الوادي الجنوبي لنهر آراكس في حقبة كاكيك الأول

get

كانت كوغتن Koghtn الإمارة العربية الأخيرة في أرمينيا الكبرى لأن الإمارات العربية التي ظهرت في البلاد ابتداء من الربع الأخير للقرن 8 م اختفت تدريجياً بعد حوالي قرن من الوقت . وهكذا نرى أن الزراريين خرجوا من التاريخ في نهاية القرن 9 م وال  Uthmanids في بداية القرن 10 م والشيبانيين بعد فترة وجيزة منهم أما القيسيون فإنهم اختفوا في النصف الثاني من القرن ذاته . وكان أمير كوغتن أبو دلف ينتمي إلى عائلة الشيبانيين .

ظهر أول أمير عربي في كوغتن في الفترة الأولى لزوال الحكم الشيباني في أغجنيك. ومن المحتمل أن بعض أفراد هذه الجماعة قطنوا في وادي نهر آراكس ومع ذلك لا يمكننا التأكيد على ذلك بسبب افتقارنا إلى أدلة قاطعة. وكان أبو دلف في موقع قوي نسبياً في فترة ظهور آخر سلاّري وهو أبوالهيدجة فحارب ببسالة سلاريي آذربيجان وأردزرونيي باسفرجان. قام أبو دلف بحملة عسكرية كبيرة ضد آشوت أردزروني في باسفرجان عام 432هـ=983م بالتعاون مع جيش مسلم متطوع وصل إلى المنطقة لمحاربة بيزنطة يسميهم المؤرخ الأرمني أصوغيك “الغازيك” المشتقة طبعاً من كلمة “الغزاة” العربية. وكانت النتيجة اندحار الأميرين الأردزرونيين كريكور ومرزبان تيكران في المعركة بسبب مباغتة جيش الغزاة.

بعد ذلك استولى الرواديون، من أصل كردي، على آذربيجان. هاجم أبو الهيدجة الروادي على أبو دلف بجيش كبير مؤلف من 100,000 رجلاً واسترجع المدن التي كان قد احتلها من السلاّريين.

إلى جانب دبيل، التي يذكرها المؤرخ الأرمني بشكل خاص، كانت نخجوان ضمن تلك المقاطعات. إلا أن الأحوال العامة تغييرت مرة أخرى بعد وفاة أبو الهيدجة سنة 989م لأن أبو دلف استرد هيمنته على دبيل بسرعة ووقع معاهدة سلام مع ملك أرمينيا سمبات الثاني بتوسط من الكاثوليكوس خاجيك.

يؤكد أصوغيك عرضياً أن سمبات الثاني لم يعمل بشروط المعاهدة، بل أقنع الأمير السلاري لمهاجمة أبو دلف لعله كان ينوي تدمير إمارة كوغتن بلجوئه إلى هذه الوسيلة. لذلك قدّم الملك جيشاً للأمير السلاري إلا أن المخطط فشل بسبب اعتراض كاكيك شقيق سمبات على ذلك. ليست لدينا مع الأسف معلومات كافية حول أسباب تصرف الملك على هذه الصورة. أدانه المؤرخ الأرمني متهماً إياه بحنث الوعد واللجوء إلى الشر مؤكداً في الوقت ذاته على وفاء الأمير المسلم أبو دلف. إلا أننا نميل إلى الاعتقاد بصحة موقف الملك لأن سياسته الواقعية كانت تتطلب منه إخضاع دبيل وكوغتن ونخجوان.

كان كاكيك الأول ناجحاً في تحقيق هذه المخططات على النقيض من شقيقه لأنه تمكن من تقوية مملكة البقراتونيين كثيراً والسيطرة على جميع مقاطعات أرمينيا الشمالية وتعزيز مكانة الشاهنشاه التي كانت قد وهنت كثيراً. وكما رأينا سابقاً لم يدعم سمبات شقيقه عند الهجوم على أمير كوغتن بل اكتفى بخضوع هذه الإمارات له.

لم تختفِ إمارة كوغتن مع ذلك من الوجود. لذلك تعتبر هذه الظاهرة حادثة مشؤومة لأرمينيا لأننا نرى في عهد الأمير البقراتوني التالي، أي في حقبة هوفهانّيس- سمبات، ظهور أبو دلف آخر في منطقة نخجوان. وكما هو معلوم كانت لكل من دبيل ونخجوان وكوغتن أهمية استراتيجية كبيرة جداً للمملكة الأرمنية. وعندما هاجم الديلميون أرمينيا سنة 1021م بعد وفاة الملك كاكيك الأول مباشرة، إصطدموا بخط المقاومة الأول في نخجوان. ويبدو أن كوغتن ونخجوان كانتا تحت هيمنة أمراء كوغتن إلا أن كاكيك الأول عيّن دافيد الدبيلي حاكماً عليهما. يُعتبر دافيد شخصية محيّرة. وهناك آراء متضاربة تشك حتى بوجودها. والمؤرخ الوحيد الذي كتب عنه باقتضاب شديد هو المؤرخ الأرمني Aristakes Lastiverdtsi.

من المحتمل أن كاكيك الأول أخضع دبيل ونخجوان وكوغتن في العقد الأخير من القرن 10م ولم تحدث أية تغييرات بعد وفاته في مدينة دبيل. إنعكست صراعات البقراتونيين ( سمبات الأول وآشوت الثاني وآشوت الملك المضاد وآشوت الثالث وسمبات الثاني وكاكيك الأول) الطويلة في احتلال مدينة دبيل في أعمال “أبي التأريخ الأرمني” موفسيس خوريناتسي.

ساهم انحدار روَّاديي آذربيجان وسقوطهم في صعود مكانة كاكيك الأول. وكانت آذربيجان عنصر تهديد لجيرانها في فترة الروادي الأول أبو الهيدجة الذي، إلى جانب استيلائه على مدينة دبيل وإضعافه لمملكة كوغتن، قام بحملة عسكرية على  باسفرجان أيضاً. وكان ابن أمير Her، الذي يسميه المؤرخ الأرمني برجل هير المسنّ، على درب عودته من بلاط أمير أباهونيك المرواني مصطحباً غلماناً أرمن جميلي الطلعة من أرمينيا عندما هاجمه أمير أرمني يدعى سركيس فقتله وحرر الأطفال. وبما أن أمير هير لم يتجاسر شخصياً على مهاجمة باسفرجان لجأ إلى أبو الهيدجة في آذربيجان ووعده بالتنازل له عن هير إنْ نال بثأره. وجاء الروادي أبو الهيدجة بصحبة جيش هائل لكنه توفي على الطريق قبل وصوله إلى حدود أرمينيا. فقام ابنه Mamlan بعدئذ بحملتين عسكريتين نحو الغرب انتهتا بفشل ذريع.

كانت تبيليسي، كدبيل، مقر الحكام الأجانب في الحقبتين الساسانية والعربية. ومع ذلك ظهرت إمارة محلية وراثية في القرن 9 م مركزها تبيليسي استمرت مدة طويلة من الزمن.

وكان نظام الحكم في هذه الإمارة إقطاعياً – وراثياً كإمارة القيسيين في منازكرت. ومن وجهة النظر هذه كانت تختلف عن إمارة دبيل التي خُلِقت من قبل قوة أجنبية، آذربيجان، لتسهيل التدخل في شؤون أرمينيا الداخلية. وكان إنهاء وجود إمارة دبيل يحتاج بالتالي إلى صراع طويل مع الساجيين والسلاريين وأمراء آذربيجان الآخرين.

وكانت عواصم أرمينيا وإيبيريا وأغبانيا الثلاث تحت هيمنة الإمارات المسلمة قبل الفترة السلجوقية. وبسبب انتزاع دبيل من هيمنة البقراتونيين قطن هؤلاء الأمراء الأرمن في مدينة آني بعد تبنيهم لعواصم عديدة منها باكاران وقارس وأرازكافور. وبعد فشلهم في احتلال تبيليسي إختار بقراتونيو إيبيريا أرتانوجي وكوتايسي مكانين لإقامتهم، بينما كان ملوك أغبانيا ضعفاء إلى درجة عدم محاولتهم استرداد عاصمتهم بردعة. وكان بقراتونيو إيبيريا أوفرهم حظاً لأنهم تمكنوا من احتلال تبيليسي في الفترة ما بعد السلجوقية وفي حقبة دافيد الرابع الملقّب بـ “المجدِّد” في عام 1122م وجعلوها عاصمة دائمة لإيبيريا.

*ينفرد موقع “أزتاك العربي للشؤون الأرمنية” بنشر كتاب “الإمارات العربية في أرمينيا البقرادونية” للمؤلف المستشرق الدكتور البروفيسور آرام تير-غيفونديان، (الطبعة الثانية المنقحة)، ترجمه عن الإنكليزية: الدكتور ألكسندر كشيشيان، عضو اتحاد الكتاب العرب، رئيس تحرير “كتاب العاديات السنوي للآثار”، صدر الكتاب عن مؤسسة المهندس فاروجان سلاطيان، حلب 2013، وسيتم نشر فصول الكتاب تباعاً (18).

Leave a Reply

Your email address will not be published.