيرة Van.

هوجم نصير الدولة، الذي لم يكن قد حصل على هذا اللقب بعد في عام 935 م، من قبل الوزير العباسي ابن مقلة  فهرب إلى الموصل والتجأ إلى أنجيواجيك.

استناداً إلى هذا المؤرخ العربي خضع “الملوك” الأرمن المحليون له. علينا الإشارة طبعاً إلى أن ما يعنيه هذا المؤرخ العربي بتعبير “الملوك” هو حكام المقاطعات أو الإقطاعيين الكبار. ومن المحتمل أنه يشير إلى آدوم بن كوركين، أمير أنجيواجيك، وبعض الأمراء الأصغر شأناً في منطقة باسفرجان. إنتشر الحمدانيون بعد ذلك بسرعة باتجاه أغجنيك لأن حكام هذه المنطقة كانوا قد زالوا عن الساحة السياسية. جاء مرؤوس حمداني سنة 930م يدعى علي بن جعفر الديلمي إلى أرزن وثار ضد نصير الدولة في عام 936م.

كان هذا الأمير قد عيّن حاكماً في هذا الوقت ليس على أغجنيك فحسب، بل على جميع المناطق الفراتية التي تحاذي الحدود البيزنطية. حكم الحمدانيون منطقة ماردين أيضاً في وقت مبكر جداً. أرسل نصير الدولة شقيقه سيف الدولة لمحاربة الديلميين بعد تسميته حاكماً على ديار بكر فالتجأ أمير أرزن الثائر إلى ابن تورنيك، أمير تارون الأرمني، واقنعه أن استيطان الحمدانيين في أغجنيك يُعَدُّ تهديداً له. إلا أن الأمير الثائر إنهزم أمام سيف الدولة وأضحت تارون عرضة لهجمات المنتصر.

بدأ سيف الدولة بعد ذلك بشن سلسلة عمليات عسكرية ضد بيزنطة ومن هنا تنبع شهرته في التاريخ والأدب العربيين. قام سيف الدولة بحملة منطلقاً من نصيبين باتجاه أرمينيا عام 939م وعبر منازكرت واستدار نحو مدينة قاليقلا حيث ابتنى البيزنطيون مدينة إلى الجهة المقابلة منها سموها حفجيج. واستناداً إلى أقوال المؤرخ العربي ابن الأثير عندما علم البيزنطيون بقدوم سيف الدولة دمّروا المدينة وهربوا فقفل الحمداني راجعاً إلى تارون وامضى فصل الشتاء فيها.

قام سيف الدولة بعد ذلك في ربيع عام 940م بحملة على المقاطعات الجنوبية ـ الغربية من أرمينيا لمحاربة بيزنطة. يروي المؤرخان العربيان أبو ظافر وابن الأزرق الفارقي عن هذه الأحداث. وبناء على رواية ابن ظافر: “توقف سيف الدولة أمام خلاط أثناء حملته العسكرية في عام 940م حيث استقبله ملك أرمينيا وأيبيريا” “ملك أرمينيا وجرزان” الذي لم يحنِ رأسه أمام أحد. قابله سيف الدولة بحفاوة بالغة ونال منه بعض القلاع التي لا يستغني عنها المسلمون”.

بعد أن وعد الملك الأرمني بالخضوع له سُمح له بالمغادرة آمناً وسليماً. أعرب الأمراء الآخرون عن خضوعهم لسيف الدولة أيضاً. اتجه سيف الدولة بعدئذ إلى منطقة ابن تورنيك أمير تارون وهدم مدينة موش مع كنيسة القديس Garabed التي كانت تمتاز بمكانتها الدينية الكبيرة جداً لدى مسيحيي المنطقة.

لا نجد مبالغات وغموض آراء ابن ظافر في رواية المؤرخ العربي الآخر ابن الأزرق الذي دوّن الأحداث الجارية بدون لبس أو تشويش مؤكداً: “إتجه سيف الدولة في عام 328 هـ=شهر آب عام 939م من ميافرقين إلى أرمينيا ووصل إلى تطوان الواقعة على بحيرة Van. استدعى هذا الأمير الحمداني ابن خاجيك الديراني وكاكيك بن ديرينيك واحمد بن عبد الرحمن أبو المعز أمير منطقة خلاط ودار الجوز Arcke وأرجيش وبيركري وعبد الحميد أمير منازكرت ودشت الوراق وآشوت بن جرجير، آشوت بن كريكور، بطريق بطارقة الأرمن. وصل جميع هؤلاء لعنده وأخذ سيف الدولة من الأمير الديراني قلعتي شهران والحميد مع القرى المحيطة بهما واستلم من أحمد بن عبد الرحمن مدينة بدليس والمناطق المجاورة لها ومنطقة صاصون من آشوت سانوسونا وخرج الملوك الأرمن بعد إعلانهم عن طاعتهم له. اتجه سيف الدولة بعد ذلك إلى أراضي ابن المرزبان والخالدية واحتلها وحمل معه عدداً كبيراً من الأسرى. أنجز سيف الدولة هذه المهمات في 50 يوماً ثم قفل راجعاً”.

نرى في هذا المقطع بجلاء الأمراء الذين امتثلوا أمام سيف الدولة وكان أولهم ابن كاكيك، أمير باسفرجان، الذي يسميه المؤرخ العربي ابن جاجيك (ديرينيك آشوت أردزروني) و”ملك أرمينيا وإيبيريا” الذي هو في الحقيقة ملك باسفرجان كاكيك أردزروني والذي كان يطالب بعرش البقراتونيين بينما يشير المؤرخ البيزنطي السالف الذكر قسطنطين إلى الملوك البقراتونيين والأردزرزنيين بلقب “أمير الأمراء” . أما الأراضي التي تمّ احتلالها من بطريق البطارقة آشوت فهي صاصون في المقام الأول وقلعتين مجاورتين هما سليمى وKulb.

هناك بعض التشويش في أسماء القيسيين لأننا نعلم من رواية المؤرخ البيزنطي قسطنطين أن أبو سليم بن عبد الحميد، شقيق أبو سوادة، كان يحكم منازكرت في تلك الفترة لذلك علينا إضافة كلمة “بن” أمام اسم عبد الحميد الذي جاء ذكره عند المؤرخ ابن الأزرق. يؤكد المؤرخ البيزنطي المذكور أنه، بعد وفاة أبو الأسْود أمير خلاط وأرجيش وبيركري وأرجكة، خلفه ابنه بالتبني أحمد الذي هو في الحقيقة ابن عبد الرحمن بن أبو المعزّ الذي ذكره أبو الأزرق ومنه بالذات احتل سيف الدولة مدينة باغيش.

تقع القلعتان الأردزرونيتان المحتلتان الحميد وشهران على الضفة الجنوبية-الغربية من بحيرة Van. لا نتفق مع  نظرية ماركوارت التي تؤكد على أن قلعة الحميد هي قلعة Amiwk  بسبب بعدها الكبير عن أغجنيك. ومن المحتمل أخذ كاكيك أردزروني القلعتين من خلفاء الزراريين.

زاد الإلتباس في هذه المسألة شاعر سيف الدولة أبو فراس الحمداني عندما قال في قصيدة له نظمها لتخليد هذه الحملة العسكرية ما معناه: “إنحنى ملوك الجحافيين البواسل أمامه بعد مقاومة يائسة”. شرح مؤرخ قروسطي هذا البيت على الشكل التالي: “هرب الملك الجحافي اليقظان الأعلى بن مسلمة السلّمي إلى منطقة البيزنطيين بعد احتلال سيف الدولة لمدينته. ورغم عودة هذا الجحافي على رأس جيش مؤلف من 20,000 رجل إلا أن سيف الدولة دحره ثانية وأكرهه على الفرار. عندئذ عاد السلّمي مع أعوانه وامتثل أمام سيف الدولة وعاهده على الخضوع له فسمح له الأمير الحمداني بدخول مدينته. شرع سيف الدولة بعدئذ في شن حملة ضد أبو المعزّ السلّمي وأبو سليم واحتل مدنهما لكنه ردّها إليهما بعد التأكد من خضوعهما له”.

تؤكد إشارة الشاعر على تلك الحقيقة أن أبو الورد القيسي كان قد خلف الجحافيين، الذين ينتمون إلى قبيلة سُليم، أو كان على صلة وثيقة جداً بهم. ويتطابق الأميران المذكوران في النهاية وهما أبو المعزّ السلّمي وأحم، اللذان ذُكرا من قبل المؤرخ البيزنطي قسطنطين، بينما كان أبو سليم أصغر أشقاء القيسيين الثلاثة الذي حكم منطقة سرمانج الجبلية. ويسبب لنا الاسم الأول لأبو اليقظان الأعلى بن مسلمة السلّمي بعض التشويش. ولتحديد هوية هذا الأمير القيسي قدمM. Canard نظريات عديدة.

رغم تضارب معلومات ابن ظافر وابن الأزرق الفارقي وأبي فراس وانقطاع تسلسلها، إلا أنها تسلط ضوءاً ساطعاً على علاقات الحمدانيين بالمقاطعات الأرمنية الجنوبية ـ الغربية. ومن المعلوم أيضاً أن الأخوين القيسيين تحولا إلى تابعين لسيف الدولة. وكان بقراتونيو تارون في وضع حرج بسبب ضغوطات القوى المعادية لهم في جميع أنحاء المملكة. وقد أدى انسلاخ تارون بشكل خاص إلى إضعاف موقفهم بشكل كبير. أما عن خضوع كاكيك أردزروني “ملك أرمينيا وإيبيريا”، كما جاء في النص، فمن الصعوبة بمكان الاتفاق مع Canard، الذي يولي ثقة كبيرة في مبالغات المؤرخ العربي، لأن احتلال قلعتين جبليتين لا يعني خضوع الأردزرزنيين الكلي للحمدانيين. وصف المؤرخ الأرمني أصوغيك بدوره هذه الحملة وذكر أن حمدون دخل كوغونيا في عام 388هـ=939م بجيش كبير لكنه انسحب بسرعة. وأكد على هذه الناحية المؤرخ الأرمني فارتان أيضاً .

تقلّصت مساحة مناطق القيسيين بعد حملة سيف الدولة. وبسبب وفاة الشقيق الأكبر وحاكم منازكرت أبو سوادة أصبحت المقاطعة، كما جاء سابقاً، من أملاك ابنه عبد الرحيم. وبعد وفاة هذا الأخير لم يرث شقيقه الأصغر أبو المعزّ أملاكه، بل انتقلت إلى عمه أبو الأسْود الذي كان حاكم خلاط وأرجيش وغيرهما من المقاطعات في تلك الفترة. بعد وفاة العم انتقلت هذه المنطقة إلى الأخ الثالث أبو سليم بينما ورث أملاك أبو الأسود الخاصة ابنه بالتبني أحمد وهي خلاط وأرجيش وأرجكة. بقيت هناك مقاطعتان قيسيتان: كان ابن عبد الحميد بن الأزرق حاكم الأولى وتولى أحمد عبد الرحمن حكم المقاطعة الثانية.

توفي أبو سليم بشكل مبكر جداً أيضاً وانتقلت أملاكه هارك وأباهونيك وكوري وسيرمانج إلى ابنه أبو الورد الذي، بناء على مصادر عربية وبيزنطية، قتل أحمد واغتصب جميع ممتلكاته فاتحدت جميع المقاطعات القيسية نتيجة ذلك ثانيةً. جرت هذه الأحداث سنة 952م لأن كتاب De  administrando تمّ تأليفه بين عامي 949-950م.

لم يتمتّع أبو الورد (الثاني) بالسلطة فترة طويلة لأن غلام سيف الدولة المدعو نجا ثار ضده في عام 964م كي يؤسس مملكة خاصة به بمساعدة البويهي معزّ الدولة في المقاطعات الخاضعة للحمدانيين. إستغل هذا مرض الأمير الحمداني وهاجم مدينة منازكرت لكنه فشل في الاستيلاء عليها فاتجه إلى أرمينيا وأسس هناك مملكته على جميع أملاك الأمير القيسي أبو الورد بعد أن قتله ابن الأزرق حسب رواية ابن الأثير ويحيى بن سعيد. إلا أن المؤرخ العربي ابن الأزرق يؤكد على أن أبو الورد سقط من على حائط وتوفي.

وهكذا زالت إمارة القيسيين بعد أن استمرت على الحياة مدة قرن كامل تقريباً وبذلك ضُمَّت جميع أملاكهم في خلاط وباغيش إلى نجا. اتجه نجا من أرمينيا مرة ثانية إلى نبركرت  لكن الثورات في منازكرت وخلاط أكرهته على التقهقر. إنفجرت ثورة شعبية في منازكرت بقيادة أمير سلّمي لا يُعرف اسمه بسبب عدم دفع مرتبات الجنود. وتورط سيف الدولة بدوره في جميع هذه الثورات وأكره نجا في النهاية على العودة إلى أغجنيك وأمر بقتله أثناء مأدبة في نبركرت. وبعد ضبط هذه الأحداث جاء سيف الدولة شخصياً إلى أرمينيا لاحتلال مدن القيسيين ثم قفل راجعاً إلى بلاده في شهر صفر عام  355 هـ= شهر كانون الثاني عام 966م مصطحباً معه شقيقي نجا كأسيرين.

نجد هذه المعلومات في قصائد أبي فراس الحمداني الذي يردف قائلاً إن سيف الدولة عفا عن أخطاء نجا في الفترة الأولى إلا أنه أمر بقتله عندما أساء معاملته أثناء مأدبة أقامها.

يقدم ابن مسكويه معلومات شيقة أيضاً حول هذا الموضوع. بناء على أقواله أفلح نجا في إقناع قائد جيش خرسان بعد دخوله إلى أرمينيا، الذي يصل عدد جنوده إلى 5,000 رجل، محاربة أبو الورد الثاني ودحره. لم يبقَ الحمدانيون مدة طويلة في أرمينيا بسبب تقسيم مملكتهم بعد وفاة سيف الدولة في شباط عام 967م.

*ينفرد موقع “أزتاك العربي للشؤون الأرمنية” بنشر كتاب “الإمارات العربية في أرمينيا البقرادونية” للمؤلف المستشرق الدكتور البروفيسور آرام تير-غيفونديان، (الطبعة الثانية المنقحة)، ترجمه عن الإنكليزية: الدكتور ألكسندر كشيشيان، عضو اتحاد الكتاب العرب، رئيس تحرير “كتاب العاديات السنوي للآثار”، صدر الكتاب عن مؤسسة المهندس فاروجان سلاطيان، حلب 2013، وسيتم نشر فصول الكتاب تباعاً (15).

Leave a Reply

Your email address will not be published.