شهادة محسنة عياش من دير الزور

سلسلة شهادات (1)

شهادة محسنة عياش من دير الزور

كلما مر تاريخ 1915 نتذكر أحداث المجرة السوداء التي قدمت كثيراً من الشهداء الذين استشهدوا من أجل أن تحيا أرمينيا.

ومن أبرز الشخصيات السياسية والعسكرية التي تركت بصماتها على أحداث هذه الحقبة المضطربة السوداء من تاريخ تركيا هما أنور وجمال وطلعت باشا. لقد سلط التاريخ الحديث الأضواء على هؤلاء الطغاة وتحقق من أصلهم من يهود الدونما في تركيا. وليس هذا بغريب على مَن سبب مذابح الشهداء في سوريا ولبنان وهم المسؤولون المباشرون عن قتل مليون ونصف المليون أرمني لتعلقهم بأرض أجدادهم ودفاعهم عن عقيدتهم وتراثهم. وهذا ما يشبه بما أحدثه جمال باشا عهداً من الإرهاب والاضطهاد بحق زعماء العرب وأحرارهم في الشام ولبنان مما استحق لقب السفاح الذي لا زال ملتصقاً باسمه الى اليوم .

وهكذا كان القاسم المشترك بين الشعبين المضطهدين الفلسطيني والأرمني أن عانوا الظلم والتشرد من أجل الحفاظ على أرضهم وكيانهم وأضحوا ألاعيب الأمم وضحية القوة الغاشمة التي تستعبد الشعوب الضعيفة. والجلاد هو الجلاد والمجازر ذاتها في سورية ولبنان وفي فلسطين وفي أرمينيا.

إنه صراع الخير والشر الى أبد الأبدين والغلبة في النهاية للخير لأن الأرض خالدة خلود جبالها وهم كالرياح الهوجاء يمضون، إنها حرب الشعوب الشهيدة التي فاقت لتستعيد حياتها ولتنتصر على الظلم والطغيان. يقول فيكتور هوغو: “الأتراك مروا من هنا فكل شيء دمار وخراب”. والحقائق تقول: الصهيونية مرت من هنا وكل شيء دمار وخراب.

عندما نحاول وصف الفظائع التي اقترفها هؤلاء المجرمون بحق الشعوب يرتجف القلم. أطفال أبرياء لا يعلمون مشاكل العالم بل يحتاجون الى المحبة والعطف، كيف يمكن وصف وحشية مجنونة لمجزرة الأرمن دون أن يرتجف الجسد والروح معاً من هذه الفاجعة.

لقد تمت كثير من أحداث هذه المجازر على الفرات وبجواره ولا يخلو بيت من بيوت الديريين من بصمات نساء ورجال الأرمن إن كانت أم أو جدة أو تناسل منهن عدا عن كثير من العوائل الأرمنية العربية التي عاشت في المنطقة بمثلها وقيمها التي نعتز نحن بها. وقد التزم هؤلاء وهم بالأصل عناصر نظام وأمان وعمل وإنتاج وازدهار وصدق.

من خلال قتل الآلاف لم يستطيعوا قتل الحقيقة الكامنة فيكم. لأننا وأنتم أصحاب قضية واحدة تساوي وجودنا. إنها الهوية التي حاول الجلاد طمسها فزرعها. ولكن تعلقنا بكل فاصلة ونقطة فيها وبالطابع الملصق عليها نحمل اسم الوطن. وكلنا أمل بالتعلق بقضيتنا وقضيتكم، حافظوا على أخلاقكم التي نعتز بها، واعلموا أنهم كالرياح الهوجاء مضوا.

وبقيتم في خلودكم كخلود جبال أرارت الصامد في وجه الريح. استشهدوا من أجل أن تحيا أرمينيا.

دير الزور 1998

محسنة عياش: رئيسة جمعية المرأة العربية دار المسنات، نائبة رئيس جمعية العاديات بدير الزور، مدرسة تاريخ (1935-2000).

Leave a Reply

Your email address will not be published.