صراع أرمن بقرادونيي آني ضد الإمارات العربية

Bagratuni_Armenia

الفصل الرابع

مرّت المملكة الأرمنية في منتصف القرن 10م بفترة انتعاش كانت لها صداها الحتمي على مستقبل الإمارات الأرمنية. وتدعى هذه الحقبة التاريخية بـ “مرحلة آني” لأن الملوك البقراتونيين قرروا إحياء مملكة آشوت الأول وسمبات الأول ووضع نهاية للنوايا الإنفصالية ليس لدى الأمراء الأرمن فحسب، بل لدى الأمراء العرب أيضاً. وضع آشوت الثالث الملقّب بـ “الرؤوف” أساس هذه الحقبة الجديدة وجذب بالتالي انتباه سلاّريي آذربيجان كما فعل جده سمبات الأول مع الساجيين سابقاً.

الشدادي الأول في مدينة دبيل

يمتاز القرن 10م في تاريخ آذربيجان ببعث العناصر الإيرانية منها الأكراد والديلميين في المرتبة الأولى. وكان ديسم بن إبراهيم كردياً كما ذكرنا سابقاً فقد تمكن من بسط هيمنته على البلاد بالإعتماد على الأكراد والديلميين.

 كان الإيرانيون، الذين يقطنون المناطق الجنوبية لبحر قزوين يُعرفون بالديلميين، بينما كانت أملاك السلاّريين، الذين كانوا يسمون بـ “المسافرين” تقع في مقاطعة طوروم جنوبي بحر قزوين . ومن المؤكد أن الجستانيين والبويهيين هم من أصل ديلمي أيضاً. وعندما كانت هذه الجماعة الأخيرة تتوسع جنوباً وتهيمن على الخلافة في بغداد اتجه السلاّريون شمالاً واحتلوا آذربيجان.

كان سلاّر مرزبان أول سلاًري يستغل خيانة وزير ديسم المدعو أبو القاسم علي بن جعفر ويهاجم آذربيجان سنة 331 هـ=942–943م. لجأ ديسم إلى كاكيك أردزروني في باسفرجان بسبب خيانة جيشه الديلمي أيضاً. جمع ديسم جيشاً كردياً جديداً واتجه نحو آذربيجان واحتل تبريز إلا أنه انكسر ثانية أمام مدينة أردبيل وألقي القبض عليه وسجن في إحدى قلاع طوروم.

ويبدو أن سلاّر كان يحكم مدينة دبيل وآذربيجان رغم عدم ذكر المؤرخين حول الحملة العسكرية التي قام بها الأمراء الأرمن ضد دبيل أثناء حكم عباس الأول. لم نعثر كذلك على أية قطعة نقدية ضُرِبت عام 330 هـ باسم ديسم تشير إلى أن المدينة كانت لا تزال تحت حكمه في تلك الحقبة . خلا ذلك لا نعلم شيئاً عن هوية الحاكم الذي عيّنه سلاًر مرزبان على مدينة دبيل.

وقع مرزبان أسيراً بيد البويهي ركن الدولة وسجن في قلعة شاميرام في فارس أثناء حملة عسكرية على مدينة الري (طهران) سنة 948-949م.

تبوأ البويهي محمد بن عبد الرزاق حكم آذربيجان وأفلح في إقناع شقيق مرزبان المدعو وَهْسودان على إطلاق سراح ديسم الذي كان قد بدأ بالنضال من أجل الإستيلاء على آذربيجان. بعد أسر مرزبان مباشرة إحتل أميران:الفضل بن جعفر الحمداني وإبراهيم بن الضبّي مدينتي دبيل ونخجوان اللذان يبدو أنهما كانا من المعادين لديسم.

دُحِر ابن عبد الرزاق عام 950م فاتجه ديسم نحو المدينتين الأرمنيتين واحتلهما من الأميرين المذكورين وأسر إبراهيم بن الضبّي أثناء هذه الأحداث. كانت الفترة الجديدة لحكم ديسم على آذربيجان ودبيل قصيرة جداً لأن الكردي محمد بن الشدّاد، الذي وصل من آذربيجان، تمكن من احتلال مدينة دبيل سنة 951م وهو أول شخص في هذه العائلة من أمراء الأكراد المشهورين الذي لعب دوراً أساسياً في تاريخ دبيل وآني وكنجيك. والمؤرخ الوحيد الذي ذكره في أبحاثه هو مُنَجِّم باشي الذي أكد على أن محمداً إحتلّ مدينة دبيل بدون إراقة الدماء لأن السكان المستائين من الحاكم المستبد سلّموه المدينة طوعاً ليقوم بحماية حقوقهم وأملاكهم من هجمات الديلميين والمغامرين الآخرين.

اتصل إبراهيم بن مرزبان المأسور، الذي كان يهيمن على بعض مناطق آذربيجان، بأمير أرمني يحكم دير موس وحثّه على مهاجمة ابن الشداد. وحسب توضيح المؤرخ الأرمني س.يراميان فإن كلمة دير موس هي لفظ مشوّه لكلمة Ter  Moz التي كانت مدينة في منطقة Vayots  Dzor ومركز الأمراء الأرمن السيونيين في القرن 10م. وافق الأمير الأرمني على اقتراح إبراهيم لطرد محمد بن الشداد من دبيل فجمع جيشاً من الأرمن والمرتزقة الليزكيين وكتائب أخرى واتجه نحو المدينة. وقبل وصوله إلى المدينة خرجت جماعة من فدائيي أمير دبيل الجديد لمقاومة الجيش الأرمني ومنعه من الوصول إلى المدينة فجرت معركة في مكان بين نهري آراكس ومدزامور انتهت بانتصار الشداديين. إلا أن محمداً، الذي كان حريصاً على سلامته وسلامة عائلته،شيد بعد ذلك قلعة بمساعدة السكان قرب المدينة سماها  “تل حصلي” ونقل أسرته وأمواله إليها. ومن المحتمل أن قلعة تيكنوني، التي لا تزال انقاضها ماثلة أمام أعيننا حتى يومنا هذا، هي القلعة التي جاء ذكرها بشكل مغلوط ومشوّه من قبل المصادر العربية.

عندما علم إبراهيم بن مرزبان، الذي كان في أردبيل في ذلك الوقت، حول إنكسار جاره الأمير الأرمني أرسل جيشاً من الديلميين والأكراد نحو مدينة دبيل. لم يقاوم سكان المدينة هذا الجيش لأن محمداً كان قد هجرهم والتجأ مع أمواله وأسرته إلى قلعته التي بناها. سُلِبت المدينة كاملة من قبل هذه القوات الغازية غير النظامية. ولعدم وجود مخرج آخر لجأ نبلاء المدينة إلى محمد بن الشداد وعاهدوه على طاعته وقفلوا راجعين معه إلى المدينة. ويبدو أن غاية الجيش الغازي كانت النهب فقط ولم يكن لدى أفراده الرغبة في احتلال المدينة والاستيطان فيها لذلك ليس صدفة استرداد هذا الأمير الشدّادي المدينة بدون مقاومة.

توفي الأمير الأرمني عباس الأول وخلفه ابنه آشوت الثالث الملقّب بـ “الرؤوف” بين عامي 953-977م. لجأ آشوت الثالث إلى مقاومة المخططات الإنفصالية التي كانت تحول دون وحدة مملكته منذ الفترة الأولى لحكمه. ولتحقيق ذلك أعاد بناء الجيش وتنظيمه وزاد من عدد أفراده ووضع الكنيسة تحت هيمنته المباشرة وساهم مع ذلك في رقيّها. لذلك عاد الكاثوليكوس أنانيا موكاتسي، الذي كان يقيم في بلاط الأردزرونيين بسبب الانتقال المؤقت لمقر الكاثوليكوسية الجديد في باسفرجان، إلى شيراك وسكن في قرية Argina.

كانت المبادرة الأولى التي قام بها الملك آشوت الثالث هي اختيار عاصمة دائمة له لأن البقراتونيين كانوا قد تبنّوا 3 عواصم في أوقات وظروف مختلفة وهي باكاران وقارس وشيراكافان. ويقيناً منه بحيوية مسألة إيجاد عاصمة دائمة ستكون النواة لتوحيد المملكة، شرع الملك آشوت الثالث منذ السنة الأولى لصعوده على العرش باللجوء إلى وسائل لتحرير مدينة دبيل من الهيمنة الأجنبية لتحويلها إلى عاصمة له. وجدنا بعض المعلومات حول ذلك لدى المؤرخ منجّم باشي الذي كتب قائلاً: “كان هناك ملك يدعى آشوت بن عباس في مقاطعة جرزان في جورجيا ومناطق أرمينيا يحمل لقب شاهنشاه. شعر بإغراء لاحتلال دبيل ومحاربة سكانها لذلك جمع جيشاً مؤلفاً من الأرمن واللاز والكفار الآخرين يقارب عددهم 30,000 رجلاً وسار بهم نحو دبيل وعسكر قرب Nawrud. بعد ذلك نشر قواته لحرق المحاصيل الزراعية وتدمير القرى. وعندما وصلت أخبار دنو الملك الأرمني ارتبك محمد بن الشداد ولجأ إلى خدعة لصد هذا الجيش القوي. فأمر جميع مَنْ كان في المدينة رجالاً ويافعة على امتطاء ظهور جميع الحيوانات الموجودة من حمير وأبقار وجياد وبغال والانطلاق من البلدة بمجموعات مرتبة والانتظار في ضواحيها كي يرى الأعداء أعدادهم الغفيرة ويسمع صراخهم وضجيجهم العاليين. أما هو فقد تقدم مع بعض الفرسان الشجعان لاستكشاف مواقع الأعداء الذين كانوا مشتتي الصفوف بسبب القيظ الشديد. لم يلاحظ هؤلاء قدومهم فهاجم المسلمون كالأسود وقطعوا أجساد الأعداء إرباً. وعندما اشتدّت المعركة أمر محمد بن الشداد هؤلاء، الذين ينتظرون قرب البلدة، بالصراخ عالياً والظهور أمام العدو. وقد رأى العدو هذه الكتلة البشرية التي تشبه الجبال وخال إنها حبات رمال لا تحصى. وبعون الله تعالى ولّى الأعداء هاربين”.

لا يفوِّت هذا المؤرخ المسلم أية فرصة طبعاً لتعزيز صورة الشداديين وتجميلها عند سرده لسير هذه المعركة.

يؤكد هذا الهجوم الكبير على نية آشوت الثالث الحاسمة في تحرير عاصمة أرمينيا القديمة. أظهر الملك الأرمني حنكة سياسية كبيرة في تحقيق هدفه الرئيسي بإعادة توحيد المملكة الأرمنية عن طريق إخضاع جميع الأمراء الإقطاعيين. وإنها حقيقة أن لقب الشاهنشاه، الذي قدمه الخليفة العباسي المقتدر 908-932م للأمير الأرمني آشوت الثاني الملقب أيضاً بـ “الحديدي”  كان يحمل معنى مغايراً بسبب الحادثة التالية التي جرت لاحقاً. فعندما وصل الإمبراطور البيزنطي الأرمني الأصل Johannes  Tzimiskes إلى أرمينيا  سنة 974م جمع آشوت الثالث جميع الأمراء: فيليب ملك كابان وكوركين ملك أغبانيا وعباس أمير قارس وسينيكيريم أمير باسفرجان وكوركين أمير أنجيواجيك وجميع أمراء صاصون واعترف جميع هؤلاء بالهيمنة المطلقة للملك البقراتوني عليهم الذي أصبح عملياً “شاهنشاه أرمينيا الكبرى”.

إلى جانب ذلك كانت الإمارات المسلمة في أرمينيا عقبة أمام قيام مملكة أرمينيا. لذلك هاجم آشوت الثالث مدينة دبيل بجيش كبير منذ السنة الأولى لحكمه إلا أن هذه المدينة المحصّنة جيداً لم تستسلم. وأعلن آشوت الثالث عام 961م، بعد هذه الحملة غير الموفّقة، أن قرية آني المحصّنة  هي عاصمة مملكته فنقل مقر الكاثوليكوسية إلى قرية  Argina الواقعة قرب العاصمة الجديدة.  رغم ذلك أضعف هجومه على دبيل مركز محمد بن الشداد الذي لم يشترك في الحملة التالية. وفي عام 954م أرسل مرزبان السلاّري، الذي كان قد تحرر من الأسر ودحر ديسم، جيشاً جديداً إلى دبيل. وبما أن عدد الأكراد لم يكن كافياً في جيشه سلّم محمد بن الشداد مهمة الدفاع عن دبيل إلى حامية مؤلفة من الديلميين الذين سرعان ما خانوه فسمحوا للعدو بدخول المدينة عبر ممر خلفي في القلعة. انضم بعض السكان إليهم فأضحى وضع الشداديين حرجاً جداً. بناء على أقوال مؤرخنا غير الدقيقة حاول السكان الخونة الاستيلاء على أموال محمد. إلا أن الحقيقة كانت على غير ما يدّعي لأن تلك العناصر، التي كانت أرمنية في معظمها، لم تكن راضية عن حكامها لأنها كانت تُضْطهد بسبب وقوفها على الحياد أثناء هجوم آشوت الثالث على المدينة. وعندما أيقن الشداديون أن وضعهم أصبح حرجاً جمعوا أموالهم وهربوا من المدينة من خلال “باب المقابر” وعبروا نهري آراكس وميدزامور ولجأوا إلى أمير باسفرجان.

من الطبيعي جداً أن يبحث الزعيم الكردي عن ملجأ له في باسفرجان لأن المناطق الجنوبية لهذه المقاطعات وخاصة أنجيواجيك كانت لها صلات وثيقة مع مقاطعات منطقة ما بين النهرين التي يقطن فيها الأكراد. وكان الكردي ديسم بن إبراهيم يتوق دائماً إلى إقامة علاقات ودية مع كاكيك أردزروني وولديه ديرينيك وأبوسهل هامازاسب.

عندما هُزم ديسم بن إبراهيم من قبل السلاّري مرزبان سنة 941-942م وجد مأوىً له عند كاكيك أردزروني. لجأ ثانية إلى باسفرجان بعد إنكساره الثاني عام 953م أمام مرزبان عندما حاول إعادة احتلال آذربيجان بمساعدة الأردزرونيين. لذلك سار أولاً نحو بغداد ثم إلى الموصل للحصول على دعم الأمير الحمداني نصير الدولة. وعندما لم ينل المساعدة المرجوة توجه إلى أخيه سيف الدولة الذي قدم له العون لاجتياح آذربيجان واحتلال سالماس لكنه إنكسر هذه المرة أيضاً أمام مرزبان ولجأ إلى باسفرجان. وكان الأمير الأرمني ديرينيك يدافع عن ديسم لكن، وعندما رأى أنه غير قادر على تحمّل ضغوطات مرزبان، أُكرِه على تسليم الزعيم الكردي له.

وجد محمد بن شداد ملجأً له في باسفرجان أثناء ولاية ديرينيك. وبعد أن نزلت العائلة الشدادية في باسفرجان ونالت الأمان من الأمراء الأردزرونيين الأرمن قابل محمد الإمبراطور البيزنطي وطلب منه بعض المساعدة   لتنظيم حملة على مدينة دبيل. ويبدو أن الإمبراطور لم يقدم له أي عون مادي فقفل راجعاً إلى باسفرجان خالي اليدين حيث توفي بعد مدة قصيرة في عام 955م.

*ينفرد موقع “أزتاك العربي للشؤون الأرمنية” بنشر كتاب “الإمارات العربية في أرمينيا البقرادونية” للمؤلف المستشرق الدكتور البروفيسور آرام تير-غيفونديان، (الطبعة الثانية المنقحة)، ترجمه عن الإنكليزية: الدكتور ألكسندر كشيشيان، عضو اتحاد الكتاب العرب، رئيس تحرير “كتاب العاديات السنوي للآثار”، صدر الكتاب عن مؤسسة المهندس فاروجان سلاطيان، حلب 2013، وسيتم نشر فصول الكتاب تباعاً (16).

 

Leave a Reply

Your email address will not be published.